"زوار الفجر" .. و"نعمة" الأمن والأمان!

كتب علي حسون

2020.08.18 - 04:47
Facebook Share
طباعة

 "طراق ..طراق .. طراق".. عند الضربة الثالثة قفز عن سريره كالملسوع رغم أنه كان ينتظر هذه اللحظة. فتح الباب بعينين نصف مغمضتين، سرعان ما انفتحتا على مصراعيهما عندما رأى رجلاً في منتصف العقد الثالث مصوباً مسدسه نحوه. ارتعد وتراجع لا إرادياً إلى الوراء، نظر إلى خارج الباب، كان الظلام مازال مخيماً ، قدّر أن الساعة تقارب الرابعة فجراً.

عندما استوعب ما يحصل، استطاع أن يرى رجلاً آخر أكبر سناً وحجماً بشاربين كثّين وكرش "عرمرم" يقف خلف زميله ويحمل بندقية "روسيّة" .

دخلا بلا استئذان بعد أن دفعه الثلاثيني جانباً: "أنت مازن؟" سأله بلهجة حازمة، ليجيبه: لا .
نظر في الركن الذي يتوضع فيه السرير الوحيد، وقعت عيناه على الأخ الأصغر وقد تكوّر في زاوية السرير مصدوماً، فوجّه نفس السؤال له: أنت مازن؟ .

"اعطوني هوياتكم"، تفحّص البطاقتين الشخصيتين ثم سأل: وينو مازن؟ "في دمشق"، أجابه بسرعة بعد أن تدرّب طيلة أيام على هذا الجواب، سافر منذ يومين.

سأل بعدها عن غرفة مازن، أين ينام؟ ليتجه نحو الغرفة المجاورة، ابتكر الشقيق الأكبر إجابةً سريعة: لا يوجد غرفة خاصة بمازن.
كان الرجلان قد دلفا إلى الغرفة، أضاءا النور، جالا بنظريهما في أرجاء الغرفة، الرجل "أبو الكرش العرمرم" توجه نحو السرير، سحب الأغطية ورماها على الأرض ثم رفع فرشة القطن الثقيلة بصعوبة، نظر تحتها ثم انحنى بصعوبة أيضاً لينظر إلى ما تحت السرير معلناً "لا يوجد أحد".

في هذه الأثناء كان الآخر قد عثر على ما اعتقد أنها ضالته المنشودة، ارتسمت علامات الرضى على وجهه: "هَي مكتبة مازن .. أيوااا". بدأ بقراءة عناوين الكتب المصطفة على الرف الأعلى بصوتٍ مسموع، ليرمي بعصبية كل واحد منها على الأرض: رأس المال.. المادية الديالكتيكية والمادية الجدلية؟.. مبادئ الشيوعية؟؟.. أصول الشمولية؟؟؟.

انتقل إلى الرف الأوسط: الدون الهادئ، كيف سقينا الفولاذ، الحرب والسلام..أممم" توقف عن القراءة ليلتقط عن الرف الأسفل دفتر خدمة العلم و"بطاقة الشرف" – كانت تُمنح لأبناء الشهداء وتخولهم الاستفادة من الخدمات الصحية، وحسماً بنصف القيمة في وسائط النقل الحكومية- قال مستهجناً: "بطاقة شرف كمان.. ما بدو ليكون عندو شرف ..والله مدللتكن هالدولة" ليجيبه الشقيق الأصغر "منتهية صلاحيتها"، رمقه بنظرة ازدراء ثم دسّها مع دفتر خدمة العلم في جيبه، استعرض بعدها مجموعة من الكتيبات الصغيرة ذات الأغلفة الحمراء، التفت إلى زميله: ليك على هالكتب اللي بيقرأها يا ما شالله، قاطعه الأخ الأكبر : لكنها موجودة في البسطات وعلى الأرصفة، "اخرااس بلا علاك" !.

في هذه اللحظة أنيرت أضواء البيت بالكامل، "صباح الخير" قالتها أم مازن التي استيقظت على الأصوات "خير .. شو بدكن"، لم يجب الزائران على سلامها، سألها الثلاثيني قبل أن تكمل: وينو مازن، فأجابته : بالشام .. شو بدكن منو؟ ما بدنا شي .. بس بدنا نسألو كم سؤال، خليه يمر يشرب فنجان قهوة بس يرجع، أو مضطرين نرجع بهاليومين، سألته بدورها "متل القهوة اللي عميشربها عمو من سبع سنين لهلق؟" .

عندما غادرا المنزل، كان الظلام قد انقشع في الخارج، كان ثمة رجلان آخران بكامل عتادهما يطوّقان المنزل، وعلى جهة الشمال من البيت كانت سيارة الـ"ستيشن" البيضاء وفي داخلها رجل خامس. وعلى بعد أمتار؛ امرأة ستينية تحثّ الخطى مسرعةً باتجاه السيارة متوعدةً: شو بدكن من هالعيلة، حلّوا عنها، ما ضل عندكن شغل غير مازن .. خلوه يكمل جامعتو ؟ ..

كان صوت أم عدنان يتعالى، ويجتذب المزيد من الجارات اللواتي انضممن إليها للتنديد بهذه الزيارة.
أمر الثلاثيني بقية المرافقين بصوت غاضب: يالله اطلعوا ع السيارة متوعداً : راجعين إذا ما نزل لعنا بهاليومين.

كان ذلك في أواخر الثمانينات، حيث قرر مازن، عقب جلسات نقاش مطولة مع الأهل والأقرباء، تلبية دعوة "زوار الفجر" ومبرر الجميع "إنو واثقين ما عليه أي شي".

رغم ذلك احتفى فيه المضيّفون تسع سنوات بطولها وعرضها وأهوالها.

في هذه الأيام، تطرق كثيراً على ذاكرته تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم، وأيضاً ما تلاه من آلام وانتظار، يرتعد، ثم يحاول أن يقنع نفسه بالمقولة التي تتردد طيلة السنوات التسع الماضية وحتى الآن "يا ضيعان الأمن والأمان اللي كنا عايشينو"..!

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 8