تراقب إسرائيل بقلق شديد التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا، حيث استعادت القوات السورية السيطرة على مناطق كانت تحت إدارة الأكراد، وهو ما تعتبره تل أبيب تطورًا سلبيًا للغاية على الصعيد الاستراتيجي والأمني. من منظور إسرائيل، أي اتفاق محتمل بين دمشق والأكراد يضعها في موقف أقل قوة، إذ أن التعامل مع طرف ضعيف يحتاج إلى دعم إسرائيل أكثر من العكس، بينما اتفاق مع الدولة السورية يعزز موقف دمشق ويقلل من قدرة تل أبيب على التأثير المباشر على مسار الأحداث في المنطقة.
وسائل الإعلام الإسرائيلية أكدت أن تل أبيب تعتبر نفسها ملتزمة بالدفاع عن الأقليات في سوريا، وخصوصًا الدروز، بينما كان هناك في السابق دعوات للحماية أيضاً للأكراد، خصوصًا في ضوء الدور الذي لعبوه في مواجهة تنظيم داعش. المقدمة في الاحتياط بالجيش الإسرائيلي، سارِيت زهافي، والتي تشغل منصب رئيسة مركز "علما" للأبحاث الأمنية، اعتبرت أن الرئيس السوري يسعى إلى بناء دولة إسلامية على حدود إسرائيل، مشيرة إلى توسع شبكة المدارس التابعة لجماعات مثل هيئة تحرير الشام، وانتشار رسائل مؤيدة لحركة حماس وعروض عسكرية تصور إسرائيل كعدو، وهو ما تعتبره جزءًا من تصعيد خطير يتناقض مع أي إشارات للسلام. وأضافت زهافي أن ظهور هتافات معادية لليهود مثل "خيبر خيبر يا يهود" في المناطق الكردية التي استعادها الجيش السوري، بما في ذلك في أحياء حلب، يعكس تزايد العداء وتضاؤل فرص التوصل إلى تهدئة فعلية.
في الوقت ذاته، يرى المسؤولون الإسرائيليون أن أي تحركات سورية ضد الأكراد تتم غالبًا بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة، التي كانت توفر حماية للأكراد، ما يضع إسرائيل في موقف صعب، فهي لا تريد إفساد علاقاتها مع واشنطن لكنها تجد نفسها محدودة الخيارات في حماية مصالحها، خصوصًا فيما يتعلق بالأقليات الدرزية التي عقدت تحالفًا مع تل أبيب. وزاد تعقيد الصورة تزايد النفوذ التركي في شمال شرق سوريا، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا إضافيًا لأنها تسعى لإبعاد تركيا عن أي وجود عسكري في سوريا، وترى أن أي توسع سوري يصب جزئيًا في مصلحة أنقرة، ما يزيد من المخاطر على حدودها الشمالية.
من جانب آخر، دعا بعض المسؤولين الإسرائيليين المجتمع الدولي إلى حماية الأكراد، مؤكدين أن الهجمات السورية على الأقلية الكردية في حلب تمثل انتهاكًا للوعود المعلنة حول سوريا الجديدة، وأن صمت المجتمع الدولي قد يؤدي إلى تصعيد العنف. في الوقت نفسه، تركز إسرائيل على تأمين ممر آمن إلى محافظة السويداء لحماية الدروز، لكن التوقعات تشير إلى صعوبة موافقة دمشق على ذلك، في حين تستمر تل أبيب في الحفاظ على عدة مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، لتعزيز قدراتها الاستراتيجية ومراقبة التطورات.
الخبير الإسرائيلي في الشأن السوري إيال زيسر وصف هجوم القوات السورية على مناطق الأكراد بأنه جاء بمساعدة تركية وبتحرك تحت الضوء الأخضر من واشنطن، مؤكدًا أن المعركة لم تصل بعد إلى مناطق سكن الأكراد الرئيسة، التي من المتوقع أن يبذلوا فيها مقاومة أقوى، ما يشير إلى أن الصراع في شمال شرق سوريا لا يزال في بدايته، وأن التوازنات الجديدة بين دمشق والأكراد وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة ستكون مفتوحة على تغيرات مستمرة.
في المجمل، تظهر التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا تعقيدات كبيرة في الصراع الإقليمي، حيث تتقاطع مصالح إسرائيل، سوريا، الأكراد، تركيا، والولايات المتحدة، فيما يحاول كل طرف حماية مصالحه الاستراتيجية، سواء على صعيد الأمن الحدودي أو النفوذ العسكري والسياسي، وسط أجواء غير مستقرة تحوم حول مستقبل المنطقة وسبل ضمان الاستقرار فيها.