تفاهم شامل يعيد رسم المشهد شمال شرق سوريا

2026.01.19 - 10:23
Facebook Share
طباعة

 شهدت مناطق شمال شرقي سوريا تطورًا سياسيًا وعسكريًا لافتًا، عقب الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في خطوة تهدف إلى إنهاء التصعيد الأخير، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاهمات الأمنية والإدارية.

ويأتي هذا الاتفاق بعد أيام من توترات ميدانية واشتباكات عنيفة، أسفرت عن خسائر بشرية وميدانية، ودفع الأطراف إلى البحث عن مخرج يحدّ من اتساع رقعة المواجهة، ويمنع انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع.

وأعلنت قيادة “قسد” قبولها بالاتفاق، معتبرة أن المواجهات الأخيرة لم تكن خيارًا لها، بل جاءت نتيجة ظروف معقدة وتشابك أطراف متعددة، مشيرة إلى أن الانسحاب من بعض المناطق، ولا سيما محافظتي دير الزور والرقة، جاء في إطار منع إراقة مزيد من الدماء، وتفادي سيناريوهات اقتتال داخلي.

وفي المقابل، أقرت “قسد” بتكبدها خسائر كبيرة خلال المواجهات، لكنها أكدت في الوقت نفسه تمسكها بما تعتبره “مكتسبات” حققتها خلال السنوات الماضية، واستعدادها للدفاع عنها ضمن أي مسار سياسي أو أمني مقبل.

الاتفاق الذي جرى توقيعه تضمن حزمة واسعة من البنود، أبرزها الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات وخطوط التماس، وبدء انسحاب قوات “قسد” إلى شرق نهر الفرات، تمهيدًا لإعادة الانتشار وفق تفاهمات جديدة.

كما نص الاتفاق على تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إداريًا وعسكريًا إلى الحكومة السورية، ودمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن هياكل الدولة، إلى جانب استلام الحكومة للمعابر الحدودية وحقول النفط في المحافظة.

وشمل الاتفاق أيضًا دمج أفراد “قسد” ضمن مؤسسات وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي، واعتماد عدد من مرشحيها لتولي مناصب عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة ضمن هيكل الدولة، في إطار عملية إعادة تنظيم شاملة للمنطقة.

وفي الجانب الأمني، تضمن الاتفاق التزام “قسد” بعدم دمج أي عناصر من فلول النظام السابق في صفوفها، وتقديم معلومات تتعلق بوجودهم في مناطق شمال شرقي البلاد، إلى جانب إخراج قادة وأعضاء حزب “العمال الكردستاني” غير السوريين خارج الأراضي السورية.

كما نص على إزالة الوجود العسكري الثقيل من مدينة عين العرب (كوباني)، وتشكيل قوة أمنية محلية من أبناء المدينة، إلى جانب الإبقاء على قوة شرطة محلية ترتبط إداريًا بوزارة الداخلية، بما يضمن إدارة أمنية محلية تحت مظلة الدولة.

وفي ملف حساس، اتفق الطرفان على دمج الجهة المسؤولة عن سجون تنظيم “الدولة الإسلامية” والمخيمات ضمن مؤسسات الحكومة، على أن تتحمل الدولة السورية كامل المسؤولية القانونية والأمنية عن هذه السجون، بالتنسيق مع التحالف الدولي، والاستمرار في جهود مكافحة الإرهاب.

كما شمل الاتفاق العمل على تفاهمات تتيح عودة آمنة وكريمة لسكان مناطق عفرين والشيخ مقصود إلى منازلهم، في إطار معالجة ملفات النزوح والتهجير التي شهدتها السنوات الماضية.

عقب توقيع الاتفاق، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، والإيقاف الشامل للأعمال القتالية في مختلف مناطق الاشتباك، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد لفتح ممرات آمنة أمام عودة المدنيين، وإعادة مؤسسات الدولة لممارسة مهامها الخدمية.

وجاء هذا التطور بعد عملية عسكرية نفذها الجيش السوري على مدى يومين، تمكن خلالها من استعادة مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، عقب تعثر تنفيذ تفاهمات سابقة مع “قسد”، كانت تنص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية، وإعادة فتح المعابر والمرافق الحيوية، وسحب القوات من بعض المناطق.

وتسعى الحكومة السورية، منذ التغيير السياسي الذي شهدته البلاد أواخر عام 2024، إلى إعادة ضبط المشهد الأمني، وبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، في ظل تحديات داخلية وضغوط إقليمية ودولية معقدة.

ويرى مراقبون أن الاتفاق الأخير يشكل نقطة تحول مهمة في مسار العلاقة بين دمشق و”قسد”، وقد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب شاملة للوضع في شمال شرقي سوريا، إذا ما جرى الالتزام بتنفيذه، وسط ترقب داخلي وإقليمي لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7