في خطوة فاجأت المجتمع الدولي وأثارت موجة من التكهنات، قررت إيران في اللحظة الأخيرة سحب مشروع قرار تقدمت به إلى الاجتماع السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان يهدف إلى حظر الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية. القرار الذي صاغته إيران بالشراكة مع الصين وروسيا وعدد من الدول الأخرى، كان يمكن أن يفرض قيودًا على أي هجوم عسكري محتمل ضد المواقع النووية الإيرانية، لكنه اصطدم بضغوط أمريكية مكثفة دفعت طهران لتأجيل طرحه رسميًا حتى المؤتمر العام المقبل. هذه الخطوة تحمل رسائل سياسية ودبلوماسية متعددة، إذ تمثل اختبارًا جديدًا لقدرة إيران على المراوغة الدبلوماسية في ظل تصاعد التوتر الدولي حول برنامجها النووي.
تفاصيل القرار الإيراني ومحتواه
كان المشروع الإيراني يقضي بفرض حظر واضح على أي هجوم يستهدف المنشآت النووية، تأكيدًا على مبدأ حماية الطاقة النووية للأغراض السلمية، ومنع أي استهداف عسكري محتمل كما حدث في الماضي.
وكان من المقرر أن يتم التصويت على القرار ضمن المؤتمر العام للوكالة، الذي يضم جميع الدول الأعضاء، ما يعني أن القرار كان بحاجة إلى دعم واسع ليصبح ملزمًا.
ومع ذلك، فإن المشروع أثار مخاوف بعض الدول الغربية، خصوصًا الولايات المتحدة وحلفائها، إذ اعتبروه محاولة لإضفاء شرعية على الحماية الدولية لبرنامج إيران النووي، بما قد يقيّد حرية أي دولة في الرد على تهديدات محتملة، ويضع قيودًا على نشاطات إسرائيل النووية التي لم يتم الكشف عن معظمها.
الضغوط الأمريكية.. القوة الخفية وراء السحب
أكد دبلوماسيون غربيون لوكالة «أسوشييتد برس» أن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا مكثفة لإجهاض مشروع القرار، مشيرين إلى أن واشنطن أشارت ضمنيًا إلى احتمال تقليص التمويل الأمريكي للوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا ما تم تبني القرار، خصوصًا إذا تحركت الوكالة لتقييد حقوق إسرائيل أو تقييم أنشطتها النووية.
هذه الخطوة تعكس استراتيجية واشنطن في التأثير على القرارات الدولية عبر أدوات غير مباشرة، تستفيد من مكانتها كأحد كبار الممولين للوكالة، وتضمن قدرة على ضبط أي تحرك قد يغير ميزان القوى النووية في المنطقة.
المحللون يرون أن هذا الضغط لا يقتصر على منع القرار الإيراني فحسب، بل يمثل رسالة تحذيرية لأي دولة قد تحاول استخدام الوكالة لتقييد أنشطة إسرائيل أو تعزيز موقفها في النزاعات النووية المستقبلية.
رد فعل إيران.. تأجيل محسوب
في كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة، أعلن سفير إيران لدى الأمم المتحدة، رضا نجفي، أن بلاده قررت «تأجيل النظر في مشروع القرار إلى المؤتمر العام المقبل»، مستندًا إلى طلب عدد من الدول الأعضاء، ومن منطلق «روح حسن النية والانخراط البناء».
يُعد هذا التأجيل خطوة تكتيكية من طهران، تهدف إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها لا تلغي مساعيها الطويلة لحماية منشآتها النووية عبر آليات دولية.
وتعكس التصريحات الإيرانية رغبتها في الحفاظ على مظهر الدبلوماسية البناءة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام إعادة طرح القرار في المستقبل، ما يتيح لطهران مساحة للمناورة السياسية والدبلوماسية دون الدخول في صراع مفتوح.
السياق التاريخي.. درس من الماضي
لا يمكن فهم خطوة إيران الحالية دون العودة إلى الأحداث التاريخية التي شكلت وعيها النووي والدبلوماسي. ففي عام 1981، شنت إسرائيل هجومًا على المفاعل النووي العراقي، ما أدى إلى إدانات دولية واسعة من مجلس الأمن الدولي والمؤتمر العام للوكالة ومجلس محافظيها، وتم تعليق تقديم المساعدة التقنية لإسرائيل ضمن إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذه الحادثة التاريخية، المعروفة باسم «هجوم أور»، تعكس المخاطر التي تراها إيران على منشآتها النووية، وتوضح سبب حرصها على تمرير مثل هذا القرار، الذي كان من شأنه إضفاء حماية دولية على منشآتها في مواجهة أي هجوم مستقبلي.
المحللون يشيرون إلى أن هذا السياق التاريخي يفسر جزئيًا الموقف الإيراني الحالي: سعي متوازن بين حماية المنشآت النووية ومواجهة الضغوط الدولية، مع الحرص على عدم استفزاز القوى الكبرى بشكل مباشر.
المواقف الدولية تجاه القرار الإيراني
الصين وروسيا.. الدعم التقليدي
أعلنت الصين وروسيا دعمهما للقرار الإيراني، معتبرتين أن حماية المنشآت النووية حق مشروع لأي دولة، وأن أي هجوم عسكري ضدها يشكل انتهاكًا للقوانين الدولية.
هذا الموقف يعكس استراتيجيات موسكو وبكين في تعزيز نفوذهما في المؤسسات الدولية، ومواجهة الهيمنة الأمريكية على القرارات الدولية، خصوصًا في القضايا النووية والأمنية.
الولايات المتحدة والغرب.. رفض ضمني وصريح
الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون عبروا عن رفضهم للقرار، معتبرين أنه قد يمنح إيران غطاءً دوليًا لبرنامجها النووي، ويحد من قدرة الوكالة على مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية والتأكد من سلميتها.
كما لوحّت واشنطن بخفض التمويل المقدم للوكالة إذا ما تم تمرير القرار، ما يعكس مستوى الضغط السياسي والمالي الذي يمكن أن تمارسه الدول الكبرى على المؤسسات الدولية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
إسرائيل.. التوجس والرقابة
إسرائيل، التي لم تصدر موقفًا رسميًا، تبدي قلقها من أي خطوات قد تقيّد حرية الرد على التهديدات المحتملة لبرامجها النووية، خاصة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. وقد أكدت تقارير إعلامية إسرائيلية على متابعة تل أبيب الحثيثة لمؤتمر الوكالة الدولي، خشية أن يؤدي القرار إلى فرض قيود جديدة على أنشطتها النووية المستقبلية.
تداعيات سياسية ودبلوماسية
تعزيز التوتر بين إيران والغرب
سحب القرار يظهر هشاشة الموقف الإيراني أمام الضغوط الغربية، ويشير إلى أن صراع النفوذ حول البرنامج النووي الإيراني لن يهدأ بسهولة. ويعكس هذا الحدث مدى تأثير الولايات المتحدة على السياسات الدولية حتى في المؤسسات متعددة الأطراف، عبر أدوات الضغط المالي والدبلوماسي.
اختبار حيادية الوكالة الدولية للطاقة الذرية
الوكالة الدولية للطاقة الذرية تواجه اختبارًا جديدًا لقدرتها على البقاء حيادية، خصوصًا مع الضغوط الواضحة من الدول الكبرى على قراراتها. وتكشف هذه الواقعة عن التحدي المستمر للوكالة في موازنة التزاماتها الرقابية مع مصالح الدول المانحة.
الفرص والتحديات أمام إيران
تأجيل القرار يمنح إيران هامشًا دبلوماسيًا، لكنه لا يحل أزمة الثقة الدولية حول برنامجها النووي. كما أن التأجيل قد يؤدي إلى استمرار المناقشات الحادة في المؤتمرات المقبلة، مع احتمالية زيادة عزلة إيران إذا ما تم إعادة فرض العقوبات الدولية.
السيناريوهات المستقبلية
يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة للعام المقبل:
1. إعادة طرح القرار: إيران قد تحاول إعادة تقديم القرار بعد التفاوض مع الدول الكبرى للحصول على دعم محدود، مع محاولة تخفيف الضغوط الأمريكية.
2. تجميد مستمر للقرار: قد يتم تجميد المشروع تمامًا، خصوصًا إذا استمرت الضغوط الأمريكية والأوروبية، ما يجعل أي تحرك دولي لحماية المنشآت النووية الإيرانية شبه مستحيل.
3. تصعيد محتمل في النزاع الإقليمي: في حال تم تجاهل مصالح إيران النووية، قد تلجأ طهران إلى خطوات تصعيدية، سواء عبر توسيع برنامجها النووي أو من خلال تحركات سياسية ودبلوماسية في المنظمات الدولية.
بين التكتيك والدبلوماسية
سحب إيران لمشروع القرار يعكس واقعًا دبلوماسيًا معقدًا، يجمع بين التهديد العسكري، الضغوط السياسية، والمصالح الاقتصادية. على الرغم من التأجيل، يسلط الحدث الضوء على هشاشة النظام الدولي في مواجهة النزاعات النووية، ويبرز الدور الحاسم للقوى الكبرى في تشكيل مستقبل السياسات النووية الدولية.
يبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن إيران من إعادة طرح القرار في المستقبل القريب، أم أن الضغوط الأمريكية والدولية ستجعل أي خطوة مماثلة مستحيلة؟ المستقبل القريب للمؤتمر العام للوكالة سيكون المؤشر الأهم لتقييم موازين القوى في هذا الملف الحيوي والحساس.