السلفيَّة في السعوديَّة

اعداد خضر عواركة - صافي محمد سعيد- د. علي جمعة - د. زينة يوسف

2020.12.10 - 08:06
Facebook Share
طباعة

 بُنيت السلفيَّة الرسميَّة في السعوديَّة، على تحالف الدعوة والإمارة، عقد بين الإمام والأمير, فقد شاركت السلفيَّة الوهابيَّة الإمام "محمد بن سعود" تأسيس الدولة السعوديَّة الأولى بإفساح المجال أمام قوة "التوحيد" كدعوة دينيَّة وسياسيَّة لتوحيد الناس حول قيادة قادرة على الإشراف على متابعة تدين المجتمع، بقيادة الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" معيد السلفيَّة بثوبها الجديد، بعد ما اعترتها تشققات جراء رحيل ابن تيمية وتلامذته من المشهد العام.
وعلى الرغم مِن مرور العديد من التقلبات السياسيَّة التي تعرضت لها الدولة منذ تأسيسها إلى الآن, ورث الشيخ "محمد بن إبراهيم" 1930-1969م منزلة الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" ومسؤوليَّاته في الدولة؛ وتمركزت في يديه المناصب الحساسة الكبرى المتعلِّقة بالدين وإدارة المجتمع, وبعد وفاته تمَّ توزيع المناصب الدينيَّة على مجموعة من العلماء ما أدَّى لتراجع أو تهميش دور عائلة آل الشيخ كما تحوَّلت المؤسَّسة من قبضة الفرد على قبضة الجماعة, وهكذا أصبح المذهب الحنبلي ووفق تفسير الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المملكة، يشكل المصدر الرئيسي لشرعية النظام، كما صار هو المذهب السائد والرسمي في البلاد, ومرَّت العلاقة بين المؤسَّسة الدينيَّة الوهابيِّة والدولة السعوديَّة مرَّت بخمس مراحل:


1. المرحلة الأولى: بدأت في 1961م وشهدت تحوُّلاً في الزعامة الدينيَّة من صورتها القديمة إلى مؤسسة منظمة وقويَّة.


2. المرحلة الثانية: بدأت في 1979م، وشهدت ظهور جيل جديد من الأتباع والزعماء، وتحول السياسة إلى انشغال يومي، كانعكاس للثورة الإيرانيَّة، واحتلال الحرم الشريف، والجهاد الأفغاني، وتأثير الحركيِّين العرب مع اتساع نطاق الجدالات حول شرعية الدولة وعلاقتها بالدين ومطابقتها لنموذج الحكم الصالح وتوسع التيار الديني السلفي خارج نطاق بيئته الاجتماعية الأصلية (وسط نجد) بانضمام آلاف من المهاجرين.


3. المرحلة الثالثة: وبدأت مع دخول العراق للكويت في 1990م, التي شهدت تحول التساؤلات السابقة إلى اتهام للدولة والنخبة السعوديَّة بالضلوع في مؤامرة غربية للسيطرة على المجتمعات المسلمة مما ساهم في إبراز الجيل الجديد من رجال الدين كموجهين للرأي العام ومتحدثين في السياسة وظهور "تيَّار الصحوة" قبل اعتقال معظم عناصره في 1994م ليتغير اتجاه التيار الديني من حارس للدولة إلى ناقض لشرعيتها.


4. المرحلة الرابعة: بدأت مع هجمات 11 أيلول 2001م, وكان أبرز التحولات قرار الدولة بتفكيك مصادر قوة التيار الديني، التي تمكنه من لعب أدوار سياسيَّة أو تعبويَّة, وتأثر بهذا القرار جميع فصائل التيار بما فيه المؤسسة الدينية الرسمية والطيف التقليدي التابع للدولة.


5. المرحلة الخامسة: تبلورت مع اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011م، وأبرز تجلياتها ظهور تيار التنوير الذي يتنكر صراحة للسلفية التقليدية مثلما يتنكر لخطاب "الصحوة" ويتبنى الديمقراطية كنموذج أصلح للحكم ويدعو إلى الانتقال من الحكم المطلق إلى ملكية دستورية، حسب بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" الذي يعتبر علامة فارقة في تاريخ الدعوات الإصلاحية في المملكة, وأهم التيارات والهيئات والمؤسَّسات السلفيَّة السعوديَّة:


1). "هيئة كبار العلماء":
في مرحلة الستينيَّات والسبعينيَّات بدأ نفوذ "هيئة كبار العلماء" في السعوديَّة يتسع ويكبر عبر "المؤسَّسة الدينيَّة الرسميَّة" وأكبر رموزها عبد العزيز بن باز ومحمد بن عثيمين, هذه المقاربة تتمثل في الاهتمام بالجانب الديني والدعوي والعقائدي والابتعاد عن الخوض في السياسة أو تأسيس الأحزاب, وممارسة النشاطات السياسيَّة المعارضة وهو الاتجاه الذي يطلق عليه السلفيَّة التقليديَّة أو المحافظة أو العلميَّة بقيادة عبد العزيز بن باز ومحمد بن عثيمين المرجعيَّة الدينية الفكريَّة لهذا الاتجاه خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات.
وتأسَّست هيئة كبار العلماء السعوديَّة، وهي الهيئة الدينية الحكومية الأبرز التي تمثل الإسلام السعودي، العام 1971م وتضم لجنة محدودة من الشخصيَّات الدينيَّة في البلاد جميعهم فقهاء مجتهدون من مدارس فقهية متعددة, ورئيسها هو مفتي الديار السعوديَّة، وهي مخولة بإصدار الفتاوى وإبداء آرائها في عدة أمور, يرأسها حالياً الشيخ "عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ", وتعتبر المؤسَّسة الدينيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة طرفا في الحكم، وتشكل أساسا للشرعيَّة السياسيَّة والدينيَّة للسعوديَّة.


2. "هيئة الأمر بالمعروف":
أصبحت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نافذة لتطبيق القوانين, ويقع على عاتق أعضائها، ومنهم موظفون في الدولة ومنهم متطوِّعون، الحفاظ على التعاليم الإسلاميَّة الصحيحة كما تحدِّدها السرديَّة السلفيَّة الرسميَّة؛ وغيرها من المؤسَّسات الرسميَّة كوزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدعوة والإرشاد كما كانت تسيطر المؤسسة الدينيَّة الرسميَّة على ثلاث مجالات حيوية هي التعليم، القضاء، والوعظ غير أنَّ التعليم جرى سحب قيادته منها، هذا بالإضافة إلى أن نصف أعضاء مجلس الشورى البالغ عددهم 150 قبل تعيين20% من أعضاء المجلس من النساء2013م، هم من السلفيَّة الرسميَّة, وتدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر470 مكتباً في أنحاء المملكة يشغلها نحو4400 موظف.


3. "مجلس القضاء الأعلى":
يأتي في المرتبة الثانية ضمن هرم الزعامة الدينيَّة، وأنشئ عام 1975م، وكان يرأسه عادة من يعتبر أرفع القضاة منزلة, والمجلس هو مرجع قضاة المملكة, وترجع إليه القضايا الكبرى التي يتعذر حسمها في المحاكم، أو التي يجب إرجاعها إليه بحكم القانون، مثل أحكام القتل.

4. "الجامعات الإسلاميَّة":
من أبرز هذه الجامعات الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة المنوَّرة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة في الرياض, وهما يتبعان، إداريَّاً وماليَّاً وزارة التعليم العالي, وكان التقليد الجاري يأخذ بعين الاعتبار رأي كبار العلماء عند تعيين قياداتهما الإداريَّة والأكاديميَّة, وظهرت أخيراً دلائل على أُفول هذا التقليد، سيما بعدما عين الملك في مارس 2007م رئيسين للجامعتين من خارج الدائرة التقليدية المعتادة.


5. "الوظائف الدينيَّة والخيريَّة":
يزيد عدد الوظائف الدينيَّة، أو التي تخضع لإشراف رجال الدين عن ربع مليون وظيفة، أي نحو 25% من إجمالي الوظائف الحكوميَّة في 2008م، وذكرت تقارير صحفية عام 2010م، أن وزارة الأوقاف ستعين 140 ألف مؤذن وإمام مسجد كموظفين متفرغين، حيث وصل عدد المساجد في المملكة إلى 72 ألفاً, ويمارس العديد من رجال الدين أدواراً ثقافية واجتماعية تقع في ظل المؤسسة الدينية الرسمية، ومن أبرز هذه النشاطات هي الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن التي تدير – طبقا لإحصاءات عام 2010م- ما يزيد عن 25 ألف حلقة تحفيظ، تضم 515 ألف طالب، ويعمل فيها 26,500 معلم وموظف, ولا تشمل هذه الأرقام الحلقات التي يديرها رجال دين خارج إطار الجمعيات المذكورة, ومن بين النشاطات المشابهة، والتي يبرز فيها دور رجال الدين نذكر أيضا جمعيات البر، التي يرأس معظمها أمراء المناطق، لكن إدارتها بيد رجال دين. وهي تمارس عملا مستقلاً– إلى حد بعيد – عن مؤسسة الدولة.
ومن هذا النوع من النشاطات أيضا المكاتب التعاونية للإرشاد والدعوة وتوعية الجاليات، وهي تنتشر في جميع محافظات المملكة، عدا عن الهيئات الدينية المتخصصة، حيث إن جميع وزارات الدولة تدير عملاً دينيا كنشاط جانبي, فهناك إدارة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة، كما تعين وزارة الخارجية ملحقاً دينياً في عدد كبير من سفارات المملكة في الخارج, وتعتبر وزارة التربية من أهم قنوات التوظيف لخريجي المدارس الدينية، ويتبع وزارة التربية أيضا 2077 مدرسة متخصصة لتحفيظ القرآن الكريم.


6. "المدخليَّة":
ويمكن التأريخ الحقيقي لتيار "المدخليَّة" في المملكة العربيَّة السعوديَّة إبان حرب الخليج الثانية 1991م كتيار مضاد للتيارات المعارضة لدخول القوات الأجنبيَّة للجزيرة العربية- كالإخوان والسروريَّة- بعد غزو العراق للكويت؛ بل ذهب منظروه أبعد مما ذهبت إليه مؤسسات الدولة الرسميَّة مثل "هيئة كبار العلماء السعوديِّين" التي أفتت بجواز دخول القوات الأجنبيَّة على أساس أن فيها مصلحة، إلا أنهم لم يجرموا مَن حرَّم دخولها، أو أنكر ذلك, فجاء "المدخليَّة" واعتزلوا كلا الطرفين، وأنشئُوا فكرا خليطًا يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبيَّة، ومعاداة من يحرم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك، مؤسسين رأيهم على مرجعية سلفية تتمترس وراء أدلة من القرآن والسنة.

7. "الجاميَّة":
ارتبطت "الجاميَّة" بالشيخ محمد أمان الجامي المولود عام 1930م، والذی تقلّد منصب عميد كلية الحديث في الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة، وكان أحد الرموز المعارضين للاتجاه السروري والإخواني عموماً, ومثلما هو الحال بالنسبة إلى "السروريين"، فإن الهدف من إطلاق مصطلح "الجامية" هو نزع "الشرعية عن الخصم عبر الانتقاص منه والتعريض بأصوله الأجنبية، فالجامى يتحدر من أصول حبشية، ولم يهاجر إلى المملكة إلا وقد بلغ العشرين من عمره, فالجاميون يرفضون تسمية أنفسهم خارج إطار المرجعية السلفيَّة.


8. "السروريَّة":
أحد أبرز وجوه التيار السلفي الجديد, وتعود إلى السوري محمد بن سرور بن نايف بن زين العابدين, الذي كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين ثم غادر إلى السعوديَّة في نهاية الستينيات وهناك عمل مدرساً في مدينة البريدة ثم غادر في السبعينيات إلى الكويت قبل أن يستقر به المقام لاحقاً في لندن, ويؤسس هناك المنتدى الإسلامي ويصدر مجلة السنة التي أصبحت المنبر الإعلامي والسياسي لهذا التيار.
ويوجد تطور داخل السلفيَّة الحركية حيث يجمع بن سرور بين السلفيَّة والمدرسة القطبية ويبدو أكثر حدة في نقده للإخوان المسلمين، فيما تبلور تيار آخر أكثر انفتاحاً مع الإسلاميين, خصوم سرور (بصورة رئيسة أتباع محمد الجامي وربيع المدخلي) أخذوا يطلقون على من يتبنى أفكاره – المزاوجة بين السلفيَّة والسياسة بـ "السروريين" وقد بدأت أفكار زين العابدين وتحليلاته السياسيَّة ورؤيته للتغيير تنتشر في السعوديَّة ودول أخرى وتأثر بها عدد من العلماء والدعاة المعروفين بـ "مشايخ الصحوة".
ويرى البعض أن السروريَّة تيار، وليست تنظيماً حركياً، معتبراً أن الالتباس المتعلق بالتسمية إنما يعود إلي طبيعة الحياة الدينية في المملكة حينما رحل إليها الشيخ سرور، حيث كانت الحياة هناك ذات طابع تقليدي منفصل تماماً عن الحياة السياسيَّة".


9. "السلفيَّة اليمينيَّة الحجازيَّة":
ومن أشهر رموز هذه الشبكة السلفيَّة اليمينية في الحجاز, "محمد أمان الجامي" الذي قام بالتدريس في المسجد النبوي، والجامعة الإسلاميَّة وهو صاحب التقارير الشهيرة في المشايخ وطلبة العلم, وربيع بن هادي المدخلي المدرس في الجامعة الإسلاميَّة المتفرغ والمتفنن في الطعن في كل داعية محارب للحكام وفي مقدمتهم الشيخ سيد قطب, وفالح بن نافع الحربي الذي يمتلك علاقات وثيقة بالأجهزة الأمنية كما يتهمه السلفيُّون الجهاديون, محمد بن هادي المدخلي المحاضر في الجامعة الإسلاميَّة الذي أفتى بحرمة دماء الأجانب بعد حادثة الرياض التي قام فيها منتمون للسلفية الجهاديَّة بقتل عدد من الأمريكيين في الرياض، حيث مدح وزير الداخلية السعودي بمناسبة اعتقال المنفذين والحكم عليهم بالإعدام, وكل هؤلاء تم استيعابهم من قبل الحكومة السعوديَّة واستخدامهم كبديل لهيئة كبار العلماء التي تعرضت شرعيتها ونفوذها لضربتين قاصمتين: أولاهما بقيام حرب الخليج الثانية وقبولها بوجود القوات الأجنبية في البلاد، وثانيهما بموت اثنين من أكثر أعضائها احتراماً وهم الشيخ ابن باز (عام 1999م) والشيخ ابن عثيمين (عام 2001م).


10. "التيَّار السلفي الجهادي":
في التسعينيات حدث تزاوج بين الفكر الجهادي والسلفي برز في أوضح صوره الحركية فيما يسمى تنظيم القاعدة وحاضنته "التيار السلفي الجهادي" الذي جمع بين العقائد السلفيَّة مع التأثر بأفكار سيد قطب وتركيزه على مفهوم الحاكميَّة واختيار طريق "الجهاد" بوصفه الوسيلة المشروعة الفاعلة في التغيير وقام هذا التيار بدمج معركة التغيير الداخلية بالمعركة الخارجية من خلال الحديث عن فرضية العدو القريب والعدو البعيد.


11. "الجماعة السلفيَّة المحتسبة":
وتعتبر كانت أبرز الحركات الرافضة وأكثرها تنظيمياً هي (الجماعة السلفيَّة المحتسبة) والتي نشأت في المدينة في أواسط سبعينات القرن الماضي, وكانت تستمد بعض تعاليمها من آراء المفكر السوري ناصر الدين الألباني (1909-1999م) وترفض جميع المذاهب الفقهية، بما فيها الوهابيَّة، التي تتضمن قدراً من الاجتهاد الإنساني، وتلتزم بدلاً من ذلك بحرفية الحديث النبوي باعتباره المصدر الوحيد للحقيقة الدينية. كان الخلاف مع المؤسسة الوهابية يدور مبدئياً حول مسائل تتعلق بالعبادات، إلا أن الجماعة السلفيَّة المحتسبة تحولت بمرور الزمن إلى حركة احتجاج سياسية اجتماعية ولكن المراقبين استهانوا كثيراً بمدى أهميتها, يتضح هذا جزئياً من كارثة انتفاضة عام م1979 التي استولى فيها فصيل متطرف من الجماعة السلفيَّة المحتسبة بقيادة جهيمان العتيبي على الحرم المكي, ولجأت بقايا الجماعة السلفيَّة المحتسبة في ثمانينات القرن الماضي إلى الكويت واليمن والمناطق الصحراوية في شمال السعوديَّة, بعد عقد من تلك الأيام كان لا يزال بالإمكان العثور على مجموعات من الشباب الإسلاميين يطلقون على أنفسهم "طلبة العلم" ويعتبرون أنفسهم ورثة مباشرين للجماعة السلفيَّة المحتسبة، يبحثون عن بقايا أصحاب جهيمان بين بدو الصحراء.


12. "تنظيم القاعدة":
وفقاً لتقارير مجموعة الأزمات الدولية فإن الهيكل التنظيمي لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربيَّة مخلخل حيث يعمل أفراد الميليشيَّات في مجموعات منفصلة ومعزولة إلى حد كبير, ولكنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من حركة شاملة, ويتم إدامة وعيهم التنظيمي الجماعي عن طريق الروابط الأخويَّة القويَّة المكتسبة في معسكرات لتدريب في أفغانستان أو عن طريق الخبرات المشتركة بينهم كمطاردين ومتمردين في السعوديَّة، وبحكم توجهاتهم العقائدية المشتركة التي تركز على الحاجة للقضاء على الوجود الأمريكي في شبه الجزيرة العربية، ووجود جهاز إعلامي متطور يوفر التماسك السياسي ويرفع معنويات العاملين في الميدان .
وعمل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية منذ البداية على أساس نظام الخلايا الصغيرة, لم تكن قوات الأمن تجد عادة أكثر من 20 من أفراد الميليشيات، وغالباً أقل من ذلك بكثير، في بيوتهم الآمنة وبأسلحتهم ومعداتهم. الأسماء المستخدمة من قبل الميليشيات – مثل سرية الفالوجة وسرية القدس وألوية الحرمين – تشير، في الأغلب الأعم، إلى خلايا أو مجموعات فرعية طورت بمرور الوقت هويات منفصلة واستراتيجيات وتكتيكات مختلفة قليلاً.
وبتطور الأحداث المحلية والإقليمية اجتذب خطاب الحركة الجهاديَّة المئات وربما الآلاف والذين انضموا إلى جميع فصائل الحركة القاعدية والحركات الجديدة في العراق وسورية وخصوصاً بعد اشتعال ثورات الربيع العربي عام 2011م، وتحول اهتمامهم نحو قتال الشيعة الذين تستعمل أدبياتهم كلمة "الروافض" للحديث عنهم, كما حدث تحول بنشوء حركات جهاديَّة جديدة كتنظيم الدولة الإسلاميَّة في العراق والشام الذي دعا إلى تبني هجمات ضد أهداف حكومية وضد الشيعة في العراق ومنطقة الخليج العربي.


13. "السلفيَّة الفكريَّة":
وهو اتجاه لا يركِّز على العمل التنظيمي وإنَّما على العمل الفكري والاشتباك مع قضايا كالغرب والعلمانيَّة والمشروع الإيراني، وتطوير الخطاب الإعلامي والعلاقة مع الجماعات الأخرى وخصوصاً الإخوان المسلمين, وتمثِّلُه مجلَّة البيان السعوديَّة.


14. "الإسلاميُّون الليبراليُّون":
بدأ هؤلاء المفكرون والناشطون منذ عام 1998م بإعادة صياغة دعوتهم الهادفة إلى الإصلاح السياسي بنمط إسلامي ديمقراطي، ولهذا فإن هذه النزعة تعتبر فريدة من نوعها لجدة مضمونها الديني والسياسي من جهة، وللتنوع الكبير في خلفيات مناصريها سواء من جهة, وبينما يصنف بعض هؤلاء المثقفين أنفسهم على أنهم (وسطيون/ من دعاة الوسطية) أو (تنويريون) أو حتى (عقلانيون)، فإن معظمهم يتفق على تعريف أنفسهم بـ(الإصلاحيين) أو كما صاغها عبد العزيز القاسم في مارس 2003م (مجموعة من الإسلاميين الليبراليين أو الليبراليين الإسلاميين), ويضم هذا التيار خليطاً من الشخصيَّات السنية والشيعية، ومثل فرصة للمثقفين الشيعة للتواصل مع الداخل والخارج من باب التعددية الديمقراطية والمواطنة ومن أبرز شخصياته على المستوى الشيعي زكي الميلاد ومحمد محفظ وجعفر الشايب، أما الشخصيات السنة, عبد العزيز القاسم, وعبد الله الحامد, حسن المالكي.
من هنا تحولت السلفيَّة إلى أداة في السياسة الخارجية للسعوديَّة، وتم توفير الموارد المالية للمؤسَّسة الوهابيَّة وتقويتها وتعزيز روابطها بالخارج من أجل التأثير فيه ومحاصرة التحديات المقبلة على النظام السعودي من الخارج.
وسعت الأيديولوجية الوهابية، التي تعتبر أيديولوجية أممية، إلى حماية نفسها من خلال دعم المؤسسات في الخارج، في أوروبا والعالم العربي, هكذا أشرفت سفارات المملكة والمراكز الثقافية السعوديَّة، على تدبير الموارد المالية المخصصة لنشر الفكر الوهابي وترويجه وخلق المؤسسات التي تهتم بنشر الفكر الوهابي.
15. "مجموعة أهل الحديث الألبانيَّة":


تتسمى هذه المجموعة بهذا الاسم نسبة لناصر الدين الألباني. وتتبنى نفس الموقف من الإيمان والعقيدة، كما عند الجامية، غير أن أفرادها لا يرون الأنظمة السياسيَّة أنظمة شرعية. ويرون الحكام عصاة ومذنبين, لكنهم لا يدعون لتحرك أو انتفاضة ضدهم، بل يدعون لتطوير الأنظمة القائمة لجعلها متوافقة مع تعاليم الإسلام. وهم بذلك يعتقدون بأنهم يتبعون حديث الرسول محمد صلَّى الله عليه وسلَّم في التمسك بالجماعة وعدم بث الفتنة والفرقة، ما دام الحكام لم يعلنوا كفرهم بشكل لا يدع مجالاً للشك, وهم يحترمون مواقف العلماء، ولذلك فمساحة التقليد والاتباع أكبر بشكل كبير جدًا من مساحة الاجتهاد.
تسببت هذه المجموعة في إزعاج السلطة في مرات عديدة؛ مما دعا وزارة الداخلية لاستبعاد الألباني من البلد، حتى تدخل المفتي في ذلك الوقت وهو الشيخ عبد العزيز بن باز لإعادة الألباني, وشكّلت مصدر إزعاج لأنها مهدت الطريق لحراك شبابي ديني متحمس يسعى لإقناع السلطة بشكل مباشر بتغيير توجهاتها لتكون، حسب منظورهم، أقرب إلى الإسلام, وقد رأت السلطة في هذا مقدمة لكسر الحدود الفاصلة بين المجال السياسي والمجال الديني.


16. "تيار الصحوة الإسلاميَّة":
شهدت السعوديَّة ظهور ما عرف بتيار "الصحوة" بداية من ستينيات القرن الماضي، وهو تيار يجمع بين السلفيَّة التقليدية وتعاليم حركة "الإخوان المسلمين"، نشأ التيار نتيجة لهجرة عناصر من الجماعة إلى المملكة نتيجة لظروف سياسية واقتصادية، وسرعان ما اختلطت هذه المجموعات بالنسيج الاجتماعي السعودي؛ ساعد على ذلك عملهم في إنشاء المعاهد والكليات والتدريس فيها وتأليف الكتب ووضع المناهج الدراسية لأبناء المملكة، فاستطاعوا بث ايديولوجيتهم ونظرتهم، لما كانوا يتمتعون به من خبرات تنقص المملكة في ذلك الحين.
برز من هؤلاء أسماء مثل الشيخ سعيد حوى الذي درس بالهفوف والمدينة المنورة سنة 1966م، وأصبح منظر حركة الإخوان المسلمين في سورية لاحقًا، واشتهر بكتاباته خصوصًا كتابه "جند الله ثقافة وأخلاقًا"، والشيخ محمد سرور زين العابدين، الذي درس في المعاهد العلمية في حائل وبريدة والمنطقة الشرقية سنة 1965م، والذي صار فيما بعد الموجه الروحي للتيار السروري.
كذلك برز اسم الشيخ محمد قطب الذي اشتغل بالتدريس في كلية الشريعة بمكة المكرمة بداية من عام 1971م، بوصفه الوريث الفكري لسيد قطب -رحمه الله-، حيث سعي للجمع بين المدرستين القطبية والوهابية، هذا الجمع الذي اكتمل ونضج في مؤلفات الشيخ عبد المجيد الشاذلي -رحمه الله-، والذي صاغ الفكر القطبي في قالب سلفي محكم، كذلك ساهم الأستاذ محمد أحمد الراشد في قولبة النشاط الحركي للصحوة في إطار نظري انسجامًا مع التعاليم الوهابية مستندا إلى أقوال ابن تيمية وابن القيم.


السلفيَّة في مرحلة الملك سلمان بن عبد العزيز وولده:
قامت السعوديَّة بحركة اعتقالات مطلع نوفمبر 2017، طالت 11 أميرًا، وأربعة وزراء حاليين، وعشرات الوزراء السابقين، بحجة تورطهم في قضايا فساد، والتي تزامنت مع صدور أوامر ملكية بإقالة وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله من منصبه، وإنهاء خدمات قائد القوات البحرية الفريق عبد الله السلطان، وإقالة وزير الاقتصاد والتخطيط، وقد نقلت صحيفة لوموند عن كريستيان أولريكسن عضو معهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس (تكساس)، قوله: "يبدو أن نطاق ومدى هذه الاعتقالات لم يسبق له مثيل في تاريخ المملكة العربيَّة السعوديَّة الحديث".
يؤكد ذلك نية السعوديَّة لإحداث تغيرات حادة على كافة المستويات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، خاصة مع إقدامها على اعتقال الوليد بن طلال، الذي من شأنه، بحسب أولريكسن: "أن يسبب موجة من الصدمات على المستوى الداخلي وكذلك في عالم المال على المستوى الدولي", فإذا كانت الدولة السعوديَّة المعاصرة قد قضت على (التوحيد السياسي) وأبقت على (التوحيد الاجتماعي)، فإن مرحلة الملك سلمان تشي بالعد التنازلي للقضاء على ما بقي من الصبغة الوهابيَّة، ويرى الباحث ديفيد إغناتيوس: أن هناك طريقة بسيطة لشرح هدف الأمير محمد بن سلمان؛ وهي أنّه يود أن يجعل المملكة العربيَّة السعوديَّة المنغلقة على نفسها والحذرة, تبدو مثل دولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة المجاورة، مع ناطحات السحاب المذهلة واقتصاد السوق الحر, ويبدو أنَّ الأمير يدرك أنَّ مثل هذا التحوّل الاقتصادي لن يكون ممكنًا من دون تخفيف حدّة التقاليد الإسلاميَّة الصارمة في المملكة العربيَّة السعوديَّة, لذلك يمكن بسهولة توقع أن تحدث تغييرات أخرى في المؤسسات الدينيَّة، مثل هيئة كبار العلماء, في اتجاه تقليل سطوة رجال الدين والحد من وزنهم النسبي في السياسة وتركيبة الحكم, ومن مؤشرات ذلك قيام السلطات السعوديَّة في نيسان 2016م بتجميد عمل "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، كما اعتقلت الداعية الإسلامي سليمان الدويش، كذلك اعتقل بالتزامن مع توقيف الدويش، الشيخ عبد العزيز الطريفي، الذي يعد أحد أبرز المنظرين الشباب للتيار السلفي في السعوديَّة، كما اعتقلت السلطات السعوديَّة بعدها بشهرين الباحث الإسلامي الشهير، إبراهيم السكران، الذي قال إن حركة الإصلاح الديني المزعومة لابن سلمان إنما هي حركة تسويقية لاسترضاء حلفائه في أميركا, وقررت رفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات, وإنشاء الهيئة العامة للترفيه.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1