كيف انهارت قسد أمام الجيش السوري؟

2026.01.19 - 11:11
Facebook Share
طباعة

 شهد شمال شرق سوريا تحولات مفاجئة خلال ساعات قليلة، بعد انهيار سريع لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” أمام الجيش السوري ومقاتلي العشائر العربية، في خطوة اعتبرها مراقبون أنها شكلت استكمالًا لخطة الحكومة السورية للسيطرة على المنطقة وفرض اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخراً.

بدأ الانهيار في الصباح الباكر، عندما شهدت عدة مناطق استراتيجية، بما فيها أكبر حقول النفط والغاز في البلاد ومطار عسكري، انسحاب مقاتلي “قسد” أمام تقدم القوات السورية والعشائر المحلية. وقد أثار هذا الانسحاب المفاجئ تساؤلات حول العوامل التي ساهمت في سرعة انهيار التنظيم، خصوصاً أن المعارك السابقة مع “قسد” لم تتجاوز أيامًا قليلة قبل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها.


دور العشائر العربية
يرى مراقبون أن ما وصف بـ”انتفاضة العشائر” كان العامل الحاسم في التقدم السريع. ففي هذه المرة، لم تقتصر العمليات على مواجهة محدودة، كما حدث في المواجهات السابقة، بل جاءت الانشقاقات والتعبئة العسكرية باسم تجمعات عشائرية واسعة، ضمت مناطق الرقة ودير الزور ووصلت إلى البوكمال قرب الحدود العراقية. هذه الاستراتيجية الجديدة قلّصت فرص قسد في المقاومة الفعّالة، خصوصاً أن التنظيم يفتقر إلى قاعدة شعبية حقيقية في هذه المناطق، على عكس العشائر التي تملك الأرض والتواجد المجتمعي.

وأكد خبراء عسكريون أن هذه التحركات جاءت متسقة مع خطاب الحكومة السورية، التي طالبت “قسد” منذ مارس/آذار 2025 بدمج عناصرها في الجيش السوري، وتسليم المطارات وحقول النفط والمنافذ الحدودية، وهو ما لم يحدث بشكل سلمي رغم المهل الطويلة.


الانشقاقات والاستراتيجية الحكومية
ساهمت دعوات العشائر المحلية لأبنائها بالانشقاق عن “قسد” في تعزيز سرعة انهيارها. فقد حرصت هذه المرة على عدم تكرار أخطاء الماضي، إذ لم تُعلن العمليات باسم قبيلة بعينها، بل جاءت باسم تجمعات واسعة، ما أضفى شرعية جماعية على التحرك العسكري، وأظهر تماسكًا داخليًا في مواجهة التنظيم.

كما عززت الأحداث الأخيرة ما حققه الجيش السوري في الأشرفية والشيخ مقصود بحلب قبل أسبوعين، حيث تم طرد “قسد” من هذه الأحياء، ما أعطى الحكومة ورقة ضغط إضافية لاستكمال العملية العسكرية باتجاه مدينة دير حافر شرق حلب، ومن ثم التوسع غرب نهر الفرات نحو الرقة.


العشائر المشاركة في العملية
لعبت القبائل العربية المحلية دورًا محوريًا في الانتفاضة ضد “قسد”، لا سيما في محافظتي الرقة ودير الزور. من أبرز هذه العشائر:

العقيدات: أكبر وأهم قبائل شرق الفرات، تنتشر من دير الزور وصولًا إلى البوكمال، وتمتلك امتدادات كبيرة خارج سوريا، ولها تاريخ طويل في الحياة السياسية والعسكرية بالمنطقة.

البقارة: تنتشر في معظم أنحاء سوريا، بما فيها دير الزور والحسكة، ولها حضور اقتصادي وسياسي مميز.

عشائر أخرى: مثل شمّر، عنزة، طي، الجبور، المعامرة، وغيرها، ساهمت في تأمين الأرض ودعم الجيش السوري في مواجهة “قسد”.

حرصت العشائر على وحدة الخطاب، وظهرت العمليات العسكرية على أنها جهود مشتركة تهدف إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وليس لمصلحة عشيرة بعينها.


أسباب الانقسام الشعبي لقسد
واجهت “قسد” منذ تأسيسها مقاومة شعبية في المناطق العربية، بسبب سيطرتها على الموارد النفطية واستثمارها لصالح التنظيم، وغياب أي قاعدة شعبية حقيقية، خصوصًا في المناطق العربية. كما يعتمد التنظيم على دعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي أسهم في تأسيسه وتجهيزه وتسليح عناصر عربية في الريف الشرقي لدير الزور، لكن هذا الدعم لم يكن كافيًا لصد الانشقاقات والضغط المحلي.


الرسالة الرئاسية ونتائج العملية
مع تقدم الجيش السوري والعشائر، وجه الرئيس السوري رسالة للعشائر يدعوهم فيها للهدوء، وفتح المجال لتطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار ودمج “قسد” الكامل في الجيش. ويشمل الاتفاق:
تسليم جميع حقول النفط والغاز للحكومة السورية.
انسحاب “قسد” إلى شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.
تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريًا وعسكريًا.
دمج جميع المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن هياكل الدولة.
دمج عناصر “قسد” في وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي.
منع ضم فلول النظام السابق إلى صفوف التنظيم، وتسليم قوائم الضباط السابقين.

وأكدت الحكومة أن الالتزام بهذه البنود سيضمن الاستقرار ويحد من أي نزاع محتمل مستقبلاً، ويعيد سيطرة الدولة على شمال شرق البلاد.


تشير التطورات إلى أن الانهيار السريع لـ”قسد” لم يكن مجرد نتيجة العمليات العسكرية، بل جاء نتيجة تضافر عوامل: تحرك العشائر المحلية بطريقة موحدة، فقدان التنظيم لأي قاعدة شعبية في المناطق العربية، والتنسيق الضمني مع استراتيجية الحكومة السورية. ويعكس هذا المشهد فعالية ما وصفه محللون بـخطة “ب” للسلطة السورية لإخضاع التنظيم خلال ساعات، وتحقيق السيطرة الكاملة على الموارد والمواقع الحيوية دون مواجهة طويلة.

وبذلك، يكون شمال شرق سوريا قد شهد تحولًا سريعًا في موازين القوى، ما يمهّد لمرحلة جديدة من الإدارة المدنية والعسكرية تحت هيمنة الدولة، ويضع “قسد” أمام تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4