الموساد - الحلقة الثانية: العمليات الفاشلة

اعداد خضر عواركة

2020.08.29 - 10:45
Facebook Share
طباعة

 
 
 
عمليَّــــات الموســــــاد الفاشلــــــة
كما ذكرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة عن جهاز الموساد الإسرائيلي، فان أجهزة المخابرات الإسرائيلية تملك كل الأسباب الموضوعية لتنجح في أي مهمة تقوم بها.
فهي تحارب دولا وشعوب تحتاج لإرسال جواسيس إليهم، وفي فلسطين المحتلة بين المستوطنين ملايين من أصول عربية يبدون كعرب ويتقنون لهجات أهاليهم ولسوريا يمكنهم إرسال المولودين من سوريين ولمصريين يمكنهم إرسال المولودين من مصريين وهكذا حتى إلى السودان يمكنهم إرسال الأثيوبيين الفالاشا الذين يعيشون في فلسطين.
من الأسباب الموضوعية التي تضمن نجاح الموساد وتفوقه، انه أعظم دول العالم استخبارا تقدم له المال والمعلومات والقدرات التقنية. فكل ما في الولايات المتحدة من شركات تصنع تقنيات التنصت والسلاح والمعلومات والاستخبارات تقدم نتاجها مجانا لإسرائيل. ومع ذلك لإسرائيل عشرات آلاف الجواسيس داخل نظام المؤسسة الأمنية والعسكرية والعلمية الأميركية حرصا على تأمين مصادر مستقلة لإسرائيل في أميركا رغم كل الكرم الأميركي المبالغ فيه في تقديم كل ما يحتاجه الأمن الإسرائيلي مجانا.
فضلا عن الولايات المتحدة فان كلا من الأوروبيين والروس والصينيين حريصين منذ أعوام التسعينيات على امن إسرائيل وعلى التعاون مع أجهزتها الاستخبارية.
وفوق كل ما سبق فان الموساد لا يحتاج لتزوير الهويات ولا لجوازات سفر ملفقة، فالملايين من مواطني دولة الاحتلال يحملون جنسيات بلاد أخرى لذا يدخلون أي بلد عربي معاد لهم ان بقيت بلاد تعاديهم بكل سهولة بصفة مواطنين من بلاد أوروبية أو أميركية أو استرالية أو حتى من الأردن والإمارات والسعودية التي تتعاون مع الموساد امنيا منذ مؤتمر شرم الشيخ في العام 1993 على اقل تقدير وهي تقدم معلومات للموساد تمس حتى امن السلطة الفلسطينية وامن المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي غزة.
ومعظم ملفات المحاكمات اللبنانية ضد عملاء وخونة يتعاملون مع الموساد تحوي اعترافات هؤلاء بأنهم كانوا يلتقون ضباط الموساد في تركيا خاصة وفي دول عديدة يملك الموساد محطات في مطاراتها, فتركيا التي تعادي إسرائيل علنا بالشكل الإعلامي منذ وصل اردوغان إلى السلطة لا تزال حتى اليوم تتيح لإسرائيل إخراج عملاءها من تركيا إلى إسرائيل دون ختم جوازات سفر. ثم حين يعودون يدخلهم الموساد تركيا ودون ختم دخول إلى أراضي تركيا. وقد اعترف الكثير من العملاء المعتقلين في لبنان أنهم دخلوا تركيا دون أن يختم جواز سفرهم وسافروا إلى إسرائيل دون ختم خروج من تركيا وعادوا إلى تركيا مجددا من إسرائيل ثم إلى لبنان ولم يظهر  أبدا أن تركوا تركيا.
 
ومن نقاط قوة الموساد أن هناك مؤسسة عالمية هي الوكالة الصهيونية التي تضم ملايين الأعضاء والممولة من كبار أثرياء العالم وما لهم من نفوذ كله مسخر لصالح إسرائيل وأجهزتها. كما أن الجاليات الصهيونية حول العالم منظمة على طريقة استخباراتية تتيح تدفق المعلومات من متطوعين حول العالم يبلغون مئات الآلاف، ممن يعيشون حياتهم بشكل طبيعي في بلدانهم لكن أي معلومة مفيدة يقدمونها لإسرائيل وأي تعاون يحتاجه الموساد يلقاه عندهم.
ومع كل ما سبق من شروط موضوعية إلا أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فاشلة عمليا وناجحة جدا في التسويق لنفسها عبر علاقاتها في هوليوود وفي شبكات التدفق الرقمي المتلفز الجديدة مثل نتفليكس التي يملكها صهاينة.
كثرة الترويج تظهر حاجة الموساد لإثبات انه ليس فاشلا، لكن فشله قياسا بقدرات متاحة له هو أمر أكثر من أكيد.
فما هي ابرز المحطات الفاشلة في مسيرة الموساد؟؟
بعجالة يمكن القول أن الفشل الأبرز هو في عدم توقعه ما هو آت في غزو لبنان العام 1982، فقد توقعت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في دراساتها العلمية لمستقبل العلاقة مع لبنان أن القضاء على المقاومة الفلسطينية وطردها من لبنان يعني سقوط هذا البلد رهينة للاستعمار والاستيطان الإسرائيلي. 
لكن ما واجهته إسرائيل في احتلالها للبنان كان أمرا لم يتوقعه أي امني إسرائيلي ولا أي جهاز استخبارات.
فقد انطلقت مقاومة عنيفة طردت إسرائيل من بيروت، بعد أشهر فقط من احتلالها، ثم طردت المقاومة اللبنانية الاحتلال من معظم الأراضي المحتلة بقوة السلاح في العام 1985، وبقي الشريط الحدودي محتلا لكن إسرائيل طردت منه بالقوة رغم اعتمادها على بيئة موالية جزئيا لها وعلى قلة السكان المعارضين لوجودها ورغم أن جنودها قلة في الشريط ودعمها للعملاء هو شكل الاحتلال الذي اختارته.
 
الفشل المدوي الثاني والأكبر في تاريخ إسرائيل هو يوم أعلنت حكومتها أن قواتها الجوية قضت على القوة الصاروخية للمقاومة اللبنانية في الأيام الأولى للحرب في العام 2006، ثم بقيت الصواريخ تضرب الداخل الإسرائيلي وصولا إلى ضواحي تل أبيب حتى آخر يوم من الحرب ليتبين أن كل المعلومات التي قدمتها أجهزة الأمن إلى الجيش كانت مضللة.
وفي الوقت الذي تطبل الدعاية الصهيونية القوية عالميا للموساد وتزعم انه الجهاز العاشرة بالترتيب العالمي للقوة الاستخباراتية إلى أن أجهزة امن المقاومة اللبنانية سحبت ضابطا كبيرا في الاحتياط من قلب إسرائيل إلى مطار بيروت بخياره واختياره ليقع الحنان نتنباوم أسيرا في لبنان.
ومن المهمات الفاشلة للأجهزة الإسرائيلية منع المقاومة في فلسطين من الحصول على الصواريخ، وقد فشلت في ذلك، ومنعها من تطوير صواريخها وفشلت في ذلك وصارت المقاومة في غزة قادرة على قصف تل أبيب. 
حصل كل ذلك في الوقت الذي كانت فيه هوليوود ونتفليكس وديزني وامازون يروجون للأفلام الإسرائيلية التي تتحدث عن بطولات الموساد. 
ومما يسجله المختصون من عمليات الموساد الفاشلة هو استطاعة شخص ملاحق من كل أجهزة العالم الإفلات من الإسرائيليين وحلفائهم لخمسة وعشرين عاما ليسقط في دمشق بالصدفة لا بقوة الموساد حيث وصلت استخبارات دولة عربية إلى أن المسؤول عن تسليح حركات المقاومة الفلسطينية هو عماد مغنية، وانه يلتقي شخصيا بزعماء التنظيمات الفلسطينية في دمشق وكان من بينهم من له مساعد عميل لتلك الدولة. فشل الموساد في الوصول إلى مغنية لربع قرن، ونجحت دولة عربية في ذلك بالصدفة.
و من أبرز العمليَّات الفاشلة للموساد الإسرائيلي, العملية الفاشلة لاغتيال القيادي "خالد مشعل" القائد السابق في حركة   "حماس".
 
فوفقًا لرواية الكاتب الإسرائيلي  "ميخائيل زوهار"، أصدر نتنياهو أوامره بوجوب إجراء العملَّية بهدوءٍ مُضيفًا: 
وصل اثنين من عناصر الموساد إلى عمان أغسطس عام 1997م  لتنفيذ العملية عبر رذاذ سام.
وما لبث أن انتهت العمليَّة بالقبض على المنفذين رغم أن الأردن " بيئة مناسبة للعمل الأمني الإسرائيلي فأجهزته لا تعادي إسرائيل بل تتعاون معها كجزء منها".
العمليَّة الفاشلة وصفها الصحافي الإسرائيلي "ألون بن دافيدو" بالحماقة.
 
وفي تاريخ الموساد الكثير من العمليات الفاشلة من بينها فشل الموساد في عمليَّة "منتجع ليليهامر" عام 1973 حيث قتل الموساد شابا مغربيا في المنتجع الاسكندينافي وفي ظنهم انه المسؤول عن جهاز امن حركة فتح أبو حسن سلامة فاعتقل المنفذين واعترفوا.
كما أن شخصا يدعى يهودا جيل خدع الموساد وبقي لسنوات يكتب تقاريرا من مصادر وهمية ويزعم للموساد بأنه يملك مصادر عليا في سورية وهو ما ضلل القيادة الإسرائيلية لأكثر من عقد.
 
 صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيليَّة نشرت سلسلة مقالات عن العمليات الفاشلة للموساد ذكرت فيها فشل الجهاز الإسرائيلي  بوضع أجهزة تنصُّت استهدفت شقة مواطن لبناني "عبد الله الزين" وزوجته الأوروبيَّة, بالطابق الثالث من مبنى بمدينة "بيرن" السويسريَّة العام 1998م, حيث أخفق فريق العملاء في تنفيذ المهمَّة التجسسُّية, وأوقفت السلطات السويسريَّة, العملاء, وسَجنت في 19 شباط 1998م أحدهم الذي ضبط متلبساً.
ومن العمليات الفاشلة اكتشاف العملاء, ومنها قضيَّة الجاسوس الإسرائيلي "إيلان جرابيل", حيث ذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت" و"جيروزاليم بوست" أن إيلان كان مكلفا من تل أبيب وجهاز المخابرات الإسرائيليَّة بمهام عسكريَّة دقيقة ومعقدة, على رأسها تأليب الثوار على الأمن, وقلب الرأي العام المصري على الثورة، وهو ما أدى إلى اعتقاله بتهمة التجسس على مصر، ونقل المعلومات عن أجواء البلاد بعد الثورة وإحداث الفتنة الطائفيَّة الذي كان يحمل الجنسيَّة الأمريكية، دخل إلى القاهرة في أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير وانتشار الفوضى العارمة والانفلات الأمني.
ومن القضايا والمهام الفاشلة التي كشفت عنها الصحف الإسرائيليَّة قضيَّة "عزام عزام", وذكرت تفاصيلها صحيفة "يسرائيل هايوم", حيث تورَّط فيها كل من "عماد عبد الحميد"، وإسرائيلي درزي يدعى "عزام متعب عزام"، وهي القضيَّة التي حظيت باهتمام إعلامي كبير، وتعود وقائعها عندما أرسل عماد إلى إسرائيل ضمن فريق من أجل التدرب على صناعة الملابس بإسرائيل، وهناك قابل عزام عزام الذي اكتشف بسرعة ضعف الأول أمام النساء، فكانت "زهرة جريس" هي مدخل عماد للتجنيد بالموساد، وعاد الثلاثي إلى مصر "عماد - عزام – زهرة"، ولكن السلطات المصريَّة فضحت أمرهم، وقضي بالسجن المؤبد على الجاسوس المصري عماد عبد الحميد, و15 عاماً لعزام عزَّام الذي قضى منها 8 سنوات قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة تبادل, مقابل 6 شباب مصريين ضلّوا طريقهم بالخطأ داخل الصحراء, وهذا ما تحدثت عنه وأكَّدته صحيفة "يديعوت أحرونوت".
 
ومن عمليات الموساد الفاشلة فشله في  اغتيال سعيد السبع في طرابلس لبنان في بداية السبعينيات، وفشله في اغتيال جورج حبش وخطفهم طائرة مدنية وإنزالها عنوة في تل أبيب ليتبين ان المسؤول الفسلطيني الراحل ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم يكن من ضمن الركاب كما أفاد الموساد.
والى كل ما سبق يمكن القول أن الموساد جهاز عصابات تخريبية ناجح في القتل والغدر والإرهاب، لكنها عمليات سهلة وتنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش نفذت عمليات اخطر واعقد من تلك التي نفذها الموساد طوال تاريخه. لكن الموساد فاشل في فهم أعدائه الحقيقيين أي شعوب العالم العربي، وحركات المقاومة فيه.  وفاشل في  توقع أو رصد تطورات إستراتيجية هددت الوجود الحسي لدولة الاحتلال ومنها مسألة المقاومة اللبنانية وتحرير غزة وتطوير قواها الذاتية العسكرية وكذا توقع الإسرائيليين سقوط النظام السوري وضعفا استراتيجيا لإيران وفشل الموساد الأكبر هو في اليمن والعراق حيث توقع شيئا وحصل العكس تماما حيث غرق حلفاء الموساد في الدولتين وصعدت قوى معادية له لم يتوقع الموساد ولا كل أجهزة إسرائيل الأمنية صعودها.
إنها الدعاية الهوليودية يا عزيزي..
 
يتبع...
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5