عن الإمبراطورية التي تمارس الصداقة وفقا لأسلوب العصابات الإجرامية

خضر عواركة - وكالة أنباء آسيا

2020.11.07 - 12:36
Facebook Share
طباعة

 
قدمت سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في بيروت دوروثي شاي قبل أسبوع من فرض العقوبات على السياسي اللبناني الصديق والمعجب بالولايات المتحدة جبران باسيل، لائحة مطالب على رأسها أن يقف جبران موقف العداء من طرف لبناني تعاديه أمريكا. وأن يسهل تشكيل حكومة يسمي فيها وزراء المسيحيين، السني سعد الحريري. وان تسمي السفيرة الأمريكية مجموعة من موظفي الحكومة والأمنيين.
رفض جبران الخضوع فوضعته وزارة الخزانة الأمريكية على لائحة العقوبات.
قبله كانت الإدارة الأمريكية قد طلبت من رئيس مجلس النواب نبيه بري التخلي عن تصلبه فيما يحص المفاوضات مع إسرائيل.فلما تأخر في الرد وضعوا مساعده على لائحة العقوبات، بل على لائحة الإرهاب.
حجة الإدارة في العقاب أن جبران فاسد، علماً أن جبران واحد من خمسة لا يمكن لأي منهم أن يمرر أي صفقة في الحكومة دون موافقته. كون كل منهم قادر على عرقلة اي ملف، لأنهم الخمسة النافذين في جميع مفاصل الدولة.
فأين العقاب على الأربعة الباقين؟
القصة ليست قصة فساد وإلا فكل حلفاء أمريكا في لبنان منذ ٧٠ عاماً هم آلهة الفساد. منهم من استولى على المصرف المركزي، ومنهم من استولى على عقارات المواطنين والدولة في وسط المدينة ونقدهم أسهما تافهة بدلاً عنها. ومنهم من نهب بالتعاون مع شركاء في الحكم ٢٠٠ مليار دولار هدرت طوال ٥٠ عاماً مضت. ومنهم من استولى على ودائع المواطنين. فكم من هؤلاء عاقبت واشنطن لفسادهم، وكم من هؤلاء ليس حليفاً مقرباً منها؟
إنها إمبراطورية قام دستورها على ثنائية المصلحة العامة والقيم الإنسانية، لكن في التطبيق هي إمبراطورية خداع شعبها واستغلاله، وابتزاز شعوب العالم.
كانت روما تحترم شعبها كثيراً، رغم كل مظاهر البربرية المتوحشة، إلا أن روما كانت حضارية حصراً مع مواطنيها.
على العكس من ذلك، ورغم الكثير من المميزات التي يحصل عليها المواطن الأمريكي، لكن إمكانيات البلاد أكبر بكثير من حجم العطايا التي يحصل عليها المواطنون هناك.
هي إمبراطورية لكنها ليست عادلة حتى مع شعبها.
الإمبراطورية الأمريكية تحترم شعبها طالما بقي المواطن الفرد أبلهاً يصدق آلة الحكم الإعلامية الطاغية.
في أمريكا لا في الصين سور عظيم. لا يقبل أي تطبيق سوشال ميديا الدعاية الموجهة إلى أمريكا إن تضمنت مادة سياسية.
لا يوجد فرصة للبث التلفزيوني إلا بموافقة هيئات متشددة في شروط فرض المضمون المناسب للحكام لا للشعب.
سيتركون أي جهة تغعل ما تشاء دعائياً من داخل أمريكا إلى أن يصبح مؤثراً فيحطمونه بالقضايا القانونية التي لا تستند للدستور.
أمريكا هي إمبراطورية الظلام، والدولة الوحيدة التي تعتبر تركيب "اللاقط الفضائي التلفزيوني" جريمة إذا برمج فاعلها قنوات ممنوعة من قبل الإدارة.
قنوات الروسية ممنوعة، والقنوات الفنزويلية ممنوعة والقنوات العربية ممنوعة.
اختراع خدمة شبكات الكايبل التلفزيوني لم يكن لأسباب تجارية، بل هي نتاج فكر يشبه ما يتهمون به سلطات كوريا الشمالية. فحصر البث بالمرضي عنهم يمنع عن المواطن الأمريكي المعرفة.
ملكية الإعلام لشركات النفط تضمن بقاء المواطن الأمريكي جاهلاً بالحقائق وجاهلاً بأنه ضحية لدولته مثلنا.
الإمبراطورية بنت سوراً من تعتيم على أي دعاية تخالف دعاية نظام الحكم. تماماً مثل العتمة السوفياتية؛ لكن بطرق أذكى وأكثر خداعاً.
إذا أحبتك الإدارة الأمريكية خيرتك بين العقوبات أو تقديم كل رصيدك لها مجاناً، والتحول إلى عبد ورقّ لرغبات مسؤوليها.
وإذا اعتبرتك الادارة عدواً قد ترميك بقنبلة ذرية وأنت لا تحتاج سوى لرصاصة كي تُهزم، كما فعلت مع اليابان، وهي كانت مهزومة بالسلاح التقليدي قبل ضربها بالقنابل النووية.
وقد تعتبرك صديقاً فتسلط عليك ثورة غير عنفية يشعلها عشرات آلاف الموظفين براتب شهري في القوات المسلحة الأمريكية العالمية غير العنفية (المعروفة باسم مرتزقة Ngo,s) الذين يثيرون فوضى ينخرط فيها بعض الشعب بعفوية، لكن السيطرة عليها تبقى للجيوش الأمريكية غير العنفية، كما حصل مع حسني مبارك ومع زين العابدين بن علي. ومع ثوار العشرة مليار دولار في لبنان الذي كادوا يقتحمون منزل حسان دياب، واختفوا حين جرى تكليف حليف الأمريكيين سعد الحريري.
الإدارة الأمريكية قد تعتبرك صديقاً وتنهب كل ثروتك كما تفعل مع دول الخليج العربي.
وقد تعتبرك حبيباً وتورطك في حرب نيابةً عنها كما فعلت مع صدام حسين الذي غزا إيران رغبةً بمصالحه مع أمريكا، و عاد وسقط في فخ إبريل غلاسبي الأمريكية التي سألها وأعطته ضوءاً أخضر لضم الكويت، ثم ضربوه واحتلوا بلاده.
لا صداقة الإدارة الأمريكية مريحة ولا العداء معها مطمئن.
وحده من يجعل كلفة أذيته أعلى من كلفة التفاهم معه يضمن السلامة من صداقة ومن عداء الإدارة الأمريكية.
من فضائل دونالد ترامب أنه فتح الباب لغضب شعبي، ولمشهد لو كان هناك من يستطيع الوصول إعلاميا إلى الشعب الأمريكي لتحرر ذاك الشعب من الطبقة العظمى التي تستخدم إدارة واشنطن لحكم أمريكا؛ ومن خلالها حكم العالم.
لا يمكن، بل ومن المستحيل تجاوز "سور العتمة الأمريكية الإعلامية العظيم " لا روسيا ولا الصين يمكنهما توجيه البث إلى بيوت الأمريكيين، لأنه بكل بساطة ٧٥ % منهم مرتبطون بشركات الكايبل.
حتى ثلث شعبهم الذي يتلقى الأخبار من السوشال ميديا لا يسمح أي تطبيق بتوجيه دعاية سياسية نحوهم.
المخابرات الصدامية أو المخابرات السورية والسعودية قد تعتقل أي اعلامي فاعل ومعارض، لكن في أمريكا لا يعتقلونه، بل يمنعون كلماته من الوصول إلى الشعب، وإن حصل وتجاوز سور العزل يفعلون به ما فعلوه مع هيلين توماس ومع جماعة ال BDS من ملاحقة وتدمير للسمعة وحذف من الحياة العملية.
ترامب جزء من تيار مستجد يريد حصة أكبر من الكعكة الأمريكية. ولكن شعبويته أفاقت الناس، لذا هو غير مرغوب به من المؤسسة. هو كشف عورتهم لأنه غير منضبط، رغم أن بين داعميه أنصار وتيارات يتحكم بها أعضاء في الطبقة العظمى، كما الإنجيليين الصهاينة الذين سخَروا الدين لتسخير نصف اللاتين و٤٠ بالمئة من السود ضد مصالحهم الذاتية. فقد صوت هؤلاء بحسب تكليف ديني من كنائس الصهاينة مع العنصري الذي يعاديهم.
لكن هذا العنصري يكاد لو وجد من يستغل الفرصة أن يخلص العالم فيفتّت السور الإعلامي الأمريكي العظيم.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 1