لم تكن العملة في السياق السوري مجرد وسيلة اقتصادية محايدة، وإنما شكّلت عبر التاريخ انعكاسًا مباشرًا لبنية السلطة والتحولات السياسية التي عرفتها البلاد.
فقد ارتبط النقد منذ نشأته بالسيادة، وبقدرة الدولة أو السلطة الحاكمة على فرض معاييرها الاقتصادية وضبط المجال العام، في سوريا، التي مثّلت عبر العصور نقطة التقاء حضاري وتجاري بين الشرق والغرب، عكس النظام النقدي طبيعة القوى المسيطرة، ومدى اندماج البلاد في الفضاءات الإمبراطورية أو محاولاتها لبناء استقلال سياسي واقتصادي.
ومنذ العصور القديمة وحتى تشكّل الدولة السورية الحديثة، ظل النقد شاهدًا على التحولات الكبرى من الإمبراطوريات القديمة إلى الخلافات الإسلامية، ومن الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي، ثم مرحلة الاستقلال وما تلاها من أزمات بنيوية انتهت بانهيار نقدي واسع بعد عام 2011، استمر تأثيره حتى عام 2025.
الجذور اللغوية والتاريخية لتسمية الليرة:
يرجع أصل مصطلح “الليرة” إلى الكلمة اللاتينية “ليبرا” (Libra)، التي كانت تشير إلى وحدة وزن استخدمت في العالم الروماني، ومنها اشتُق اسم وحدة نقدية فضية عُرفت لاحقًا في أوروبا. ومع تطور الأنظمة النقدية في القرن التاسع عشر، انتقل هذا المسمّى إلى الدولة العثمانية التي اعتمدت “الليرة” كوحدة نقد رسمية، ثم إلى مصر وعدد من بلدان شرق المتوسط.
وقد أصبحت الليرة العثمانية الذهبية الوحدة الأساسية في النظام النقدي العثماني، وقُسمت إلى مئة قرش واعتمدت على قاعدة المعدنين قبل الانتقال إلى المعيار الذهبي بشكل كامل أواخر القرن التاسع عشر ومن خلال هذا المسار، انتقلت تسمية الليرة إلى سوريا، حيث ارتبطت لاحقًا بمفهوم العملة الوطنية في سياق تفكك الإمبراطورية العثمانية وبروز الكيانات السياسية الحديثة.
تطور النقد في سوريا قبل الإسلام:
تعود جذور النقد في الأراضي السورية إلى القرن السابع قبل الميلاد، حين بدأت المدن الفينيقية والآرامية باستخدام وحدات فضية مثل الشيكل في المبادلات التجارية وقد سكّت تلك المدن عملات حملت رموزًا دينية وسياسية، مثل صور الآلهة والحيوانات الرمزية، ما يعكس الصلة الوثيقة بين النقد والسلطة والهوية الثقافية.
وخلال العصر الهلنستي، عقب فتوحات الإسكندر المقدوني شهدت المدن السورية ازدهارًا في سكّ العملات الفضية والبرونزية، التي حملت صور الآلهة والإمبراطور ورموزًا بحرية وعسكرية، مع تواريخ وأحرف تشير إلى مراحل الحكم المحلي وأتاح هذا النظام قدرًا من الاستقلال الاقتصادي للمدن ضمن الإطار السلوقي.
ومع دخول سوريا تحت الحكم الروماني، تم دمج الاقتصاد المحلي في النظام النقدي الإمبراطوري، حيث أصبحت العملات تحمل صور الأباطرة الرومان والشعارات الرسمية، مع تراجع تدريجي لخصوصية المدن النقدية، واستمر هذا الاتجاه في العهد البيزنطي، إلى جانب تداول العملات الفارسية الساسانية.
النقد في العصر الإسلامي وإصلاحات عبد الملك بن مروان:
مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، استمر تداول العملات البيزنطية والساسانية في مرحلة انتقالية، خاصة الدراهم الفضية، قبل أن تبدأ عملية تعريب النقود وظهرت في عهد معاوية بن أبي سفيان عملات مختلطة الطراز تجمع بين رموز ساسانية وعبارات إسلامية.
وشكّلت إصلاحات الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان نقطة تحول مركزية في تاريخ النقد، حيث صدرت لأول مرة دنانير ذهبية ودراهم فضية إسلامية خالصة مكتوبة بالعربية، تحمل عبارات التوحيد وأسماء المدن وتواريخ السك الهجرية وأسّس هذا الإصلاح لنظام نقدي مستقل عن النفوذ البيزنطي والفارسي، واستمر تأثيره في العصور العباسية وما تلاها.
خلال العصور الإسلامية اللاحقة، استخدمت العملة أداة لإثبات الشرعية السياسية وضبط الاقتصاد، مع التزام صارم بأوزان ونقاوة المعادن، وهو ما عزز الثقة العامة بالنقد، ورسّخ دوره كوسيط للتبادل ووسيلة للسيطرة الاقتصادية.
التنوع النقدي في العصور الأيوبية والمملوكية:
شهدت سوريا في ظل الأيوبيين والمماليك تنوعًا نقديًا واسعًا، حيث صدرت عملات ذهبية وفضية حملت أسماء السلاطين وألقابهم، إلى جانب نقود نحاسية للمعاملات اليومية وقد أدخل المماليك تصميمات هندسية أكثر تطورًا، واهتموا بتحسين نقاوة المعادن وجودة السكّ.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتكررة، أجرى سلاطين مماليك إصلاحات نقدية لتثبيت قيمة العملة، عبر تعديل الأوزان وإصدار مسكوكات جديدة تحمل ألقابًا رسمية تعكس هيبة السلطة وشكّلت هذه المرحلة آخر تطور نقدي محلي قبل دخول سوريا تحت الحكم العثماني عام 1516.
الليرة في العهد العثماني: من المعدن إلى الورق
مع السيطرة العثمانية، توحّد النظام النقدي في سوريا ضمن المنظومة الإمبراطورية، واعتمد على الليرة العثمانية الذهبية كنواة أساسية ومع القرن التاسع عشر، أُدخل النقد الورقي عبر البنك الإمبراطوري العثماني، الذي مُنح امتياز الإصدار، وافتتح فرعًا في دمشق عام 1895.
ورغم التغطية العالية للأوراق النقدية بالذهب، ظل استخدامها محدودًا، حيث فضّل السكان الذهب والفضة ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أُلغيت قابلية تحويل الأوراق إلى ذهب، وتوسّع الإصدار غير المغطى، ما أدى إلى انهيار القيمة الشرائية وفقدان الثقة العامة، ودفع السكان إلى اكتناز الذهب.
مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى والفراغ النقدي:
أدّت هزيمة الدولة العثمانية عام 1918 إلى إلغاء التعامل بالأوراق العثمانية، وفرض الجنيه المصري في مناطق الساحل السوري، بينما استمر تداول الذهب العثماني في الداخل وشكّلت هذه المرحلة انتقالًا نقديًا مؤقتًا، سبق فرض نظام جديد من قبل سلطات الانتداب الفرنسي.
الانتداب الفرنسي وتأسيس الليرة السورية الحديثة:
في عام 1920، فرضت فرنسا نظامًا نقديًا جديدًا قائمًا على الليرة السورية – اللبنانية المرتبطة بالفرنك الفرنسي، ومنحت بنك سوريا امتياز إصدارها وجاء هذا النظام ليكرّس تبعية نقدية مباشرة للاقتصاد الفرنسي، ويحوّل العملة إلى أداة للهيمنة المالية والسياسية.
وفي المقابل، حاولت المملكة العربية السورية بقيادة الملك فيصل إصدار عملة وطنية مستقلة قائمة على قاعدة المعدنين، إلا أن المشروع أُجهض بعد معركة ميسلون وتم تثبيت النظام النقدي الانتدابي عبر اتفاقيات 1924 و1938، التي واجهت معارضة وطنية واسعة.
الاستقلال وبناء السيادة النقدية:
بعد الحرب العالمية الثانية والاستقلال عام 1946، بدأت سوريا مسار فك الارتباط النقدي مع فرنسا، فربطت الليرة بالدولار الأميركي عام 1947، وانضمت إلى نظام بريتون وودز، ثم فصلت نقدها عن لبنان عام 1950 ومع تأسيس مصرف سوريا المركزي عام 1956، استكملت الدولة سيطرتها على إصدار النقد وإدارة السياسة النقدية.
من الاستقرار النسبي إلى الانهيار بعد 2011:
شهدت الليرة السورية خلال العقود اللاحقة فترات من الاستقرار النسبي، قبل أن تتآكل قيمتها تدريجيًا نتيجة اختلالات اقتصادية وسياسات مالية غير متوازنة ومع اندلاع الصراع بعد عام 2011، دخلت العملة مرحلة انهيار غير مسبوقة، تحولت خلالها إلى مؤشر مباشر على التفكك الاقتصادي وفقدان الثقة بالدولة، واستمر هذا المسار حتى عام 2025.
يكشف المسار التاريخي للعملة السورية عن علاقة وثيقة بين النقد والسلطة، حيث شكّلت الليرة مرآة لتحولات الدولة، من الإمبراطوريات إلى الاستقلال، ومن الاستقرار النسبي إلى الانهيار البنيوي وتبرز العملة في هذا السياق بوصفها وثيقة سياسية واقتصادية تعكس حدود السيادة وإمكانات التعافي في “سوريا الجديدة”.