"نيويورك تايمز": ما هي حكاية الفساد التي ولَّدت انفجاراً مأساوياً في مرفأ بيروت؟

ترجمة : عبير علي حطيط

2020.09.10 - 01:24
Facebook Share
طباعة

 
كشف تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" عن شبكة الفساد التي أدت إلى انفجار مرفأ بيروت في الشهر الماضي، فما يقارب 15 طنًا من الألعاب النارية وعبوات من الكاز والأحماض، وأطنان من نترات الأمونيوم تم تخزينها وسط نظام من الفساد والرشى.
وجاء فيه أن الضابط الأمني الجديد للمرفأ وجد بالمصادفة بابًا مكسورًا وثغرة في مستودع، وعندما نظر من خلاله اكتشف أمرًا مروعًا. آلاف من أطنان نترات الأمونيوم تسربت من أكياسها. وفي نفس المستودع أو العنبر هناك أباريق من الكاز وكلها مواد كافية لتصنيع قنبلة تدمر المدينة. ويعيش في محيط المستودع حوالي 100000 شخص بدون توفر أنظمة سلامة فيها. وقام الضابط جوزيف نداف من جهاز أمن الدولة بإخبار المسؤولين عنه، وحذرهم من المخاطر والتهديد الأمني. وما لم يعرفه الضابط أن الكثير من المسؤولين الأمنيين كانوا يعرفون بالأمر.
وفي التحقيق الذي أجرته الصحيفة في المرفأ ومع مسؤولي الأمن والجمارك ووكلاء الشحن البحري والعاملين في مجال الملاحة البحرية، كُشف عن نظام فاسد وعاجز فشل في الرد على التهديد، في وقتٍ واصل فيه إثراء النخبة السياسية عبر الرشوة والتهريب. 
وتشير وثائق لم يكشف عنها في السابق إلى الكيفية التي حاولت فيها مؤسسات الدولة حرف المسؤولية عن نفسها ورميها على المؤسسات الأخرى، بينما لم تعمل على نزع فتيل الوضع.
وحصلت الصحيفة على صور من داخل العنبر تكشف عن الطريقة العشوائية والكارثية في النهاية للتعامل مع المواد المتفجرة. ويظهر تحليل لشريط فيديو الكيفية التي تعاونت فيها مواد قابلة للاشتعال على إنتاج أكبر انفجار في تاريخ لبنان. فمنذ وصول 2750 طنًا من نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت قبل 6 أعوام صار مصيرها موزعاً بين مؤسسات الحكومة وسلطات الجمارك و3 وزارات وقائد الجيش اللبناني، إلى جانب قاضيين كبيرين، وقبل أسبوع من الانفجار وصل الملف إلى رئيس الوزراء والرئيس.
وفي هذه الشبكة من المسؤولين والعارفين بالمواد المخزنة لم يتحرك أي طرف لتأمين المواد الكيماوية، والتي كانت ضعف ألف مرة من المواد التي استخدمت لتفجير مبنى الحكومة الفيدرالية في مدينة أوكلاهوما عام 1995. وكانت الكارثة التي تنتظر الحدوث نتاجًا للإهمال وسياسة البيروقراطية في حرف المسؤولية، وعجز حكومي، وتخلي عن السلامة العامة من أجل مواصلة الرشوة والكسب غير المشروع. ولم يكن النظام أوضح منه في المرفأ  الذي كان بمثابة الجائزة التي وُزعت على إقطاعيات متداخلة تعود للأحزاب اللبنانية. وتعاملت معه كمصدر للربح الشخصي، والعقود، وتوفير الوظائف للموالين، ومكان لتبييض البضائع غير المشروعة. وظهرت مخاطر النظام عندما انبعث دخان رمادي من العنبر رقم 12. وتبعه ضوء لامع ناجم عن وصول النار إلى الألعاب النارية. ويقول الخبراء إن نترات الأمونيوم لا تشتعل بنفسها دونما محفز. ولكن اشتعال الألعاب النارية كان محفزًا على انفجار نترات الأمونيوم الذي أدى تفجيرها إلى هز البنايات البعيدة عن المستودع أميالًا، وانهارت معه البنايات التاريخية وحول ناطحات السحاب إلى إطارات فارغة، و تناثرت في الشوارع الشظايا وقتل أكثر من 190 شخصًا وجرح 6000 آخرون. ويحتاج إصلاح الضرر مليارات الدولارات. وقبل الانفجار كان عجز الحكومة قد وضع لبنان على حافة الانهيار ببنية تحتية متدنية وتظاهرات معادية للحكومة لم تتوقف منذ تشرين الأول/أكتوبر. لكن التفجير غطى على كل هذه المشاكل، وأثار القلق حول عدم كفاءة النظام بطريقة مخيفة وحية. وكان المرفأ رمزًا لكل العلل التي يقول المتظاهرون إن الحكومة تعاني منها، ولفساد استشرى في كل ملمح من ملامح عملها.
ووجدت الصحيفة أن العمليات اليومية لنقل البضائع من المرفأ تحتاج في كل مرحلة إلى رشى لمفتش الجمارك الذي يسمح للمستوردين تجنب دفع الضريبة، وإلى الأمن أو الجيش حتى لا يقوم بتفتيش الشحنة، ومن ثم إلى المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية للتسامح مع مزاعم زائفة، مثل منح طفل عمره 3 أشهر إعفاءً ضريبيًا بسبب الإعاقة لاستيراد سيارة فاخرة.
وتعزز الفساد من خلال العجز الوظيفي. فالكاشف الضوئي للمرفأ لا يعمل منذ سنين، ما ساعد النظام المثقل بالرشوة على تجنب التفتيش اليدوي للشحنات.
وبعد ساعات من الانفجار اجتمع الرئيس ورئيس الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية في القصر الرئاسي لتقييم ما حدث. ولكن اللقاء تحول سريعًا إلى تبادل اتهامات، حسب شخص حضر اللقاء. وهناك الكثير من اللوم على الجميع، خاصةً أن أيًا من الأحزاب والأجهزة الأمنية التي لها مصلحة في المرفأ لم تقم باتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايته. وقال القاضي غسان عويدات، النائب العام التمييزي: "هناك فشل في الإدارة منذ ولادة لبنان حتى اليوم" و"فشلنا في إدارة البلاد والوطن".
وتشير الصحيفة إلى وصول السفينة المحملة بنترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ولم يكن المرفأ وجهتها بل كانت في طريقها إلى موزمبيق التي طلبت شركة فيها الشحنة ولكنها لم تدفع ثمنها. وأمرها صاحبها الروسي المقيم في قبرص الذهاب إلى بيروت لتحميل معدات ثقيلة ونقلها إلى الأردن. إلا أن دعوى من شركتين على السفينة بسبب عدم دفعها أتعابًا لهما أدى إلى احتجازها بالمرفأ.
وتخلى رجل الأعمال الروسي عن السفينة وطاقمها وتركهم تحت رحمة السلطات اللبنانية. ولا يعرف من طلب نترات الأمونيوم وإن كان الغرض إيصالها إلى موزمبيق أم بيروت. وظلت السفينة التي كانت تعاني من عطب أدى إلى تسرب المياه في المرفأ، حيث ظهرت بعد أشهر سلسلة من التحذيرات الموثقة والتي حذرت من خطورة ما تحمله وتهديده للسلامة العامة. وبعد ذلك دعت شركة محاماة تبنت ملف السماح للطاقم الروسي والأوكراني العودة إلى بلادهم من إدارة المرفأ لنقل المواد الكيماوية وتجنب كارثة بحرية. وأرفقت شركة المحاماة رسائل الكترونية إلى مستأجري السفينة، وحذرت من أنها "تحمل شحنة خطيرة جدًا" و15 صفحة معلومات انتزعت من ويكيبيديا تشرح فيها كوارث وخوفاً من غرق السفينة. نُقلت الشحنة في تشرين الأول/أكتوبر 2014 إلى عنبر 12 المخصص للمواد الخطرة. وتم وضع أكياس النترات إلى جانب الكاز والألعاب النارية. وكما يقول نيك غولماك من جامعة إلينويز: "عندما وضعت كل المواد في صندوق واحد فإنك تلعب لعبة خطيرة" و"هناك حادث ينتظر الوقوع".
وقالت الصحيفة إن مرفأ بيروت كان للأحزاب اللبنانية بمثابة مغارة علي بابا. وبعد انفجار 4 آب/أغسطس بدأت الحكومة تحقيقًا واعتقلت 25 شخصًا لهم علاقة بالمرفأ. ولا يتوقع أن يغير التحقيق الثقافة وسوء الإدارة الصارخ التي قادت للانفجار. ويعتبر المرفأ البوابة التي تصل إليها ثلاثة أرباع الواردات اللبنانية. وتقدر التجارة المتداولة فيه سنويًا بحوالي 15 مليار دولار. وكان مركزًا للأحزاب والجماعات اللبنانية لكي تتنفع منه وتزيد من مكتسباتها. وتعكس عمليات المرفأ الوضع الطائفي في لبنان، حيث يتم توزيع الوظائف بحسب الطائفة. وكان الهدف من النظام إنهاء الحرب الأهلية لكنه خلف بلدًا مهشمًا ومنقسمًا. وقال آلان بيفاني الذي استقال من منصبه كمدير عام لوزارة المالية: "عندما انتهت الحرب، اعتقدوا أن دمج الأحزاب في الدولة يحتاج لعدة سنوات" و"بدلًا من ذلك بدأ قادة الأحزاب بإدارة الوزارات، وكان على موظفي الخدمة المدنية الاندماج. وشيئًا فشيئًا أصبحوا عناصر مجموعات حزبية وبنوا امبراطوريات صغيرة أدارت الحكومة". وبعد الحرب عينت الحكومة لجنة مؤقتة من 6 أشخاص لهم ارتباط بالأحزاب السياسية لإدارة المرفأ لحين تعيين لجنة دائمة. ولم يحدث وأصبحت اللجنة المؤقتة دائمة، ولم يتغير أفرادها منذ عقود. وقامت الأحزاب بتعيين الموالين لها في المرفأ، حيث دعموا رواتبهم بالأموال غير المشروعة ونقلوا البضائع إلى رعاتهم. وبحسب موظفي المرفأ والجمارك وشركات الشحن البحري فلا شيء يتحرك بدون رشوة تدفع. وتتحرك البضائع بدون رقابة، والتهرب من القانون هو القاعدة لا الاستثناء. وبالإضافة لهذه النشاطات التي تحرم الحكومة من الموارد المالية، تحول المرفأ إلى بوابة نقل المواد الممنوعة في الشرق الأوسط وسمح بمرور المخدرات والأسلحة بدون عرقلة. ويستخدم الأمن وحرس الميناء الذين عينوا للحفاظ على أمنه وسيلة لاستغلاله ويقبلون ما يقولون إنها "هدايا" لكي يسمحوا بمرور الشحنات بدون فحص. ومع أن المرفأ يستقبل 1.2 مليون حاوية في العام، إلا أن الماسح الضوئي متعطل منذ سنوات، مما يعني قيام مسؤولي الجمارك بفحص الحاويات بطريقة يدوية، لو كانوا يفحصونها أصلًا. ويحصلون بشكل روتيني على رشى للتوقيع على بضائع غير مسجلة. وقال وزير الاقتصاد اللبناني السابق رائد خوري: "يقوم بعض التجار بشراء مواد معينة بناء على فواتير مزورة". و"لو كانت كلفتها مليون دولار يشترونها بنصف مليون لدفع ضرائب أقل". وقالت شركة تخليص جمركي إنها تدفع 200000 دولار سنويًا كرشى لكي تحرك البضائع من المرفأ. ويستفيد الذين يرتبطون بالأحزاب السياسية من الإعفاءات المقدمة لذوي الإعاقة ويقومون باستيراد بضائع معفاة من الضريبة. وبحسب موظف في الجمارك يحضر سياسيون ومعهم ملاحظات كتبها أطباء تؤكد إعاقة قريب له أو فقدانه السمع لتجنب دفع ما يقرب من 150000 دولار ضريبة على مرسيدس أو فيراري. وفي العام الماضي قال مسؤول إن وزارة الشؤون الاجتماعية منحت إعفاءً لطفل عمره 3 أشهر مصاب بمتلازمة داون لكي يشتري سيارة فاخرة بدون ضريبة. وكل الأحزاب لديها وكيل في المرفأ، مع أن نفوذ كل منها يتراوح من شخص لآخر. وتعمل بعض الأحزاب اللبنانية معًا في المرفأ ولديها نفوذ كبير، حسب شركات الشحن ورجال الأعمال الذين يستخدمون المرفأ. وكذا فإن مجموعة أخرى من الأحزاب حصص في المرفأ.
واستغلت الأحزاب الإعفاءات الضريبية. وتدخل كل عام عشرات الآلاف من الحاويات التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودار الإفتاء بدون ضرائب. وهي محملة بالقمصان والالكترونيات والبلاط وحتى السيارات، والتي يقول المسؤولون إنها تُباع للربح. وتستغل الأحزاب المسيحية والدرزية الإعفاءات، وإن على قاعدة أقل.
وبحسب مسؤولين أمريكيين وفي الجمارك اللبنانية، يتمتع حزب الله بقدرة لنقل البضائع بدون أي عراقيل نظرًا إلى شبكته من الموالين العاملين في المرفأ. ويقول المسؤولون الأمريكيون إنه لا يعتمد في الغالب على تهريب الأسلحة من الميناء ويفضل المطار الذي يسيطر عليه والحدود الطويلة مع سوريا. ولكن التجار المرتبطين بالحزب يستخدمونه لنقل البضائع المعفاة من الضريبة. ونفى قادة حزب الله الشهر الماضي أي وجود للحزب في المرفأ. ويكلف الفساد والتهرب الضريبي في المرفأ الحكومة ما يقترب من 1.5 مليار دولار في السنة. قال مراقب مالي: "الجميع مستفيد" ولا أحد يشتكي طالما استمر تدفق المال و"يذهبون لبيوتهم سعداء، جيوبهم محشوة بالمال". ومع تعيين مدير جمارك جديد، بدري ظاهر، عام 2017، فقد ناشد وزارة المالية توفير المال لشراء ماسح ضوئي وشراء عربات إضافية لحراسة المرفأ، ولم يتم الاستجابة لمطالبه. إلا أن وزير المالية في حينه، علي حسن خليل، قال في مكالمة هاتفية: "الرفض جاء من الوزارات وليس نحن". وفي النهاية كان على الحكومة والجيش التحرك لنقل المواد المتفجرة عندما علموا بها كما يقول القاضي عويدات. وعندما طلبت سلطة المرفأ عام 2016 من الجيش أخذ المواد رد جان قهوجي، قائد الجيش، أنهم ليسوا بحاجة إليها واقترح بيعها لمصنع أو إعادتها من حيث أتت. وتوجهت سلطات المرفأ 6 مرات للقضاء على مدى السنوات الثلاث الماضية لنقل المواد وحماية المرفأ والعاملين فيه، إلا أن الرسائل ذهبت للمكتب الخطأ ولم يصدر القضاة أي أوامر. وغرقت السفينة روسوس في عام 2018 وظلت المواد التي حملتها في عنبر 12. وظلت موجودة حين شارك الأطفال والنساء في ماراثون بيروت العام الماضي، وكذا عندما رست بارجة أمريكية في أيلول/سبتمبر لإجراء مناورة مع البحرية اللبنانية. ولم يكن هناك نقص في المؤسسات الأمنية التي حذرت من خطورة المواد. وفي عام 2019 افتتح جهاز أمن الدولة مكتبًا له، وهو الذي كشف عن الثغرة في العنبر. وكان الخوف ليس من انفجار المواد، ولكن سرقة جماعات إرهابية لها.
 
 
المصدر : https://www.nytimes.com/interactive/2020/09/09/world/middleeast/beirut-explosion.html
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7