حركات التطرف في أمريكا: خطر غير منظم

ترجمة : عبير علي حطيط

2021.01.26 - 06:19
Facebook Share
طباعة

 نشرت مؤسسة معادية للصهيونية ومركزها في الولايات المتحدة الأمريكية دراسة حول حركات حزب اليمين في أمريكا، وتساؤل عن كيفية قراءة محاولة انقلاب فاشلة على أكمل وجه، فكان الجواب هو عبر النظر إلى آلاف اليمينيين الذين زحفوا إلى مبنى الكابيتول واقتحموه في السادس من كانون الثاني/ يناير الجاري، بينما كان المشرعون يناقشون التصديق على نتائج انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في تهديد هو الأخطر على الانتقال المنظّم للسلطة منذ أن أصبحت الولايات المتحدة ديمقراطية متعددة الأعراق في ستينيات القرن العشرين.

مع ذلك، إذا حكمنا على الحدث وفقًا لما أراده معظم مؤيدي الاقتحام المتشددين، فإن يوم السادس من كانون الثاني/ يناير، كان فشلًا ذريعًا، إذ على الرغم من نجاح المتظاهرين بالتفوق السريع على شرطة الكابيتول الأميركية غير المهيّأة للاقتحام، وعلى التعزيزات الأولية التي أرسلتها شرطة العاصمة واشنطن، ونهب واقتحام معظم أجزاء المبنى، إلا أنهم لم يتمكنوا من قتل نائب الرئيس أو المشرعين أو احتجازهم، أو السيطرة على الكابيتول والصمود أمام القوات الإضافية التي جاءت لإخراجهم، ولا منع الكونغرس من المصادقة على نتائج الانتخابات في صباح اليوم التالي".

وبقدر الصدمة التي أحدثها اقتحام الكابيتول، إلا أنه كشف أقصى ما يمكن أن يبلغه اليمين المتطرف في محاولته التعويض عن نكساته الانتخابية من خلال النزول إلى الشوارع وحمل السلاح، وإذا ما أصبح اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أكثر تنظيما وانضباطًا، ودون أن تُعالج الظروف السياسية التي أدت إلى هجوم بهذا الحجم، قد تنشأ شخصيات عنيفة جديدة داخل الحركة لديها قدرة أكبر على المضي في تحقيق تطلعات الأسبوع الماضي غير المُلبَّاة.

وقد كانت أهداف اليمين المتطرف المُعلنة في السادس من الشهر الجاري، متطرفة بحد ذاتها، إذ أرادوا عكس نتائج الانتخابات،  ولكن التكتيكات التي استُخدمت في هذا المسعى كانت في غالبها منخفضة الحدّة من حيث عنفها، ففي نهاية الأمر، لم يتحمل التمرّد التسبب بمستوى عنف شديد. وعلى الرغم من أن بعض اليمينيين حملوا أسلحة في ذلك اليوم، كما ضبطت الشرطة أسلحة نارية وزجاجات حارقة وقنابل أنبوبية لم تُفعَّل زُرعت في مباني اللجنة الوطنية للحزبين الجمهوري والديمقراطي، فقد قاتل معظم المسلحين بأياديهم، وسواري الأعلام، ورش المواد الكيماوية، وإلقاء المقذوفات.

لم يكن معظم المتظاهرين الذين وقفوا خلف المتاريس على استعداد لمحاربة الشرطة مباشرة، ومضوا تحت قيادة بعض رفاقهم الأكثر تشددًا الذين استخدموا الأدوات المألوفة في أعمال الشغب للتغلب على عناصر الشرطة؛ أي اللكمات، والسلاح غير البارودي، والمهيجات الكيميائية، وهذه وسائل دائمًا ما تظهر في احتجاجات الشارع، واستخدمتها حركات أُشيد بسلميّتها أيضًا. فسواء في بولندا، أو في صربيا عام 2000، أو في مصر عام 2011، أو في الوضع الحالي في بيلاروسيا، فإنه حتى الحركات التي يطغى عليها الطابع اللاعنفي تستخدم الحواجز، أو إلقاء الحجارة، أو العراك مع عناصر الشرطة، أو نهب المباني الحكومية في احتجاجاتها.

وكان التحدي الذي شكّله متظاهرون استخدموا العنف، ومن بينهم يمينيون متطرفون، واستعدادهم لمواجهة قمع الشرطة المُميت باستخدام الزجاجات الحارقة وحتى الأسلحة النارية، جزءًا من الأسباب التي عجّلت سقوط حكومة الرئيس الأوكراني، يانوكوفيتش، في احتجاجات الميدان الأوروبي التي اندلعت في أوكرانيا بين عامَي 2013 و2014. وعلى الرغم من ضبط الشرطة أسلحة نارية وزجاجات حارقة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، إلّا أنه لم تُستخدم أي منها ضد الشرطة.

وفي حين قد يُصدم الجمهور الأميركي بإلقاء بضعة زجاجات حارقة في احتجاج ما، فإن الاحتجاجات التي اندلعت ضد سياسة التقشف بالقرب من البرلمان في اليونان، تخللها إلقاء عشرات القنابل الحارقة.

كما أن مستوى العنف الذي شهدته الأحداث يُعد منخفضا مقارنة مع كم الأسلحة النارية المتاحة للمتشددين الأميركيين، بخلاف العديد من الجماعات المتشددة والمتمردة النظيرة لهم في أوروبا، والتي تتكبد عناء كبيرًا للحصول على مثل هذه الأسلحة. وعادة ما تحتاج المجموعات التي تسعى إلى شن كفاح مسلح إلى درجة عالية من الانضباط لسرقة الأسلحة أو اللجوء لدولة راعية، أو امتلاك الموارد للوصول إلى السوق السوداء، وسط محاولة الحفاظ على تجنب فضح نيّتها العدائية. أما اليمينيون المتطرفون في الولايات المتحدة، فيستطيعون بكل سهولة أن يحصلوا من سوق قانوني على مخزون من القوة النارية والذخيرة يفوق أحلام نظرائهم. ومع ذلك، فإن غالبية من هاجموا مبنى الكابيتول لم يحملوا معهم أسلحة نارية، وأما أولئك الذين جلبوا أسلحتهم فامتنعوا عن الاشتباك المسلح حتى بعدما أطلقت الشرطة النار على متظاهر أعزل وقتلته. وكما قال أحد المتطرفين، فإن معظم المتظاهرين لم يرغبوا بـ"الانتقال إلى المستوى التالي" من العنف.

لا تكفي القدرة على تحصيل الأسلحة والعتاد شبه العسكري، لإنشاء قوات شبه عسكرية قوية، إذ يفشل معظم اليمينيين المتطرفين الذين تنقصهم الخبرة في القمع، في تطوير المهارات اللازمة لتحدي الدولة بنجاح. وكان هذا النقص والجهل جليًا في أحداث مبنى الكابيتول، ففي حين تسلح بعض المتظاهرين بمعدات تكتيكية، إلّا أنه كان من السهل التعرف عليهم لعدم ارتدائهم الأقنعة، وعدم تبديلهم لملابسهم المُميِّزة، ناهيك عن أن بعضهم رددوا أسماءهم الشخصية أمام السلطات وأعلنوا عن حيازتهم أسلحة غير قانونية.

تمكنت بعض الجماعات مثل "براود بويز" من تحسين تكتيكاتها تدريجيا، إذ سبق أن نسق أعضاء الحركة تحركاتهم بأجهزة لاسلكية في مسيرات سابقة في واشنطن. وبعد أن تعرضوا لبضعة اعتقالات وطعنات بعدما اعتدوا على مارة عشوائيين ومتظاهرين مناوئين لهم في مسيراتهم مؤخرًا، بدا هذه المرة أنهم تخلوا عن زيهم الموحد الأسود والأصفر.

أما جماعة "أوث كيبرز" وهي ميليشيا يمينية بارزة أخرى، فلم تكتفِ بإحضار معدات الحماية بل استعدت بأجهزة لاتصالات لاسلكية لتتحرك كمجموعة في الهجوم على الكابيتول.

واستفادت المسيرة التي تلاها هجوم السادس من كانون الثاني/ يناير، من كونها خُططت لتُخاض في مساحة مفتوحة، مما سمح للمجموعات المنضبطة من المتظاهرين الأكثر عنفًا بالاندماج مع غالبية المشاركين الأقل تنظيمًا. ومع ذلك، فإن الحفاظ على مستويات أعلى من العنف يحتاج إلى جماعات أكثر سرية وتنظيمًا يمكنها أن تنجو وتتحمل ردود فعل الدولة كالحملة الفيدرالية التي تُشن اليوم ضد اليمين.

على الرغم من النمو المتواصل لحركة "براود بويز" وتزايد قدرتها على توليد العنف في مظاهرات اليمين المتطرف، إلا أن تأسيس منظمة شبيهة قادرة على تحدي الدولة مباشرة ليس بهذه البساطة، إذ إنه غالبًا ما تستصعب الميليشيات، على الرغم من تسليحها الجيّد، تجاوز المنطقة الرمادية القانونية المُسمى بـ"الاحتجاج المسلح"، مما يجعلها تفشل بشكل كارثي في عمليات أمنية أكثر تعقيدا مثل مؤامرة اختطاف حاكمة ولاية ميشيغان. وهناك جماعات النازيون الجدد المسلحة مثل "شعبة اتوموافين" و"ذي بيس"، والتي برغم رغباتها المعلنة بشن حرب عرقية مروعة، إلّا أن صفوفها تعجّ بالمتخفين الحكوميين أو المتسللين المناهضين للعنصرية، وسبق أن فشلت في تنفيذ عمليات هجومية منظمة.

ورغم أن أحداث الكابيتول تسببت بانتقادات لاذعة للسلطات، إلّا أنها نجحت إلى حد كبير في منع ظهور مجموعات يمينية متطرفة شديدة التنظيم والقدرة على القتل. لذلك، ليس من المستغرب أن يتجسد الشكل الأكثر فتكًا لعنف اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، بحوادث إطلاق النار الجماعي التي يرتكبها أفراد عادة ما ينتمون لمجتمعات وثقافات يمينية متطرفة في الفضاء الرقمي، ما يقلل من إمكانية كشفهم، ولا سيّما أنهم يلجأون لأعمال فردية وغير منسقة.

كيف إذن، تفاجأ هذا الكم من الناس بالإغارة على مبنى الكابيتول رغم أن خططًا متعددة لذلك نوقشت علنًا مؤخرا، وسط تحريض من بعض أقوى السياسيين في البلاد؟ أساء مسؤولو العاصمة معالجة احتجاجيْن لليمين المتطرف اجتاحا الشوارع بعدما سُمح لـ"براود بويز" ومتشددين آخرين بمهاجمة المتظاهرين المناهضين للتطرف، والمارة، في شهري تشرين الثاني/ نوفمبر، وكانون الأول/ ديسمبر الماضيين، عندما ركزت الشرطة مواردها بشكل غير متناسب على فصل متصارعين من بين الطرفين عن بعضهم البعض، دون توجيه اللوم لطرف دونا عن الآخر، مع منع السكان من التظاهر ضد مسيرتي اليمين المتطرف.

وأدت المخاوف من أن تدفع الاشتباكات في شوارع ترامب إلى استخدام "قانون الانتفاضة" لمنح تفويض فدرالي، لقسم شرطة واشنطن العاصمة، إلى تشجيع انتظار ردّة فعل اليمين المتطرف في الشارع. ولم يتوقع مسؤولو العاصمة ولا شرطة الكابيتول اقتحام مبنى الكابيتول، ولم يستعدوا له، وربما أدى التشجيع والمساعدة داخل المبنى إلى مفاقمة هذه المشكلة. وإذا أصبح الحل لتنصيب الرئيس المنتخب، جو بايدن، هو تدفق عشرات الآلاف من أفراد الحرس الوطني وأفراد إنفاذ القانون الفيدراليين وإجراءات أمنية خانقة، فقد يؤدي هذا النهج إلى تغيير حسابات العديد من الفاعلين اليمينيين المتطرفين مؤقتًا، ولكنه من غير المرجح أن ينجح بنزع فتيل الحركة كما أنه من الخطر شن حرب داخلية جديدة على الإرهاب، وسيعود معظم المشاركين إلى بلداتهم التي لا يمكن تحويلها إلى معسكرات فيدرالية مسلحة لأسابيع متتالية. فبينما سيبتعد بعضهم عن المشهد إثر رؤية رفاقهم الأكثر تهورًا يُحاكمون في محاكم فدرالية، فإن البقية سيتعلمون من أخطائهم. وسيحاول السياسيون المتعاطفون منهم والساخرون أن يجذبوا دعمهم. وقد ينضم بعضهم إلى أقسام الشرطة المكلفة بإدارة مظاهراتهم المحلية. ربما يخفف قمع الشرطة للمظاهرات المستقبلية من أضرارها ولكنه قد يزيد أيضًا من جاذبية المزيد من المنظمات المتشددة أو السرية. بل ويرحب بعض المنخرطين في مثل هذه الحركات بالقمع وقد يحفزونه أيضًا ليكون عشوائيًا قدر الإمكان لاستغلال هذه الديناميكية لمصلحتهم.

رغم أن اليمين المتطرف لا يزال غير منظم نسبيًا، لكن كل ممارسة ناجحة في الشارع ستوفر فرصًا لجماعات منشقة للتماسك ولتعميق التزامات أعضاء كانوا أقل ارتباطًا بالحركة اليمينية. إن ترك تعطيل هذه العملية بأيدي الدولة يعلّق آمالًا كبيرة على ذات المؤسسات التي أطلقت العنان للقمع البوليسي والاعتقالات الجماعية ضد حركة "حياة السود مهمة" والحركات اليسارية بالمجمل.

وليس بالإمكان اختزال اليمين المتطرف في مشكلة جنائية أو مشكلة تتعلق بالأمن القومي. مثل كل الحركات، فهو تحد سياسي في طبيعته، وإنه قد يتسبب في مثل صدمة السادس من كانون الثاني/ يناير للنظام السياسي على الرغم من الفوضى النسبية والتأكيد على انخفاض مستويات القوة في ثِقل وخطورة هذا التحدي، وستتطلب مواجهة هذا التحدي، في أي مجال، من خصوم اليمين المتطرف أن يتنظموا أكثر منه".



 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6