كتب كمال شاهين: لو لم تكن بيروت… لاخترعناها

خاص_وكالة أنباء آسيا

2020.08.06 - 04:01
Facebook Share
طباعة

 لو لم يكن لبنان بلداً محكوماً بالتوازن السكاني الطائفي "بالمليمتر" لكنتُ وثلاثة من أخواتي البنات من حملة الجنسية اللبنانية إلى جوار نظيرتها السورية، فقد ولدنا جميعاً في بيروت قبل عامين من اندلاع الحرب هناك، وحين غادرناها حملنا معنا صوراُ ملونةً لمدينة ستلتهمها حروب اﻷخوة القتلة، خسرنا كثيراً من اﻷحلام واﻷلوان.

قبل يومين من انفجار مرفأ بيروت كنت أتحدث مع صديق لي عن أحوال لبنان، استبعدتُ احتمال تعرضه للأذى الخارجي حالياً (اﻹسرائيلي خاصة) قياساً بوضع المنطقة المهزوز كثيراً وأن على عاقلي لبنان أن يسعوا أقصى السبل لمنع انزلاق البلاد إلى أي انفجار، لم يكن موعد السابع من آب، موعد نطق قرار المحكمة الدولية بشأن قضية مقتل الرئيس رفيق الحريري بعيداً، لكن ما جرى قلب المشهد جذرياً، اليوم لم يعد لبنان كما كان قبل أيام بالمطلق.

كان أبي يعمل في لبنان مطلع سبعينيات القرن الفائت في الزراعة، المهنة الوحيدة التي يتقنها، بأجر يومي يعادل عشر دولارات، كانت كافية ﻷن يبني بعد عودته إلى سوريا بيتاً ويشتري أرضاً ويدخلنا المدرسة، وفوق ذلك يشتري لنا الكتب والقصص التي كانت سبباً في شوفة الحال على اﻷطفال اﻵخرين في حارتنا.

هذه المفارقة بين مزارع سوري يعمل في لبنان ونظيره العامل في سوريا لم تنته إلى اﻵن، ولا يبدو أنها ستنتهي يوماً ما، هذه واحدة من الصور العمومية الانتشار للمقارنة بين بلدين أحدهما مساحته عشرين ضعف مساحة اﻵخر اقتصادياً واجتماعياً، لكنه أفقر منه في كل شيء، رغم كل الفساد واﻹفساد.

ليس أبي السوريّ الوحيد الذي يسجّل في ذاكرته وحياته امتنانه الكبير لتلك المدينة، فهناك آلاف مؤلفة من السوريين يقرّون بجميل تلك المدينة ـ البلاد، نشعر أحياناً أن فصل لبنان عن سوريا كان يجب أن يتم، وأن بيروت كان يجب أن تبقى بعيداً عن تلك الشعارات والفضاءات التي سممت لقمة خبزنا وحياتنا لعقود بوصفها ساحة الحرية اﻷخيرة في هذا الشرق الموبوء، وأنها في المطاف اﻷخير، المدينة التي كان يجب ألا يقترب منها أي وباء من أوبئتنا لكن ذلك لم يحدث، فكانت أول الضحايا وأول الشهداء، وأوّل المكسورين.

مطلع الخمسينيات، أقرّت حكومة خالد العظم فصلاً جمركياً بين لبنان الوليد وسوريا الوليدة كان ضرورياً لكلا البلدين برأي العظم، فقد كان مرفأ بيروت المرفأ الوحيد الذي يؤمن التجارة بين العالم وسوريا ويتحكم بها تحكماً مطلقاً، لقد كان حقاً "مرفأ الشرق" لعقود، وكان يمكن أن يبقى كذلك لو أن السياسيين ومن ورائهم التجار اللبنانيين ـ كما اليوم ـ كانوا أقلّ طمعاً وجشعاً، لكن ذلك ما كان ممكناً وفق قوانين التاريخ والاقتصاد.

مفارقة التاريخ التي لم ينس أن يسجلها صاحبها، كانت أن خالد العظم، عرّاب الفصل الجمركي، اختار بيروت ملجأ له يحميه من رفاق اﻷمس الذين انقلبوا عليه صبيحة الثامن من آذار 1963 وبقي فيها إلى رحيله، وقتها شمتت فيه بعض الصحافة الصفراء في لبنان لكن بيروت ومرفأها لم يفعلا.

في عام 1960 كان عدد السيارات التي تجوب شوارع بيروت وحدها فوق عشرة آلاف سيارة، وكان عددها في سوريا كلها لا يتجاوز ألفي سيارة، وبالمثل، فإن أربعة من أصل ستة كتب تطبع في العالم العربي، مصدرها بيروت، "ست الدنيا التي كنا وما زلنا نغار منها ومن جمالها" كما وصفها ابن دمشق وعاشق ياسمينها، "خيمتنا ونجمتنا التي علّقنا ﻷجل مليوني رأس فيها مشانقاً من المحيط إلى الجحيم" كما غناها ابن البروة الفلسطيني، التفاحة، الوردة، البئر، القاسية، وكثير من اﻷوصاف التي أغدقت عليها دون أن تستطيع تغطيتها، بين النكران والامتنان، كان ذلك ما قصده محمد الماغوط حين قال عنها: "بيروتُ مثل امرأة تغسل ثياباً، إذا بان فخذاها قالوا عنها عاهرة"، هذه الـ "قالوا" لا شك يقصد بها العرب.

تستمر هذه المفارقة مع بيروت دائماً، هناك من يكرهها كثيراً وتسبب له حساسية من مختلف الأنواع، ولكنه ما إن تضيق عليه الدنيا وأحوالها، لن يجد غيرها ملجأً يفتح أبوابه له، ولغيره من الهاربين من جحيم العالم العربي مانحةً إياهم أقصى ما لديها دون أن توّجه لهم أي سؤال.
لا يكاد يوجد رمزٌ سوريّ إلا وحط رحاله في بيروت، إقامةً أو منفى أو عبوراً، لا بل إن كثيراً منها بدأ هناك، حيث الكلمة يمكن أن تعيش وتزهر بعيداً عن مقصّات النوايا والأفكار، اﻷعداء واﻷصدقاء سويةً، تلك نعمة بيروت ونقمتها التي طبعت شرقنا الحديث لعقود طويلة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في السياسة، ومن الفقير الفقير إلى أغنى اﻷغنياء، يدرك كثيرُ من السوريين أن تدمير مرفأ بيروت لم يصب تجارها فحسب، فهناك آلاف مؤلفة من العمال الذين فقدوا مصدر عيشهم ورزقهم، سوريين ولبنانيين وآسيويين، تلك الكوزموبوليتانية للبنان جعلته المرقى الذي تصعد إليه طرقاتنا جميعاً في جلجلة الشرق الملعون.

لبيروت، فضائل ونواقص تتكامل كلها في رسم مشهد علاقتها باﻵخرين، حرية بيروت هي سبب مشاكلها مع العالم كله، ومعنا تحديداً، فإذا كان هناك من لا يرحب بك في لبنان يمكنه أن يعلن ذلك بوضوح، ويعلّق لافتة بأنك شخص غير مرحب فيه، حدث ذلك في صورة شهيرة يتناقلها كثير من السوريين الشامتين اﻵن بما جرى في بيروت مؤخراً مستندين إليها في صوابية موقفهم، في الحالة العكسية بعد حرب تموز 2006، لم يكن هناك صوتٌ مغاير للترحيب بالقادمين من لبنان إلى سوريا، ليس اﻷمر أن السوريين يستقبلون كل المهجّرين بصدر رحب، وهذه حقيقة نسبية، ولكن لا صوت مخالف لما تصدره الحكومة، هذه حقيقة مطلقة بالنسبة لنا، عليك أن ترحب وإياك وأن تفكر بالعكس. مرة أخرى، إنه سؤال الحرية المفخخ.

إنها بيروت!

يوماً ما حلّ فيها أكرم الحوراني البعثي بعد انقلاب رفاق اﻷمس عليه، والمراقب العام لجماعة اﻹخوان المسلمين، وخالد بكداش، وأدونيس، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وكثر غيرهم ما لا تحصره ذاكرة سوريّة، وفي سنوات اﻷزمة المريرة، احتضنت بيروت من جديد مختلف أنواع السوريين، المؤيدين والمعارضين والرماديين والزرق والخضر.

تلك كانت، مرة أخرى، مشكلة بيروت وجمالها الأبدي، أنها لا تتوانى عن احتضان الجميع، اﻷصدقاء واﻷعداء والعابرين والحالمين والمكسورين، لكل منهم مساحته فيها، إلى درجة أن عبوراً واحداً لشارع الحمرا سيجعلك تلتقي بسوريين يتصارعون في شأن بلدهم علناً في مشهد لن تحلم بوجوده في دمشق أو حلب أو غيرهما، في زمن سابق كنتُ أعمل في شركة تتبع الحريري، وكان لدي مع عدد من العمال مشاكل مع إدارة تلك الشركة، قمنا بإضراب حقيقي وأوقفنا الشركة ومن ثم حلت مشاكلنا دون أن …. كذلك، مرة أخرى، إنه سؤال الحرية المفخخ.

إنها بيروت…

بيروت التي أعلّق صورتها في القلب منذ عانقتُ أمّي على بواباتها المفتوحة على فضاءات العالم كله، بيروتُ، التي نمتُ مشرّداً في شوارعها بلا طعام ولا شراب ولا مأوى لكنها مع كل قساوتها العظيمة هذه، لم تتركني وحيداً يوماً ما خلاف مدن أخرى بصقت عليّ وعلى أفكاري وأحلامي، وحدها بيروت هدهدتني وأسلمتني للريح أسافر منها إلى العالم وأحلم ذات زمان بأن أعيد لها بضعاً من قلبي لتدفنه فيها كما دفنتُ فيها أختي الكبرى التي لا أعرف اﻵن أين صار مثواها وجمالها الأثير، تلك مدينة لا يمكن الفكاك من إغواء فتنتها.

لك السلام يابيروت… لك السلام "يا أم الله، أيتها الممتلئة نعمة".

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 6