حقق الاتفاق بين دمشق و"قسد" خطوات مهمة نحو وحدة الأراضي السورية وتعزيز السيطرة على شمال شرق البلاد لكن انعكاساته لم تقتصر على سوريا وحدها وإنما جاءت لتخدم المصالح التركية أيضًا على الصعيدين الإقليمي والأمني.
الاتفاق ومضمونه الأساسي:
أعلنت الرئاسة السورية في 18 يناير توقيع ما يسمى باتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية ويتضمن الاتفاق أربعة عشر بندًا أساسيًا تشمل وقف إطلاق نار شامل وفوري ودمج المؤسسات المدنية داخل هياكل الدولة وإدماج مقاتلي "قسد" في الجيش السوري بشكل فردي وتسليم المعابر الحدودية وعودة النازحين لمنازلهم جاءت هذه التطورات بعد تراجع سريع لسيطرة "قسد" على الموارد الحيوية والجغرافيا غرب وشرق الفرات ما أتاح فرض الأرضية المناسبة لإبرام التسوية.
الدور التركي والدبلوماسية الإقليمية:
نشطت الدبلوماسية التركية عبر وزير الخارجية هاكان فيدان لبناء شبكة دعم سياسية على المستويين الإقليمي والدولي وبخاصة مع الإدارة الأميركية التي كانت داعمة سابقًا لقسد أولوية أنقرة في 2026 ترتكز على إنهاء الملف الكردي داخليًا وإقليميًا وتطبيق مشروع تركيا بلا إرهاب عبر التعاون مع دمشق لإنهاء أي شبه استقلال لقسد ودمج عناصرها ضمن مؤسسات الدولة السورية
المكاسب الاستراتيجية لأنقرة
الاتفاق أعاد رسم المشهد السياسي والعسكري في شمال شرق سوريا وحقق عدة فوائد مباشرة لتركيا منها تقويض مشروع "قسد" الداخلي والخارجي وإضعاف قدراتها الميدانية والسياسية وتعزيز سيطرة دمشق على كامل الأراضي السورية بما يعزز الأمن القومي التركي وتقييد قدرة التدخل الإسرائيلي في المنطقة مما يقلل الضغوط على تركيا وسوريا معًا كما ساهم دمج عناصر "قسد" في الجيش السوري واستلام الحكومة السورية المعابر الحدودية مع تركيا في تعزيز الأمن على الحدود وإنهاء المظاهر العسكرية في مناطق استراتيجية بالإضافة إلى إبعاد العناصر غير السورية المرتبطة بحزب "العمال الكردستاني" وهو هدف تركي أساسي منذ سنوات.
التعاون الاستخباراتي والعسكري:
قدمت تركيا معلومات استخباراتية دقيقة للقيادة السورية عن تحركات "العمال الكردستاني" و"قسد" وساهمت في تعزيز قدرة الجيش السوري على تطبيق الاتفاق كما دعمت العمليات الميدانية من خلال تزويد دمشق بأسلحة وقطع عسكرية وأيضًا عبر المراقبة الجوية باستخدام الطائرات المسيرة ويظهر من زيارة وزير الخارجية التركي لواشنطن والاجتماعات مع المسؤولين الأميركيين قبل توقيع الاتفاق دور تركيا في بناء اللبنات الأولى للتسوية وتأمين الأرضية السياسية والعسكرية المناسبة لها.
التحديات المستقبلية:
رغم المكاسب الواضحة، لا يزال الاتفاق يواجه تحديات كبيرة منها موقف قيادة حزب "العمال الكردستاني" في جبال قنديل والتي قد تسعى لإفشاله إضافة إلى التحديات اللوجستية والسياسية والميدانية أمام التنفيذ الكامل لبنود الاتفاق كما أن الالتزام الفعلي لعناصر "قسد" بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة لا يزال بحاجة إلى متابعة دقيقة لضمان النتائج المرجوة.
يشكل الاتفاق مرحلة متقدمة لدمشق في استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها ويعكس مصلحة مشتركة لسوريا وتركيا على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية كما يوفر لتركيا فرصة لتعزيز أمنها القومي ومواجهة أي تهديدات محتملة من مشاريع انفصالية أو تدخلات خارجية ويضع الأساس لمسار مستقر طويل الأمد في المنطقة مع مراعاة أن مرحلة التنفيذ الفعلي ستحدد مدى نجاح الاتفاق واستدامة المكاسب الإستراتيجية.