وكلاء لشركات عالمية يسرقون مليارات الليرات من الخزينة السورية.. ويحولون المستشفيات إلى مستودعات للأجهزة الطبية المستعملة

تحقيق | كيان جمعة

2020.11.05 - 12:15
Facebook Share
طباعة

 
يبدو الحديث في ملف التهرب الضريبي في سوريا كالغوص في الرمال، بسبب القوانين القديمة والسياسات الضريبية التي تلامسها التصريحات الحكومية من دون أن تغيرها على مر السنوات، وهو ملف مهم لأنه يمس الكثير مما تستورده سوريا من الخارج، ويؤثر على كل قطاعات الحياة؛ ناهيك عن تأثيره على الاقتصاد الوطني بسبب المبالغ الهائلة التي تفقدها سوريا لصالح كبار المتنفذين والتجار من المتهربين ومنهم وكلاء شركات عالمية يتجاوزون القوانين ويخترقونها، ويقومون باستغلال أسماء موكليهم وتزوير فواتير شركاتهم وأختامها بهدف تغيير أسعار منتجاتها قبل دخولها عبر المنافذ الحدودية .

تشير الوثائق التي حصلت عليها "وكالة أنباء آسيا" وهي - جزء بسيط من جبل الجليد - إلى خلل كبير في استيراد الأجهزة الطبية التي تدخل إلى المستشفيات الوطنية السورية التابعة لوزارة الصحة أو وزارة التعليم العالي، ويتضمن مجموعة من الأخطاء والتهرب الضريبي وتزوير أختام ومخالفات في شهادات المنشأ وإجازات الاستيراد والفواتير، يقوم بها عدة وكلاء لشركات عالمية للمعدات الطبية ومستلزماتها ومنها شركة "الفيصلية" وكيل شركة "فيليبس" الهولندية، وشركة "جودكس" وكيل شركة "فوجي فيلم" اليابانية، وعدة وكلاء آخرين، يقدر مجموع قيمة غراماتهم أكثر من 10 مليارات ليرة سورية فقط لا غير!.

سلسلة الفساد
يظهر من الوثائق أن سلسلة الأخطاء أو حلقة "الفساد" تبدأ من مديرية المستلزمات الطبية في وزارة الصحة، والتي تعطي الموافقات وتصادق على الأوراق والفواتير المزورة للشركات رغم الخلل أو النقص في أوراقها وعقودها مثل إدخال الأجهزة عبر الحدود دون استكمال كامل الموافقات من إجازة الاستيراد أو أختام وزارة الخارجية، بالإضافة إلى إعطاء موافقات لإدخال أجهزة بفواتير دون التأكد من وجود إجازة استيراد نظامية.

وعلى سبيل المثال، وبالمقارنة بين العقود التي أبرمتها شركة "الفيصلية "مع القطاع الصحي والفواتير التي أدخلت بها المعدات من الحدود، يظهر تبايناً كبيرا بالأسعار حيث تم تخفيض قيم المستلزمات (الأسعار) للحد من البند الجمركي، ويصل التخفيض إلى نسب أقل من 1 على 10 من القيم الحقيقة في بعض الحالات ، فمثلا تم بيع جهاز رنين مغناطيسي نوع "فيليبس" لصالح أحد المراكز الخاصة شبيه بجهاز مشفى الأسد الجامعي وفق ما كتبه صاحب المركز على صفحته على "فيسبوك" والذي تم التعاقد عليه بملغ يقارب مليوني دولار حيث تم التصريح عنه في مديرية المستلزمات والجمارك بقيمة 15 ألف دولار فقط وهو رقم وفق ما قاله مختصون لا يتعدى 5% من قيمته الحقيقية، وغرامة المخالفة هذه لا تقل عن 1 مليار ليرة.

كما تم إدخال جهاز طبقي محوري نوع "فيليبس" قيمته أكثر من 150 ألف دولار فتم تخفيض قيمته إلى 15 ألف دولار، وغرامة المخالفة نحو  225,000 ألف دولار امريكي.

إلا أن الأمر الأخطر من كل ذلك هو القفز على أحد أهم شروط الاستيراد في سوريا، وهو وجود فاتورة صادرة عن الشركة الصانعة، غير أن مجمل الفواتير المقدمة من شركة "الفيصلية" مزورة بشكل واضح، أي غير صادرة عن الشركات المصنعة، ذلك أن الوكيل قام بتزوير فواتير الأجهزة الطبية التي تبلغ أسعارها ملايين الدولارات من أجل تخفيض قيمة الضريبة الجمركية على الحدود.

وعلى نفس المنوال يعمل باقي الوكلاء، حيث وقع أحد المزورين بخطأ مطبعي فاضح في أحد الفواتير عند كتابة اسم الشركة المصنعة، فكتبها بشكل خاطئ بالإضافة إلى أن الفواتير مزورة ومخفضة إلى ما يعادل 20% من قيمتها الحقيقية، بالإضافة الى كون فواتيره مزورة الأختام.

إلا أن مديرة مديرية المستلزمات الطبية في وزارة الصحة زينب قاسم نفت كل تلك الاتهامات، وقالت إن مهمة المديرية مجرد مطابقة الأوراق والتأكد من تطابق المواد الموجودة في الفواتير، مبينةً أن لا وجود لأي تزوير في الفواتير أو تغيير في قيم وأسعار المواد أو تزوير للأختام، مبدية تعاون كامل في حال وجود أي إشارات إلى وجود تهرب ضريبي في عقود وكلاء شركات الأجهزة الطبية.

غير ان الوثائق التي بين أيدينا تدحض كلام السيدة قاسم وتحتاج إلى تفسير إما من وزارة المالية أو وزارة الاقتصاد أو وزارة الصحة أو الهيئة العامة للرقابة والتفتيش أو إدارة الجمارك التي أصدرت قبل شهر تعميماً صريحاً بإلقاء الحجز الاحتياطي على أصحاب شركة الفيصلية" وكيل شركة "فيليبس" ضماناً لحقوق الخزينة العامة من الرسوم والغرامات المتوجبة على مخالفة الاستيراد تهريباً، لبضاعة ناجية من الحجز قيمتها 941 مليون ليرة، ورسومها تقارب 57 مليون ليرة وغراماتها 1.4 مليار ليرة.

وتواصلت وكالة أنباء آسيا مع الصفحة الرسمية لشركة "فيليبس" الهولندية على "فيسبوك" التي وجهت للتواصل عبر البريد الالكتروني الرسمي إلا أن الشركة لم تجيب على التساؤلات التي أرسلت مرتين عبر البريد الرسمي، وهذا ما ينطبق على شركة "فوجي فيلم" اليابانية لتوضيح وجهة نظر الشركتين بما يقوم به وكيليهما.

ختم شكلي
معظم الأختام التي ختمت بها الفواتير المزورة هي مجرد كلمة مطبوعة باللغة الإنكليزية لشركة "PHILIPS"  أو "FUJIFILM" وهو أمر غير ممكن أن يكون صادر عن الشركة الأم (الشركة المصنعة)، فمن البديهي أن الشركات العالمية لا تقبل بإصدار فواتير لمعداتها بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية بـ 10 أضعاف .

وتكشف الوثائق أن شركة "جودكس" وكيل شركة "فوجي فيلم" اليابانية قد قدمت فواتير صادرة عن مكتبها في بيروت وليس من الشركة الصانعة بأسعار أقل من عشر الرقم الحقيقي.

وتظهر الوثائق التي حصلت عليها "وكالة أنباء آسيا" أنه بين عامي 2019 و2020  لا يوجد أي فاتورة لشركة "جودكس" صادرة عن الشركات المنتجة للأجهزة الطبية المسجلة في مديرية المستلزمات الطبية في وزارة الصحة.

أشخاص وهميون .. "الزعيم"
من المعروف أنه لاكتمال أي عملية تهرب ضريبي لابد من استخدام أشخاص وهميين بهدف إدخال المواد تحت أسمائهم، وتكشف المصادر أن الإسم الأكثر تداولاً في عقود المعدات الطبية هو السيد مازن الزعيم واسمه الثلاثي غير معروف، لكن يتكرر الاسم مع أكثر من وكيل لدرجة أنه خلال عدة أشهر تواجد اسمه على نحو 35 فاتورة لأكثر من 20 وكيلاً، كما يتغير عنوانه في كل فاتورة بحسب عنوان الشركة التي تستخدمه لإدخال المعدات.

وتم استعمال اسم مازن الزعيم مع وكلاء مسجلين في مديرية المستلزمات الطبية عبر ورقة تفويض موقعة من الوكيل وموجهة للمديرية تثبت أنهم لا يمانعون تخليص البضاعة لصالح الزعيم، الذي تبين أن معظم فواتيره مزورة ومخفضة القيمة، فمن هو الزعيم؟ وكيف يمكن محاسبته؟ وكم من "زعيم" يوجد في هذه القضية وفي قضايا مشابهة تقضم أموال السوريين.

مسؤول في مشفى المجتهد
تشير الوثائق إلى أنه بتاريخ 22 شباط 2020 أدخل طبيب وهو رئيس قسم في مستشفى المجتهد بدمشق جهاز الرنين المغناطيسي المفتوح بقيمة 40 ألف دولار، إلا أن كلفته السوقية أو سعره الحقيقي يقارب 300 ألف دولار، كما أدخل في نفس الفاتورة جهاز الطبقي المحوري بقيمة 25 ألف دولار علماً أن قيمته السوقية قرابة 185 ألف دولار.

وبالإضافة إلى تخفيض القيم الى حدود 15% من قيمتها الحقيقية، فإن الفاتورة كما سابقاتها غير صادرة عن الشركة الصانعة، ولايوجد كتاب مصدق أصولاً للدلالة على سنة صنع الجهاز مع الرقم التسلسلي مصدق ومختوم من الشركة الصانعة، كما أن الأجهزة هي من إنتاج 2018 وليست جديدة.

10 مليار ليرة!
يشير مصدر في الجمارك إلى أن "مجمل التجهيزات المقدمة لثلاث شركات خلال فترة 2019-2020، بالإضافة إلى جميع الفواتير  هي بالاسم الوهمي ومخفضة إلى أقل من عشر القيمة الحقيقية، وهو ما يعني خسارة الخزينة أكثر من 90% من أموال البنود الجمركية لصالح التجار والفاسدين" مشيراً إلى أن "غرامة التهرب الجمركي في ملفات هذه الشركات تتجاوز 10 مليارات ليرة سورية".

ماهي الحلول؟
مصدر طبي يؤكد لـ"وكالة أنباء آسيا" أن هناك العديد من الطرق لكبح التهرب الضريبي في مجال المعدات الطبية أوغيرها، وإيقاف النزيف المستمر للخزينة العامة في حال قرر المسؤولون في وزارة الصحة أو المالية ذلك، ويشرح العديد من النقاط التي يمكن الاستهداء بها لإيقاف التهرب:
أن تكون جميع الجهات طرفاً واحداً بحيث تعمم الأوراق المطلوبة وتقدم بشكل ملف كامل وليس جزئي، وبحيث تكون المعاملة التي تطلبها الجمارك واحدة تحوي جميع الأوراق الأصلية مصدقةً ومختومةً في كل من وزارة الصحة والجمارك، وأن لايُسمح باستخدام أسماء وهمية أو فواتير مزورة، وتحديث أوراقه بشكل مستمر للتأكد من الوضع التجاري والقانوني للمستورد في كل مرة يقدم الوكيل على موافقة إدخال مواد.

ويتابع المصدر الطبي" على الوكيل أيضاً تقديم صورة بوليصة الشحن الواردة مع شحنات المستلزمات المراد إدخالها، وتقديم قائمة Packing list متوافقة مع البوليصة والفاتورة للمستلزمات المطلوب إدخالها.

كما تمنى المصدر ملاحقة المستورد بعد إدخال الأجهزة بطلب البيان الجمركي للتأكد من أن البضاعة المستوردة قد دخلت بشكل قانوني إلى السوق السورية، وتحميل جزء بسيط من الغرامات لكل من يقوم بشراء أو التعاقد مع أجهزة مهربة.

وأهم ما في الأمر بحسب المصدر إيجاد آلية للتأكد من قيم المستلزمات المدخلة إن كانت طبية أو غيرها، للحد من التزوير بالرجوع إلى القيم التقديرية للأجهزة في وزارة الصحة، وعلى إدارة الجمارك ووزارة المالية تحديث جدول الأسعار الاسترشادية الذي أكل الزمان عليه وشرب.

اقتراحات
ويقترح المصدر الطبي تشكيل لجان مشتركة بالسرعة الكلية من وزارة الصحة والجهات المختصة للكشف على آخر الأجهزة التي دخلت إلى سوريا، تلك المفضوحة في تزويرها، وتقدير القيم الحقيقة للأجهزة، وتغريم التجار بقيمة المبالغ المختلسة من خزينة الدولة نتيجة الغش مع ضرائبها لردع التجار في المرات القادمة من اختلاس ضرائب الخزينة.

كما اقترح تشكيل لجان لمراجعة الفواتير وجميع الأضابير في مديرية المستلزمات والتحقق من صحتها لباقي الشركات، وتقييم الأضرار الناتجة من خسائر للخزينة، وتغريم الشركات المشاركة في التزوير والتهرب ومعاقبتها، وإصدار قوانين رادعة.

وأضاف المصدر أن الكارثة الأكبر في مجال تهريب الأجهزة الطبية هو تهريب الأجهزة المستعملة الممنوع إدخالها إلى سوريا وفق قرارات وزارة الصحة، وخاصةً أجهزة التخدير والتنفس وأجهزة غسيل الكلية وأجهزة الأشعة والطبقي بمختلف أنواعها والتي حولت المشافي الخاصة والمراكز إلى مستودعات خلفية لكل الأجهزة التي انتهى عمرها التشغيلي في دول الجوار والدول الأوربية والتي تعتبر السوق الأكبر للمهربين في القطاع الطبي السوري.

اعتراف
يعترف كل من مر على رأس وزارات المالية أو الاقتصاد في سورية بالثغرة التي يتم عبرها التهرب الضريبي وهدر المال العام، حيث صرح وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية سامر خليل أن أكبر 4 مستوردين للأقمشة في سورية ليس لديهم سجلات تجارية بأسمائهم، فيما أعلن وزير المالية عام 2003 أن حجم التهرب في سورية يبلغ 200 مليار ليرة  (4 مليارات دولار) بسعر الصرف حينها، تخسرها الخزينة، ويمثل هذا الرقم حوالي نصف الموازنة العامة التي تبلغ (8.4 مليارات دولار).

وفي العام 2016 قدرت وزارة المالية قيمة التهرب الضريبي بـ 1700 مليار ليرة أي ما يعادل (3.61 مليارات دولار) بحسب سعر الصرف حينها، مشيرةً إلى أنها السبب الأهم في تراجع موارد الخزينة العامة، بعد تراجع النفط الذي كان يساهم بنحو 24% من الناتج الإجمالي و25% من عائدات الموازنة.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 9