كتبَ أيمن سلامة: سد النهضة.. قراءة قانونية في "مفاوضات الرمق الأخير"

2021.04.03 - 10:52
Facebook Share
طباعة

 تشهد العاصمة الكونغولية "كينشاسا"، السبت، اجتماع وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، لإجراء محادثات بشأن أزمة سد النهضة الذي تشيده أديس أبابا على نهر النيل، وهي المفاوضات التي وسمها الكثير من المراقبين بمفاوضات الرمق الأخير، بعد أن انطلقت الملحمة الماراثونية للمفاوضات السياسية والمشاورات الفنية بين الدول الثلاث في أبريل عام 2011، فور إعلان إثيوبيا بدء تشييد أكبر السدود في القارة الإفريقية.


ترعى جمهورية الكونغو الديمقراطية المفاوضات الثلاثية، بِصفتها الرئيسة الحالية لمنظمة الاتحاد الإفريقي، والأخيرة اضطلعت برعاية هذه المفاوضات من أجل تسوية النزاع المتفاقم بين الدول الثلاث، تأسيسا على إجماع الدول الأعضاء في مجلس الأمن في الجلسة العاجلة التي عقدها المجلس في 29 يونيو عام 2020.


جلي أن المفاوضات والمشاورات بين الدول المتنازعة حول تشغيل وإدارة سد النهضة الإثيوبي منذ عام 2011، لم تفلح سوى في التوصل لإبرام المعاهدة الدولية الثلاثية بينهم في الخرطوم في 23 مارس عام 2015، وهي الاتفاقية الإطارية لإعلان المبادئ لسد النهضة، والتي لا يزال يعوزها اتفاق فني تفصيلي يترجم المبادئ العشرة التي وردت في الاتفاقية الإطارية، إلى قواعد تطبيقية تنصب على كيفية تشغيل وإدارة سد النهضة.


والاتفاق المُعطل إبرامه حتى الآن ترفضه إثيوبيا منذ عام 2011، وما فتئت تعلن أنها راغبة في إبرام توجيهات إرشادية عامة يمكن لها مستقبلا التحلل منها أو تعديلها، بمجرد إخطارها لمصر والسودان، وهو ما ترفضه الدولتان.


الشاهد أن الأجواء المحيطة بهذه المفاوضات ليست مبشرة بعد الانسدادات الكثيرة التي أثرت بشكل سلبي في مسيرة المفاوضات ونجاعتها، فبالرغم من مطالبة مصر والسودان، إثيوبيا تأجيل خططها لملء خزان السد حتى التوصل إلى اتفاق شامل، فإن إثيوبيا أعلنت في 21 يوليو 2020 أنها أنجزت المرحلة الأولى من ملء الخزان، البالغة سعته 4.9 مليارات متر مكعب، وعزمها تنفيذ المرحلة الثانية من ملء بحيرة السد في يوليو المقبل، وذلك بالرغم من "الإنذار" الأخير للرئيس المصري، الذي حذر فيه من المساس بحصة مصر من مياه النيل.


لقد تميزت المفاوضات عن سائر الوسائل السلمية لتسوية النزاعات الدولية بعديد المزايا التي جعلت الدول تفضل اللجوء إليها لتسوية نزاعاتها، وليس بغريب أن تحتل المفاوضات الصدارة في ترتيب وسائل التسوية السلمية للمنازعات الدولية، نظريا وعمليا، في الممارسة الدولية، وفق الترتيب الذى أوردته المادة 33 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة.


فقد اعترفت الدول ذاتها بهذه الحقيقة في كل المناقشات التي جرت حول التسوية السلمية للمنازعات الدولية، فقد ذهبت الكثير من الدول صراحة إلى أن "المفاوضات المباشرة تعد الوسيلة الأساسية لتسوية النزاعات الدولية". كما تتصدر المفاوضات بين الدول الثلاث كوسيلة لتسوية النزاعات، المادة العاشرة من اتفاقية إعلان المبادئ لسد النهضة، وهي المادة المعنونة "مبدأ تسوية النزاعات".


وتعد المفاوضات الدبلوماسية المباشرة من أقدم وسائل تسوية النزاعات بين الدول، وكانت الدول في العهود الغابرة تشعر بوجود التزام قانوني يفرض عليها التفاوض، قبل اللجوء إلى استخدام القوة، حتى ولو لم يتعد ذلك الالتزام الإطار الشكلي.


واعتُبر التفاوض في القرون اللاحقة أنه يشكل أحد الشروط المسبقة الضرورية للإقرار بعدالة استخدام القوة. وفي عدد من المناسبات، قام مجلس الأمن بُناء على مسؤولياته بموجب الميثاق في مجال تسوية المنازعات بالوسائل السلمية، أو لدى ظهور أي حالة يؤدى استمرارها إلى احتمال تعرض المحافظة على السلم والأمن الدوليين للخطر، باتخاذ قرارات يطلب فيها من الدول الدخول في مفاوضات.


تجدر الإشارة إلى أنه يمكن أن يتم تكليف الأطراف المعنية بإجراء مفاوضات بقرار قضائي يلزمها بذلك. وفي هذا السياق يشار إلى قضية صيد الأسماك التي ذكرت فيها محكمة العدل الدولية ما يلي: "إن الالتزام بالتفاوض ينبثق من ذات الطبيعة الخاصة بحقوق كل طرف من الأطراف، لذا فإن تكليف الأطراف بالتفاوض يعتبر ممارسة ملائمة للوظيفة القضائية في هذه القضية، وينسجم هذا أيضا مع مبادئ وأحكام ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالتسوية السلمية للمنازعات".


لقد تعرضت محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة في قضايا عديدة لماهية وفاعلية المفاوضات باعتبارها وسيلة دبلوماسية لتسوية النزاعات الدولية، فقد سبق لمحكمة العدل الدولية أن شددت في أكثر من قضية على كيفية عقد المفوضات بين  أطراف النزاع الدولي، فضلا عن التزامات المفاوضين بموجب أحكام القانون الدولي.


وتدليلا، ففي عام 1969 في قضية الرصيف القاري لبحر الشمال، أقرت المحكمة أنه "على أطراف النزاع حين يعقدوا مفاوضاتهم لتسوية النزاع القائم بينهم، أن تُجرى هذه المفاوضات بشكل جدي، وليس للقيام بعملية شكلية من المفاوضات بوصفها نوعا من أنواع الشروط المسبقة، كي يتسنى تلقائيا اتباع ما لتعيين الحدود دون أن يكون هناك اتفاق، وعلى الأطراف أن تتصرف بحيث تكون للمفاوضات جدوى، وهذا لن يحدث عندما يصر أحد الأطراف على موقفه الخاص دون أن يتوقع أي تعديل على هذا الموقف، وهذا الالتزام إنما هو تطبيق خاص لمبدأ يشكل الأسس لجميع العلاقات الدولية".


وفي عام 1974 قررت أيضا محكمه العدل الدولية أنه "يجب أن تباشر المفاوضات بروح تتسم بحسن النية، ويتعين أن يأخذ كل طرف بعين الاعتبار وبطريقه معقوله حقوق الآخرين".


يختلف الإطار الزمني لعملية المفاوضات تبعا للظروف والسياقات التي تختلف من حالة لحالة، فقد تنتهي عملية المفاوضات خلال أيام وقد تستمر لعقود. كما يقدم الواقع العملي أمثلة كثيرة على مفاوضات جرت على نحو متقطع، وما المفاوضات المتقطعة بشأن تنفيذ الاتفاقية المشار إليها إلا مثالا صارخا على ذلك الطرح.


والتفاوض أسلوب معقد من أساليب التسوية السلمية، فهو ليس أسلوبا بسيطا أو واضحا في آلياته وأشكاله. ومع ذلك، فإن المدى الذى تصل إليه تعقيداته يتوقف على طبيعة القضايا محل النزاع، وطبيعة العلاقة بين الطرفين المتنازعين، ومدى توافر خيارات أخرى لدى كل منهما لحل النزاع، إضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بطرفي المشكلة، وهي الظروف التي تدفع نحو ضرورة اتباع أسلوب التفاوض أو غيره لحل النزاع.


ولنجاح المفاوضات في تسوية النزاعات، لا بد من توافر عدة شروط، فالمفاوضات تحتاج إلى جو يسوده الهدوء والبعد عن المؤثرات الخارجية ودرجة معينة من الثقة المتبادلة وحسن النية، كما يجب أن يكون لأطراف النزاع رغبة وإرادة في التوصل إلى اتفاق لتسوية النزاع.


ختاما، وبالرغم من جائحة الوقت المداهمة لإبرام الاتفاق المعطل منذ عام 2011، للانتفاع المشترك للدول الثلاث بمياه النيل الأزرق بعد تشييد وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، فإن خبرات وممارسات الدول المشاطئة للأنهار الدولية مثل نهر أوروغواي في أميركا الجنوبية، ونهري الأنزوس والميكوج في آسيا، تعد معينا مفيدا للأطراف الثلاثة المتنازعة.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8