كتبَ ياسر عبد العزيز: نفوذ تركيا الذي رسمه مؤسس ستراتفور

2021.02.22 - 11:34
Facebook Share
طباعة

 جدل واسع في أوساط السياسيين والمهتمين بالشأن التركي خلال الأيام الماضية أثير عقب عرض قناة TGRT  التركية خريطة لمناطق النفوذ التركي المتوقعة بحلول عام 2050، وعلى الرغم من أن قراءة خريطة النفوذ جاء نقلا عن كتاب لمؤسس شركة ستراتفور جورج فريدمان.. (المائة عام التالية: توقعات للقرن الحادي والعشرين) أو (The Next 100 Years: A Forecast for the 21st Century)، وعلى الرغم من أن الكتاب لم يأت على ذكر تركيا وحدها، كما أن الكتاب صادر منذ عام 2009، إلا أنه حرك تساؤلات عديدة فيما يخص تركيا خاصة بعد عرض القناة لما يخص بلادها منه، وهو ما تحرك معها بعض الساسيين في عدد من الدول التي وقعت تحت مساحة توقعات فريدمن، وعلى رأسها روسيا وبرلمانها.


وفي هذا المقال سنطرح بعض التساؤلات ونحاول الإجابة عليها لعلنا نصل إلى بنيوية الفكرة والهدف منها.


ما هي حدود النفوذ وزمن الوصول إليه؟


في كتابه الجديد المثير للتفكير (المائة عام التالية: توقعات للقرن الحادي والعشرين)، يقدم جورج فريدمان، تنبؤاً واضحاً وسهلاً لقراءة التغييرات التي حول العالم خلال القرن الحالي، ولا شك أن شركة ستراتفور من أجدر المراكز التي تقوم بهذه المهمة، ولا شك أيضا أنها تعد بابا خلفيا للمخابرات الأمريكية ومن ثم فإن توقعاتها لا تعتمد فقط على تحليلاتها وأبحاثها الشاملة، بل على معلومات استخباراتية بالأساس، وفي كتاب فريدمن الجديد على سبيل المثال أتى على ذكر بعض الأمثلة والتحولات مهنا.. استبدال الحرب الأمريكية ضد الإسلام الجهادي بحرب باردة جديدة مع روسيا، كما سيتضاءل دور الصين كقوة عالمية، لتتحول هذه القوة إلى المكسيك لتصبح قوة مهمة على المسرح الجيوسياسي، لكن أهم ما أشعل الجدل هو قراءته لمستقبل تركيا الذي رسم له خريطة توضيحية لمناطق نفوذها المنتظرة والتي شملت بلاد من الشرق الأوسط إلى البحر الأبيض المتوسط، وصولا إلى آسيا الوسطى، ما يعني أن تركيا سيكون لها نفوذ في حوض بحر قزوين، والبحر المتوسط فسيصل نفوذ تركيا بحسب فريدمان إلى كل من اليونان وجنوب قبرص وليبيا ومصر وسوريا والعراق ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية وعمان واليمن ودول الخليج وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وشبه جزيرة القرم وتركمانستان وكازاخستان.


وهو ما يشبه كثيرا نفوذ الدولة العثمانية في أوج مجدها، وهذا من شأنه إثارة قلق دول المنطقة والقوى الغربية وكذا روسيا التي ظهرت مناطق منها في خريطة فريدمان واقعة في نفوذ تركيا المتوقعة.


ما إمكانية الوصول لحدود الخريطة؟


فريدمان، مؤلف الكتاب المثير للجدل، رجل عميق إلى حد لا يمكن أن يرسم خريطة بهذا الشكل أو يضع أطروحة في كتاب له من دون أن يكون لها شواهد ولا يمكن أن تخرج قراءة استشرافية كتلك التي وضعها في كتابه محل البحث إلا ويعني بها شئ ويهدف بها إلى شيء، نفوذ تركيا المذكور في الخريطة الافتراضية شمل كل من دول أسيا الوسطى والقوقاز وهي دول تتواجد فيها قوميات تركية تجمعها بأنقرة أو بالأحرى إسطنبول روابط الدم والروح، قبل اللغة والتاريخ، ومدت الجسور بينهما بعد حصول تلك الدول على استقلالها وإن كان للنفوذ الروسي على أغلب تلك الدول دور في عدم انتاج العلاقة المأمولة بين هذه الدول وتركيا، وتبني تركيا علاقاتها مع هذه الجوار على أنه امتداد لقومية كبيرة آن لها أن يجتمع شملها، ترجمتها بإنشاء منظمة الثقافة التركية الدولية، ما عزز التجارة البينية، فبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول المنطقة 7 مليارات دولار لغاية نهاية عام 2016، بينما بلغت قيمة استثمارات الشركات التركية في دول المنطقة 14 مليار دولار لغاية نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر 2017. أما قيمة المشاريع التي نفذتها شركات المقاولات التركية في دول المنطقة فقد تجاوزت 86 مليار دولار، حيث توجد أكثر من 4 آلاف شركة تركية تمارس نشاطاتها في المنطقة، وتزداد هذه الأرقام خلال السنوات الأخيرة ويتوقع أن تتضاعف بعد الدور الذي لعبته تركيا في حرب أذربيجان في كارباغ.


وفي شمال إفريقيا والخليج العربي والشام، استطاعت تركيا العدالة والتنمية أن تبني جسور ثقة مع الشعوب بدغدغة مشاعر تلك الشعوب الحالمة بالوحدة "الإسلامية" ولا تزال صورة الخلافة "العثمانية" تراودها، وهو ما لا يقبله حكام تلك المنطقة، كما أن موقف تركيا الذي اتخذته في مناصرة الشعوب في ربيعها العربي بموجتاه وضعها في مقعد القيادة المأمولة في ظل انبطاح مقصود من حكام تلك البلاد لرغبات الغرب الاستعماري.  


لكن وضع قبرص واليونان ضمن نفس خريطة النفوذ فهو ما لم أجد له تفسيرا غير ما سيأتي لاحقا في تفسير الهدف من نشر تلك الخريطة وعرضها الآن. 


في نظر فريدمان فإن إمكانية الوصول لحدود خريطة النفوذ التي وضعها لتركيا خلال الخمسين عاما الأولى من عمر هذا القرن ممكنة، والمشاهد من سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم الآن أنه بالفعل ممكن، في ظل حالة التراجع الكبير لإوروبا وأمريكا خلال الخمسة عشر عاما الماضية، وإن ظلت اقتصاداتهم تتصدر بفعل قواعد اللعبة المرسومة منذ مؤتمر وستفاليا، إلا أن المغامرات التي تم خوضها منذ 2003 حتى الآن كانت كفيلة بخروج شعوب المنطقة في موجتي الربيع العربي، لا رفضا للوكيل بل رفضا لذلك النفوذ، ما أعطى تركيا مساحة أكبر خلال السنوات العشر الأخيرة للعب دور أكثر تأثيرا.             


ما الهدف من نشر الخريطة؟


ويبقى البحث عن هدف النشر ومن ثم العرض على القناة التركية وتوقيته محل بحث يجب الوقوف عليه كثيرا.


ما أثار الموضوع الآن هو عرض محطة TGRT  "القريبة من الإدارة التركية" والذي تبعه عرض من القناة الحكومية التركية الرسمية  TRT1هذا الأثر انعكس على دوائر مهمة في السياسية الدولية لما رآه البعض رسالة ما من الإدارة التركية، المنتشية بما حققته من نجاح في أذربيجان ودورها الفاعل في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، ما جعل، مثلا، النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع بمجلس الدوما ألكسندر شيرين يدعو إلى وجوب تحرك حكومة بلاده بشكل جاد مع خريطة النفوذ التركية هذه، لا سيما وأن الخريطة شملت شبه جزيرة القرم وكوبان ومنطقة روستوف وجمهوريات شمال القوقاز، قارئا الرسالة التركية على أنها حلم إعادة الإمربراطورية التركية، على حد وصفه، وهو الوصف الذي يتبناه الغرب منذ وصول العدالة التنمية إلى سدة الحكم وتروجه المعارضة في الداخل للتخويف من الحزب الأكثر نجاحا خلال النصف قرن الماضي في تركيا، لذا فإن الرسالة المقصودة من الخريطة نفسها تقرأ على أنها جزء من المخطط المرسوم لشيطنة الإدارة التركية ووضعها على المحك مع القوى الغربية ومن يناور معها سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا ببيع سلاح متطور، ومن ثم فإن الحرب الباردة أو المخابراتية المستمرة منذ سنوات والتي بلغت ذروتها في 2016 مبررة من قراءة هذه الخريطة والغرض منها، فلم يكن العراق يملك سلاحا كيماويا ليتم تدميره وإزالة نظام حكمه ولكن تم شيطنته بعد خطأ استراتيجي لصدام حسين حينها أوقعته فيه امريكا نفسها، فلا شك أن مراكز البحوث تشكل رؤية متخذ القرار في هذه البلاد الكبيرة، لكن الهدف هنا هو دفع الدول المحيطة والمشمولة في خريطة النفوذ إلى الحذر بل وتبني سلوك عدائي مع تركيا، والمراقب للإعلام الخليجي والعربي يجد حالة الشيطنة المستمرة منذ سبع سنوات وتتزايد، ترجمتها في بعض الدول الخليجية بسحب استثماراتها من تركيا لعرقلة مشروع تركيا المزعوم.


في ظل كل ما تقدم يجب الوقوف عند نقطة جوهرية، يبدو أنه تعمد الكاتب الخلط فيها للوصول للهدف، وهو الفرق بين خريطة نفوذ وخريطة السيطرة، فكل من قرأ الموضوع أو شاهده أو سمع عنه نظر إليه على أن المقصود هو السيطرة في حين أن النفوذ تختلف الغرض منها وغالبا ما تهدف إلى إيجاد حلول خارج حدود الدولة من خلال مشاريع أو دعم تكون منقذة وقت الأزمات، وإلا فإن استثمارات السعودية والامارات وقطر مثلا في أوروبا وأمريكا والتي تصل إلى ترليونات الدولارات فهي مجمع نفوذ يجب محاربتها، وإن كانت تصل إلى حد أن تكون ورقة لعب مع حكومات الدول المستثمر عندها، لكنها في النهاية ورقة دفاعية لن تؤثر بشكل حقيقي على سيادة تلك الدول.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط

 

 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 2