شبهات فساد تحيط بالجمعيات الخيرية في سورية: هل تسرق رواتب موظفيها؟

وكالة أنباء آسيا – حبيب شحادة

2020.11.21 - 03:04
Facebook Share
طباعة

 
ليس العمل الخيري، أو "المدني" كما يحلو للشاغلين فيه تسميته، بجديد على سورية، التي تعتبر من أوائل الدول التي عَرِفت العمل الخيري، لكن مع دخول البلاد في أزمات "الربيع العربي"، حدث الانفلاش في ذاك العمل المنفلت من أيّة ضوابط أو قيود.
جمعيات خيرية و/أو مدنية بدأت تغزو المدن السورية، مع تزايد الدعم الإنساني الدولي، في محاولة منها لتخفيف ما حل بتلك المدن وأهلها من خراب وتدمير وتهجير، منها من عَمل بكل شفافية وإخلاص، ومنها من كان عمله حبراً على ورق، مع بعض الصور التذكارية.
وفي الآونة الأخيرة، وبعد انحسار رقعة المعارك والصدامات، لم يبقً من تلك الجمعيات والمبادرات إلا من كان فعلاً يعمل ويقدم خدمة إنسانية لمن هم بحاجتها. وهنا بدأت تظهر حالة جديدة بين الجمعيات وموظفيها (متطوعيها) عرفت بـ (الجمعيات الخيرية تسرق موظفيها) إضافة للظاهرة القديمة- الجديدة، ألا وهي العلاقة بين الجمعية كمقدم خدمة، والناس كمتلقي لها، وما يشوبها من عثرات.
الراتب سري.. تحت طائلة الفصل!
سامر (40 عاماً) يعمل في إحدى الجمعيات التنموية بدمشق، قال لوكالة أنباء آسيا إن "العمل مع الجمعيات والمنظمات لا يندرج تحت أية مظلة حماية، سواء تأمينية أو اجتماعية". ويضيف، أنه "يعمل منذ خمس سنوات في جمعية بصفة عامل أرشيف، براتب يتجاوز راتب وزير".
وعلّق سامر حيال ما أشيع حول أن الجمعيات تسرق موظفيها بعقود عمل وهمية، بالقول" لدينا توصيف وظيفي دقيق بعقود العمل التي نوقع عليها، ولكن مضمونها لصالح الجمعية، حيث تنص على أنه يحق للجمعية ولا يحق للطرف الأخر".
وسامر، ليس حالة فريدة، فهذا حال معظم من يعمل في تلك الجمعيات، نسرين (25 عاماً) تعمل في جمعية خيرية، بيّنت لوكالة أنباء آسيا بأنّ "العقد لا يتضمن قيمة الراتب، والرواتب متأرجحة بين مرتفعة وعادية"، مضيفةً "هناك جمعيات تشهد حالات من زيادة الرواتب كل شهر، وفقاً لتقلبات سعر الصرف".
وتنفي نسرين في حديثها لـ"آسيا" وجود أية ضمانات وظيفية، رغم كون الراتب كبير في بعض الحالات، وتقول "قد يتم الاعتذار منك عن العمل في الشهر القادم. والممول عندما يكف يده عن التمويل يتوقف المشروع بشكل كامل".
ورغم ذلك، هناك موظفون في تلك الجمعيات بحالة رضا، يحيى (37 عاماً) يعمل في مركز صحي لجمعية خيرية بريف دمشق، يقول لوكالة أنباء آسيا: "راتبي فوق ال 500 ألف ليرة، ولكن عند القبض أوقع على إيصالات قبض دون أرقام للرواتب". ويضيف "هناك مشاريع لجمعيات كلفتها ملايين الليرات، ورغم ذلك راتب الموظف فيها يشابه الرواتب الحكومية".
وينهي حديثه بالقول "أنا راضي عن راتبي، لكن مقارنة بأصدقائي في الجمعية، لست راضياً، نتيجة تدني رواتبهم، حيث أن موضوع الرواتب بالجمعيات سري تحت طائلة الفصل".
عقود العمل؟
يرى الاستشاري هشام خياط في حديثه لوكالة أنباء آسيا أن "الجمعية عندما تبدأ بعملية التنفيذ تستعين بموظفيها ومتعاقديها ومتطوعيها لتنفيذ برامجها، وقد تُسعّر مساهمتهم خلافاً لمقبوضاتهم الحقيقية"، والسبب في ذلك أن الجمعيات تحرص، -وفقاً لخياط- على الاحتفاظ بجزء من التمويل لغايات أخرى غير المذكورة في اتفاقية التعاقد، "وفي كثير من الحالات يتم الموضوع بعلم العاملين كونهم يوقعون على الفواتير والمطالبات والإيصالات".
وبالنسبة للعملية التعاقدية مع الكوادر (المتطوعين) يفترض أن تكون موجودة، ولكن هناك بعض الاستثناءات التي تخص المتطوعين، ومن هم تحت التمرين. وفي حال كان التنفيذ عبر مبادرة فليس هناك من عقود، لأن المبادرة لا تعتبر شخصية اعتبارية. بحسب خياط.
ويؤكد، الاستشاري خياط أن "هذا الموضوع في غاية الأهمية، وتحيط به بيئة العمل الخاصة بالجمعيات الأهلية، ويختلف من منظمة لأخرى حسب الحجم والغايات".
مصدر في مديرية العمل بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قال في تصريح لوكالة أنباء آسيا إن "الجمعيات تخضع لقانون العمل رقم (17) وأحكامه، وفي حال حدوث خلافات بين الجمعية وأحد موظفيها، وبالتالي فإن دور الوزارة يقتصر على الوساطة فقط لحل الخلاف".
مصادر التمويل!
يشير خياط إلى أن الجمعيات تحصل على مواردها المالية من عدة مصادر، منها التبرعات والإعلانات والهبات ورسوم الانتساب واستثمار الأصول، وأخيراً من بدلات تنفيذ بعض المشاريع نيابةً عن المنظمات الدولية.
والتمويل، يمر بعدة فلاتر، من الجهة المانحة (المنظمة الدولية) إلى الفرع الإقليمي لها. وأخيرا الجمعية في سورية، حيث يقتطع جزء من التمويل نظير الخدمات الإدارية بحسب خياط.
ويضيف خياط "لم يُسمح للجمعيات لفترة طويلة بأن يكون لديها (business model) أي نموذج عمل، وعاشت متطفلة على أموال الآخرين. لكن في فترة الأزمة هناك جمعيات ومبادرات نمت وأصبحت تعمل تجارياً أو بصفة مقاول لتنفيذ مشاريع وبرامج".
هل فعلاً الجمعيات تسرق موظفيها؟
في بحثها عن إجابة لهذا السؤال، تواصلت وكالة "آسيا" مع أكثر من خمسة مسؤولين في جمعيات بدمشق وريفها واللاذقية، لكن دون نتيجة، حيث هناك من رفض الإجابة بشكل مطلق على تساؤلاتنا بحجة أن الأسئلة متحيزة. وهناك من لم يعد يرد بعد استلامه للأسئلة.
في حين هناك من يعترف بالحقيقة ويقولها. (جديع نوفل - ناشط مدني)، قال لوكالة أنباء آسيا أنه "ليس لدينا عمل مؤسساتي بالمعنى الذي نقرأ عنه، وما يسمى مؤسسة/ جمعية، لدينا هي شكل من أشكال التملك الخاصة، وبالتالي إن وجد موظفين فيها، فلا يتم إنصافهم بأجورهم ورواتبهم".
ويضيف، نوفل، "نحن نخاف من الشفافية بكل شيء، وأساساً لا يوجد منظمات، يوجد مجموعة من الأشخاص التقوا، وشكلوا ما يسمى منظمة، وهذا الشكل من التجمع يمكن تسميته كل شيء إلا منظمة. هو تجمع أقرب لمجموعة سياسية، وهي غير سياسية".
ويختم نوفل حديثه لوكالة "آسيا" بالقول إن "الخلل يكمن في عدم وجود ضابط قانوني للعمل، وبعدم السماح للعمل المدني بالانتشار والتطور".
القانون الناظم لعمل الجمعيات
يَنظم عمل الجمعيات في سورية القانون 93 لعام 1958 والذي تجاوز عمره الستين عاماً، ما خلق فجوة بين القانون وبين التحول الذي حدث في المجتمع السوري عبر هذه السنوات الطويلة. إذ يصعب التخيل أن يحكم حركة المجتمع المتغيرة والمتطورة باستمرار قانون تجاوزته أجيال وأجيال.
كما أنّ قانون الجمعيات المكون من 75 مادة لم يعد قادراً على استيعاب المنظمات والمؤسسات التي نتجت بفعل الأزمة/الحرب، ولم يعد يلبي طموحات من يعمل بالشأن المدني. حيث يرى خبراء القانون أنًه يٌعاني من سوء تنظيم مواده وتنسيق أبوابه، ما يشكل صعوبة في دراسته وفهم مواده.
المنظمات والمبادرات بالأرقام
تظهر بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أنّ عدد المنظمات الخيرية والأهلية قبل العام 2011 بلغ 1582 منظمة. أما بعد العام 2011 فقد حدث توسع كبير في عدد المنظمات والمؤسسات المجتمعية العاملة بالشأن العام متجاوزاً عددها خلال ثمان سنوات أكثر من 1000 منظمة ومؤسسة، موزعة على مختلف الجغرافيا السورية.
كما اختلفت الدوافع الأساسية لطبيعة عمل هذه المنظمات، والتي حكمتها ظروف الأزمة وتطوراتها المتلاحقة نتيجة التصدع الاجتماعي والاقتصادي، ما جعل النسبة الأكبر منها تتجه نحو العمل الإنساني، ومن ثم التنموي إلى حد ما.
يبقى الباب موارباً في الدوائر المالية لتلك الجمعيات. وموظفوها يخشون فقدان عملهم مع أي تصريح، لكن تهرب بعض مسؤولي الجمعيات من الإجابة يفتح الباب على مصراعيه، ليثير الشبهات حول السؤال: هل الجمعيات تسرق موظفيها؟.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6