شهدت منطقة البحر الأحمر خلال العقود الماضية تحولات جيوسياسية وملاحية عميقة، انعكست على الأمن الإقليمي والاستقرار الملاحي الدولي حيث تعرضت دوله لحوادث متعددة، صراعات داخلية، اضطرابات في حواضنه مثل اليمن والقرن الأفريقي والسودان، وهجمات على الممرات البحرية الحيوية هذه التطورات تشير إلى أهمية تبني رؤية شاملة لأمن البحر الأحمر تتجاوز التعاون العسكري التقليدي، مع التركيز على بناء "الحاضنة الجيوسياسية والأمنية" لضمان الاستقرار المستدام للممرات الملاحية وللمصالح الوطنية والإقليمية.
البحر الأحمر.. ممر عالمي حساس
على مدار السنوات الماضية، واجه الممر البحري تحديات متعددة بدءاً من هجوم تنظيم القاعدة على المدمرة الأمريكية "يو إس إس كول" في ميناء عدن عام 2000، وصولاً إلى أزمة القرصنة قبالة السواحل الصومالية منذ 2006 وحتى تجددها في 2022 كما شهدت المنطقة تنافس القوى الكبرى والإقليمية على إقامة قواعد عسكرية، بينما استمرت الصراعات الداخلية في اليمن منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014 والحرب مع التحالف العربي منذ 2015، إضافة للصراعات في إثيوبيا والسودان.
وفق مركز الأهرام للدراسات السياسية، تؤكد هذه الأحداث أن استقرار البحر الأحمر مرتبط بشكل مباشر بالحاضنة الجيوسياسية والأمنية لدوله، بحيث يكون أي تخطيط أمني مستقبلي شامل ويعتمد على تكامل السياسة، الاقتصاد، والثقافة مشاريع اقتصادية ضخمة في مصر والسعودية ترتبط مباشرة بالاستقرار في المنطقة، ما يجعل تأمين هذه البيئة أمراً محورياً لمستقبل الممر الملاحي الدولي.
كما زادت التوترات الإقليمية من تعقيد الوضع، مثل هجمات السفن بين إيران وإسرائيل، الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى "جمهورية أرض الصومال"، ومذكرة تفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال تمنح الأولى منفذاً بحرياً وقاعدة عسكرية في ميناء بربرة عام 2024 هذه الأحداث تؤكد الحاجة الملحة لتطوير هيكل أمني وسياسي متكامل لدول البحر الأحمر.
تطوير مجلس البحر الأحمر.. ضرورة ملحة
أُطلق المجلس عام 2020م كمبادرة سياسية لتنسيق الجهود بين الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وتشمل مصر، السعودية، الأردن، السودان، اليمن، إريتريا، الصومال الفيدرالية، وجيبوتي. خمس سنوات مرت منذ توقيع ميثاق المجلس دون تفعيل بنيته التأسيسية، ما جعل إعادة إطلاقه أمراً ضرورياً لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة وضمان قدرة الدول على مواجهة أي محاولات لتقويض استقرار المنطقة.
بناء الهيكل الأمني العسكري الإقليمي:
الوضع الحالي يتطلب تأسيس آليات تعاون عسكري وأمني مشتركة تشمل خطط استجابة سريعة للتهديدات البحرية والجوية، وتعزيز التدريبات والمناورات المشتركة بين الدول. هذه الخطوات تضمن جاهزية المنطقة للتعامل مع أي تهديدات محتملة وتعزز التناسق بين دولها في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
الاستثمار في الحاضنة الأمنية والجيوسياسية:
الاستقرار الحقيقي للبحر الأحمر يحتاج إلى دعم سياسي واقتصادي للدول الأكثر هشاشة. يشمل ذلك تسوية النزاعات الداخلية، دعم التنمية الاقتصادية، إنشاء مراصد وطنية وإقليمية للإنذار المبكر بالأزمات، وربط الخطط الأمنية بمبادرات اقتصادية تعود بالنفع على الشعوب، بما يعزز التعاون الإقليمي ويخلق بيئة مستقرة.
الاستثمار في الحاضنة الفكرية والحضارية:
الأمن يمتد ليشمل الحاضنة الفكرية والحضارية، عبر مشاركة المثقفين والخبراء والمؤرخين في صياغة رؤى الأمن المستدامة اللقاءات الفكرية، الندوات، والفعاليات الثقافية تساعد على إعادة تأصيل الهوية المشتركة للبحر الأحمر، وتعزز التواصل التاريخي والحضاري بين شعوبه، بما يدعم أي إطار سياسي أو أمني ناشئ ويضمن نجاحه على المدى الطويل.
تطوير مجلس البحر الأحمر وفق رؤية شاملة تجمع السياسة، الأمن العسكري، الاقتصاد، والحاضنة الفكرية والحضارية يمثل أفضل وسيلة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، ويضمن استمرار المجلس وأهميته في تعزيز الأمن والاستقرار لممر ملاحي عالمي حيوي، بعيداً عن البيانات التقليدية للشجب والإدانة.