أزمة المياه تهدّد سورية ومصر: الأنهار الدولية ورقة ضغط و"السياسات" الداخلية مصابة بالقصور

إعداد : حبيب شحادة وأحمد عبد الحميد

2020.08.10 - 05:28
Facebook Share
طباعة

 "الماء لا يمكن صناعته"، تلك مسلمة ثابتة، والمسلمة الأخرى هي الأهمية الحيوية للمياه في قطاعات الحياة المختلفة، كالصناعة والزراعة والتجارة وتوليد الطاقة، كما باقي مناحي الاقتصاد، وفوق كل ذلك أهميته لوجود الإنسان.

مقابل هاتين المسلمتين، ثمة تأكيدات لخبراء وباحثين ترقى إلى مستوى "المسلّمات"، بأن حروب المستقبل سيكون سببها الرئيسي، التنازع على المياه، ويبدو أننا وصلنا إلى هذا "المستقبل" بأسرع مما تنبأ به هؤلاء الخبراء، وما الأزمة المعقدة التي تواجهها كل من مصر والسودان مع إثيوبيا، إلا مقدمة لما يمكن أن يتحول إلى "حرب مياه" في حال لم تنته هذه الأزمة إلى حلٍ يرضي كل الأطراف.

في الجزء الأعلى من الخريطة العربية، لا تبدو سوريا والعراق بعيدتان عن هذا المآل، فقطع تركيا لمياه الفرات أو تقييد تدفقه بين الحين والآخر "لأسباب سياسية" ينبئ بمسار مشابه، وإن اختلفت ظروف هذين البلدين المثقلين بالحروب والدمار.

بعيداً عن الحق في المياه الدولية، والقانون الدولي الذي يقف إلى جانب "حقوقنا المائية" دون أن يعني ذلك شيئاً على أرض الواقع، ثمّة تساؤل مشروع، يحيل إلى الخطط المفوّتة لدى الدول العربية عموماً ودول مصبي النيل والفرات بشكلٍ خاص، فماذا فعلت هذه الدول لمنع وقوع الكارثة، وماهي البدائل التي عملت عليها كيلا تصل إلى ما وصلت إليه اليوم من تحكّم دول خارجية بمياهها ؟

هل استطاعت أن تبني استراتيجيات مائية بديلة ( استخدام رشيد لمواردها المائية، البحث عن موارد مائية أخرى، تنفيذ مشاريع من شأنها زيادة الكميات المتوفرة أو تخفيف الفاقد)؟

الجواب من سوريا ومصر لا يبشّر بالخير، وهذه التفاصيل:

سورية .. هدر وسوء تخطيط.. و"تحكّم" تركي بأهم مورد مائي في البلاد

حبيب شحادة- دمشق

سوء تخطيط، إدارة فاشلة، نظم ري غير مُجدية، زراعة مكثفة للقمح والقطن، ونمو سكاني متسارع؛ كل ذلك ساهم باستنزاف الموارد المائية في سوريا خلال الـ 20 سنة الماضية، تخللتها موجة نزوح باتجاه المدن لم يسبق لها مثيل، نتيجة الجفاف في الأجزاء الشرقية والشمالية الشرقية من البلاد.

أما خلال الحرب المستمرة منذ 10 سنوات، فقد لعبت المياه دوراً محورياً في العديد من المناطق، سواء لجهة سيطرة قوى داخلية على المنابع الرئيسية لتلك المياه، أو لجهة تحكم جهات خارجية (تركيا) بأحد أهم مصادر المياه السورية (نهر الفرات).

الشح المائي

يعرف شح المياه بحسب دراسة د. م. كفاح محمد حسيان المنشورة عام 2012، على أنه حصة الفرد لأقل من 500 متر مكعب من المياه في العام، أما في حال كانت الحصة أقل من 1000 متر مكعب من المياه كل عام فهذا يسمى Water stress، أي أن الفرد تحت حالة التوتر المائي ومهدد بالشح. وتشكل حصة الفرد من الموارد المائية أحد المؤشرات الهامة في تحديد وضع الاستقرار المائي في أي بلد.

والأرقام المسجلة في سورية منذ عام 2006 تقول وفقاً للدكتور حسيان "إن نصيب المواطن السوري من المياه هو 1048 متر مكعب من المياه سنوياً". ولا يوجد أرقام بعد اندلاع الأزمة لصعوبة التوثيق وغياب الإحصاء السكاني والعديد من الأسباب الأخرى بحسب حسيان.

المياه عائق للتنمية

تشكل الزراعة التي تعتبر أهم قطاع اقتصادي، أكبر مستهلك للمياه في سورية، بنسبة تقدر بحوالي 81%، ما يعني أن كفاءة الري أقل ب 50% وهي كفاءة نسبية منخفضة بحسب ما يذكر د. حسيان.

ويرى د. حسيان في حديثه لوكالة "آسيا" أن ضعف تقنيات الإنتاج الزراعي فرض على سورية اللجوء لاستيراد المنتجات الغذائية، لتلبية الاحتياجات المحلية وتحقيق الأمن الغذائي.
ويقول حسيان إن " معظم الأراضي السورية تقع في المناطق الجافة وشبه الجافة، وتتلقى هطولات مطرية غير منتظمة في أغلبها". ويشير إلى وجود تفاوت بين عدد السكان وحجم المياه المتاحة، نتيجة فشل إدارة الموارد المائية واستنزافها، وصولاً لحالة العجز المائي، وانخفاض حصة الفرد من الموارد المائية.

وتشكل نسبة الأراضي المروية بالطرق الحديثة 9% فقط، والسبب في ذلك قصور في القوانين بحسب منذر خدام، الخبير في الموارد المائية، يقول "إن رفع النسبة يحتاج لتدخل قانوني يلزم المزارعين باللجوء للري الحديث الذي يزيد الإنتاج بنسبة 30%، ولا يسبب ملوحة في التربة، بدلاً من الاستمرار في فتح الآبار الجوفية لِري الأراضي". لكن ذلك يتطلب أيضاً وجود شبكات ري حديثة وبنية تحتية، لكنها غائبة بسبب التقصير الحكومي" .

وفي حديثه لوكالة أنباء آسيا، يرى خدام أن مشكلة المياه في سورية معقدة، ويعزو سبب ذلك إلى تركيا التي تعتبر أن نهري (الفرات – دجلة) هما نهران تركيان عابران للحدود، أي أن تركيا لا تعترف بالطابع الدولي لهما.
ويشير خدام إلى أن مصطلح أنهار عابرة للحدود غير موجود بالقانون الدولي للمياه، والصادر عام 1997، الذي لم توافق عليه كل من تركيا وإسرائيل.

ويضيف "إن السدود التي بنتها تركيا على نهر الفرات، تقع ضمن القوس الزلزالي الممتد عبر تركيا وإيران، وعلماء تركيا أدركوا ذلك، ما يعني أن تلك السدود لا تشكل عقبة في طريق حصول سورية على حصتها من نهر الفرات".

ويعتقد خدام أن مشكلة المياه قانونية – سياسية إلى حد ما، حيثُ تتأثر حصة سورية من المياه عندما تسوء العلاقات مع تركيا، والعكس صحيح. لكن الأصح وفقاً لخدام، أن يكون هناك اتفاق دولي ملزم للأطراف الثلاث (سورية، العراق وتركيا).

نهر السن.. بحر

من جهته،مدير مؤسسة المياه والصرف الصحي في اللاذقية، مضر منصورة، يرى في حديثه لوكالة "آسيا" بأن سورية لا ولم تعاني من أزمة مياه، ويعود ذلك لكون نهر السن الذي ينبع في المنطقة الساحلية بحر وليس نهراً".

ويؤكد منصورة أن الاستثمار الأمثل للسن يكون عبر إعادة التأهيل التي تعطي كميات كبيرة من المياه، فالنهر بحسب منصورة، بحاجة لإعادة تأهيل المضخات، وكذلك لمضخات جديدة، حيث لم يرمم ويُحدّث منذ أكثر من 20 سنة.

وحيال مشروع مد العاصمة دمشق بمياه نهر السن، قال خدام "لآسيا" بأن المشروع كان قيد الدراسة من قبل شركة هولندية، وكانت خطته تقوم على جر مياه نهرين يمران جنوب مدينة بانياس ويصبان في البحر، عبر اعتراضهما في البر، وجر مياههما إلى دمشق عبر حمص، ليتبين فيما بعد عدم جدوى المشروع اقتصادياً، إضافة لأن هناك منطقة جبال تفصل بين البحر والنهرين.
موارد سورية المائية.

توصف موارد سورية المائية بالقليلة والمحدودة، بحسب مختصين. حيث صنفت سورية في مجموعة البلاد الفقيرة بالماء منذ عام 2000. وتتوزع تلك الموارد بين السطحية والجوفية، والموارد غير التقليدية، كمياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي ومياه التحلية.

ويقدر مجموع كمية الموارد المائية في سورية ما بين (16,375 و18,209) مليار م3 /سنة من المياه، بحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء، ووزارة الموارد المائية. ويغطي هذا التقدير احتياجات سورية في الوقت الحاضر، دون حدوث أي فجوة، ويتوقع المختصون حدوث فجوة مائية قادمة بسبب الاستنزاف والتلوث الكبير للموارد المائية، خاصةً بعد العام 2011 وما شهده من تدمير لهذه الموارد نتيجة الصراع القائم.

ماذا في يد الحكومة؟

يقدر خدام حجم المياه المتاحة لسورية سنوياً ب 47 مليار م3، منها 18 مليار في البحيرات، و14 مليار م3 تأتي من الفرات، و4 مليار م3 مياه متجددة، ومياه جوفية بين 5 و7 مليار م3، والأخيرة تتعرض للاستجرار السنوي بشكل كبير.
هذه الكميات يستهلك منها في الزراعة حوالي 83%، وهذا طبيعي بحسب ما يذكر خدام، ويضيف، بأن هذه ال 83% يمكن توفير 60% منها واستخدامها في مجالات أخرى، فيما لو انتقلت سورية من الري التقليدي إلى الري الحديث، المعتمد على الأنظمة الحديثة. وهذا يعطي مدى 30 سنة إلى الأمام، قبل أن تصل سورية إلى مرحلة العوز المائي، وفقاً لخدام.

الفرات.. والعلاقة مع تركيا

منذ عام 1990 لم تستطع تركيا حجب المياه عن سورية وفقاً لخدام، الذي يقول "لآسيا" إن هناك مشروعاً آخر لاستجرار المياه من تركيا عبر نهر الفرات مروراً بتدمر، وصولاً لدمشق. وهو مشروع اقتصادي، ينعش المسار الذي يمر به، ويحوله لمسار تنموي، لكن ذاك المشروع لم ينفذ بسبب الخلافات السياسية.

أما تحلية مياه البحر فهي مكلفة جداً، إضافة لتكاليف نقلها إلى المناطق السورية، ما يجعل المشروع غير وارد بحسب خدام، ليبقى الحل الوحيد عبر تركيا التي تستخدم فقط 25 مليار م3 من مياهها المقدرة بنحو 183 مليار م3.

ويقول خدام، بأن تركيا طرحت مشروع السلام لنقل المياه عبر شبكات إلى السعودية، سلطنة عمان، مروراً بسورية، لكنه لم ينفذ أيضاً وتوقف المشروع، بسبب وجود تفريعة من المشروع ستذهب إلى إسرائيل، وهو ما رفضته سورية.
ويختم خدام حديثه "لآسيا" بأنه في حال لم تستثمر سورية مواردها المائية خلال ال 30 سنة القادمة بشكل عقلاني، ستقع البلاد في العوز المائي. مؤكداً أن الحل لأزمة المياه ليس فقط لسورية، وإنما لأغلب الدول العربية يمر عبر تركيا التي تمتلك مصادر مياه متجددة.

يبقى أن وزارة الموارد المائية، تلك الجهة الحكومية المسؤولة عن ملف المياه، رفضت الإجابة على أسئلة "آسيا" حيال الموضوع، والسبب، أن موضوع المياه يشكل "مسألة أمن قومي" ولا يمكن الحديث عنه، إلا بموافقة وزارة الخارجية، كما رفض عضو اللجنة العليا للمياه د. معن داود التصريح حيال أزمة المياه، لنفس السبب.

مصر: أزمة مياه تبحث عن "بدائل لا غنى عنها" في مواجهة الخطر الإثيوبي

أحمد عبد الحميد - القاهرة

في تحدٍ ربما هو الأكبر في تاريخها، تعيش مصر في السنوات الأخيرة أزمة طاحنة منذ أعلنت إثيوبيا في أعقاب ثورة يناير المصرية عام 2011، تدشين ما أطلقت عليه حينها "سد الألفية العظيم" قبل أن يتغير الاسم لاحقًا إلى سد "النهضة"، ليبدأ معه عقد من الزمن كان مليئًا باللقاءات والاجتماعات والاتفاقيات أسفرت جميعها عن "لا شيء"، وما زالت الأزمة قائمة رغم مضي الجانب الإثيوبي قدمًا نحو إنهاء بناء السد.

نسبة عجز وفقد كبيرين

أزمة المياه في مصر بدأت قبل أن تبدأ أزمتها مع الجانب الإثيوبي، فبحسب الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، فإن مصر تعاني من عجز مائي يصل إلى 22 مليار متر مكعب من المياه، هذا بخلاف أزمة سد النهضة، موضحًا، في تصريحات خاصة لوكالة "آسيا"، إن هذا العجز يرجع إلى الزيادة المستمرة في عدد السكان مقابل نقص الموارد المائية.

ويضيف نور الدين أن هناك بعض القطاعات التي تكبّد مصر فقد كميات كبيرة من المياه، على رأسها مياه الشرب التي تبلغ نسبة الفقد فيها 33%، بينما تبلغ نسبة الفقد في مياه الترع نحو 19 مليار متر مكعب من المياه، نظرًا لضخامة هذه الشبكة من الترع وقدمها، مشيرًا إلى أن الزراعة في مصر هي المستهلك الأكبر للمياه بنسبة تصل إلى 62.5 مليار متر مكعب من المياه، مقابل 10 مليار متر مكعب لمياه الشرب، و2.5 مليار متر مكعب فقط للصناعة.

إثيوبيا تبدأ بملء السد.. وأزمة مصر تتعاظم
في أواخر يوليو/تموز الماضي، جاء الإعلان الرسمي من الجانب الإثيوبي بانتهاء المرحلة الأولى من ملء السد، بعدما خرج رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على الشعب الإثيوبي مهنئاً بالانتهاء من المرحلة الأولى من عملية ملء السد، مرجعًا ذلك إلى مياه الأمطار، ومؤكدًا أن الأمر تم "دون أذى لأحد".

الرد الرسمي المصري جاء بعد أيام من هذا الإعلان الإثيوبي، عندما أصدرت وزارة الموارد المائية والري المصرية بيانًا تؤكد فيه رفض مصر لهذا "الملء الأحادي" من الجانب الإثيوبي، وهو ما سجلته الوزارة في خطاب رسمي موجه إلى دولة جنوب إفريقيا بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي.

بدائل.. لا غنى عنها

في محاولة لحل أزمة عجز المياه في مصر بشكل عام، يقول أستاذ الموارد المائية نادر نور الدين، في تصريح خاص لوكالة "آسيا": إن مصر بدأت بالفعل في تنفيذ خطة منذ نحو 10 أعوام تعتمد على محورين رئيسيين، وهما: ترشيد الاستخدامات وتنمية الموارد، ومن حيث تنمية الموارد فإن مصر قد بدأت تدخل في عصر تحلية مياه البحر، وأقامت حتى الآن ما يقرب من 17 محطة تحلية على سواحل البحرين المتوسط والأحمر، وفي سبيل أن تزيد من هذا الأمر، بحيث تستطيع مصر إنتاج ما يعادل إنتاج دولة مثل الإمارات من المياه.

وحول مسألة تنمية الموارد يضيف نور الدين "فيما يخص تنمية الموارد، فهو يتمثل في تقليص مساحة زراعة المحاصيل المستنزفة للمياه وعالية الاستهلاك لها، مثل الأرز وقصب السكر والموز، وكل ما هو مستهلك للمياه، بالإضافة لسياسات أخرى الهدف منها تقليل كمية المياه المستخدمة، مثل زراعة محصولين في نفس الحقل وتقليل الفقد من الموارد.

تقليل نسبة المفقود من المياه أمر في غاية الأهمية، وهو ما تسعى إليه مصر الآن، بحسب الخبير المائي، الذي أضاف قائلا: تتبنى وزارة الري المصرية الآن مشروع تبطين الترع في مصر، والتي يبلغ طولها حوالي 35 ألف كيلومتر كلها مسامية تفقد كميات كبيرة من المياه، وبالتالي تبطينها بالإسمنت سيقلل من هذا الفقد، وسيوفر ما يقرب من 30% من مياه هذه الترع، ومن الأمور المهمة أيضًا في مسألة تنمية الموارد المائية وترشيد استهلاك المياه، عملية تطوير الري في الحقول، وتحويله من الري بالغمر إلى الري الحديث (الري بالرش أو بالتنقيط) وهو ما تسعى مصر إلى تنفيذه الآن.

ويتابع نور الدين "البحث عن موارد مائية جديدة يعد أيضاً من الأمور غاية في الأهمية بالنسبة لمصر، مثل البحث عن مياه جوفية، وهو ما يجري حاليًا عمل دراسات حولها وعن كيفية الاستفادة منها، بالإضافة إلى المشروع الأكبر الموضوع حاليًا تحت الدراسة، والمتمثل في ربط نهر الكونغو بنهر النيل، وهذا المشروع كفيل بأن يضيّع العجز المائي المصري كليةً، إلا أن المشكلة في هذا المشروع تكمن في تكلفته، حيث تبلغ نحو 25 مليار دولار، مشيراً إلى أن معالجة مياه المخلفات تعد واحدة ضمن البدائل المطروحة، والتي تبلغ في مصر نحو 20 مليار متر مكعب من المياه ما بين صرف صناعي وزراعي وصحي، وتحويل هذه المياه إلى مياه صالحة للزراعة والصناعة، ومعالجتها من الممكن أن يوفر لنا هذه الكمية من المياه المهدورة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6