تعثر جديد في مسار دمشق وقسد

2026.01.05 - 08:42
Facebook Share
طباعة

 تعثرت جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي عُقدت في العاصمة دمشق، دون أن تسفر عن نتائج ملموسة من شأنها الدفع قدمًا بتنفيذ الاتفاق الموقع بين الطرفين في مارس/آذار الماضي، وسط استمرار التباين في وجهات النظر حول آليات التطبيق ومستقبل مناطق شمال شرقي البلاد.

وجاءت هذه الاجتماعات في إطار متابعة تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025، الذي وُقّع بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، بحضور وفد قيادي رفيع من "قسد". إلا أن اللقاءات، وفق معطيات متطابقة، لم تحقق اختراقًا حقيقيًا، واكتفت بتأكيد الحاجة إلى عقد جولات تفاوض إضافية في وقت لاحق.

ويُعد هذا الاتفاق أحد أبرز المحاولات منذ سنوات لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والقوى المسيطرة على شمال شرقي سوريا، إذ نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، على أن يُستكمل هذا المسار قبل نهاية العام الجاري. غير أن ترجمة هذه البنود على الأرض لا تزال تصطدم بعقبات سياسية وأمنية معقدة.

وبحسب ما رشح عن أجواء الاجتماعات، فإن الخلافات تتركز بشكل أساسي حول شكل دمج قوات "قسد" في الجيش السوري، وصلاحيات القيادات المحلية، إضافة إلى مستقبل الإدارة الذاتية وهياكلها المدنية والخدمية. ورغم تبادل المقترحات، لم يتم التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بتوافق الطرفين.

وكانت "قسد" قد تسلمت في وقت سابق مقترحًا مكتوبًا من الحكومة السورية، يقضي بدمج قواتها ضمن صفوف الجيش، عبر تقسيمها إلى ثلاث فرق عسكرية وعدد من الألوية، من بينها لواء خاص بالمرأة، على أن تنتشر هذه التشكيلات في مناطق سيطرة القوات شمال شرقي سوريا، وتُدار بقيادات من داخلها، لكن تحت المظلة الرسمية للمؤسسة العسكرية السورية.

وفي المقابل، قدمت "قسد" ردها على هذا المقترح، متضمنًا ملاحظات وتعديلات، قيل إنها تتعلق بضمانات تتصل بالتمثيل، والخصوصية الإدارية، والحفاظ على بعض الهياكل القائمة خلال مرحلة انتقالية. إلا أن هذه الردود لم تُفضِ حتى الآن إلى توافق نهائي.

وفي بيان سابق، أكدت قوات سوريا الديمقراطية أن لقاءات جرت بالفعل في دمشق بين قيادات من قواتها ومسؤولين حكوميين، في إطار مباحثات متواصلة حول عملية الاندماج، مشيرة إلى أن الوفد ضم مظلوم عبدي وعددًا من أعضاء القيادة العامة، وأن الإعلان عن النتائج سيتم بعد استكمال المشاورات الجارية.

من جهتها، شددت الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا، التابعة لـ"قسد"، على ضرورة الالتزام الكامل باتفاق العاشر من مارس/آذار، معتبرة أن تنفيذه يشكل "حلًا وطنيًا شاملًا" يسهم في بناء سوريا ديمقراطية لا مركزية، تضمن حقوق مختلف المكونات، وتحقق شراكة حقيقية في إدارة البلاد.

ويرى مراقبون أن حالة الجمود الحالية تعكس عمق التعقيدات المرتبطة بملف شمال شرقي سوريا، حيث لا يقتصر الخلاف على الجوانب العسكرية فحسب، بل يمتد إلى قضايا سياسية واقتصادية وإدارية شديدة الحساسية، في منطقة تضم أبرز حقول النفط والغاز، وتشكل ثقلًا استراتيجيًا في مستقبل الدولة السورية.

وخلال السنوات العشر الماضية، بنت قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها وتهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية، نموذجًا إداريًا شبه مستقل، شمل مؤسسات عسكرية وأمنية، إلى جانب هياكل خدمية واقتصادية. وقد تمكنت هذه القوات من بسط سيطرتها على مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا، بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، بدعم دولي، ما عزز نفوذها الميداني والسياسي.

وفي ظل هذه الخلفية، تبدو المفاوضات بين دمشق و"قسد" محكومة بتوازنات دقيقة، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت مكاسبه، مع تجنب الصدام المباشر. وبينما تؤكد الحكومة السورية تمسكها بوحدة البلاد وعودة مؤسسات الدولة إلى كامل الجغرافيا السورية، تصر "قسد" على ضمانات واضحة تتعلق بالحقوق والإدارة المحلية ومستقبل قواتها.

ومع غياب اختراق حقيقي في الجولة الأخيرة، يبقى مسار التفاوض مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين التوصل إلى تسوية تدريجية، أو استمرار حالة المراوحة، في انتظار متغيرات سياسية أو ميدانية قد تفرض إيقاعًا جديدًا على هذا الملف المعقد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 6