ارصفة المدن....ليست للثقافة!

كمال شاهين

2020.07.27 - 03:12
Facebook Share
طباعة



 في واحدة من أوائل المهمات الصحفية التي كُلفتُ بها في العاصمة السورية منذ ربع قرن تقريباً، لم أحتج إلى كثير عناء كي أصل إلى الشاعر العراقي الكبير "مظفر النوّاب" ﻹجراء حوار معه، فقد سألتُ صديقاً مقيماً بدمشق كيف أجده، فقال لي إذهب إلى مقهى الهافانا حيث يجلس غالب الوقت، وكي يختصر الدلالة والاتجاهات وأنا لا أعرف كيف أخطو هناك، أخذني إليه مشياً على الأقدام، وحين ولجنا المكان كان "أبو عادل" (لقبه) يجلس وحيداً على طاولة قصيّة في المكان يكتب واحدةً من قصائده بخطّ ناعم جداً، وهكذا كان، أجريتُ حواري الذي لم أنشره حتى اﻵن.

خارج الهافانا وفي محيطها المجاور حيث تقبع عدة مقاهي، كان هناك مجموعة طاولات تحتل جزء يسيراً من الشارع دون أن تطغى عليه وعلى حركة العابرين، خاصةً أن الجالسين على الطاولات كانوا ينشغلون عن المارة بأنفسهم وأحاديثهم التي لا تعني كثيراً العابرين، الحداثة والتنوير والشعر الحر والحديث أحدها.
كنت قد شاهدتً المشهد نفسه في بيروت وتونس واللاذقية وحلب، لكن المشهد في السنوات اﻷخيرة كاد يختفي، وقلة قليلة بقيت تحافظ على طقس الرصيف، ولم يكن هذا الاختفاء سوى استمرار لعملية طويلة من انتهاك الفضاء العام، وفضاء المدينة بشكل خاص، حيث تنتهك اﻷرصفة وتتحول إلى مساحات خاصة ترمي الحكومات عليها قوانينها ويرمي الباعة والعابرون عليها أحلامهم وخيباتهم أيضاً.
في ستينيات القرن الماضي وقبل أن تلتهم الزيادات السكانية ـ عبوراً وعملاً ـ بقية المساحات المفتوحة في تلك المدن، ومنها اﻷرصفة والحدائق واﻷطراف، كانت المقاهي تتمدد إلى الشوارع القريبة خالقةً تداخلاً بين مرتاديها والجمهور العابر، ومحتلّةً جزء جيداً من هذا الفضاء نظر إليه الجمهور العابر بوصفه مكاناً "آخراً" ينتمي إلى جغرافيا مختلفة "أخرى".
يذهب القاص والملحن الموسيقي "عاطف صقر" من اللاذقية إلى أن مقاهي الأرصفة دخلت بخجل إلى المدن العربية واستلزم الأمر وقتاً طويلاً كي يعتاد عليها الناس ويألفوا وجودها لأنها كانت بشكل أو بآخر تتعارض مع العادات والتقاليد المحلية فهناك "فُرجة" وهناك "أخلاق اجتماعية" وهناك الكثير مما يعترض عليه الجميع رغم الثوب التحرري الذي طبع الستينيات، "وغدا المقهى في كثير من الحالات بديلاً عن اللقاءات المنزلية خصوصاً بعد ظهور توجه عام يعطي حيادية وخصوصية للمنازل، إلا أن واقع الحال اليوم مختلف كثيراً، فلم يعد المقهى بظروفه الحالية ذلك المكان الحميم الذي يجمع الصحبة والنقاش والشيشة".
في كل عاصمة أو مدينة صغيرة كانت أو كبيرة هناك شوارع وأماكن تتحول إلى علامات فاصلة في اﻷمكنة تختصر المدينة فيها، مقاهي الرصيف هي إحدى علامات العواصم اﻷوروبية حيث يصمم المكان تبعاً لحاجة اﻹنسان وليس العكس، وكذلك الساحات، وفي عالمنا العربي حتى بداية القرن الجديد كان هناك بعض هذه اﻷماكن التي طبعت هذه المدن، مقهى "السويس" في اللاذقية أو "الرشيد" في بغداد و"الروضة" في دمشق و"خان الخليلي" في القاهرة وثلة مقاهي "الحمرا" في بيروت الستينيات.
إن الرصيف في صياغته المدينية المعاصرة ليس ممراً جانبياً على حدود الشارع، ولكنه حيز إنساني تواصلي "ينتج عن جهود تصميمية مخلصة ومبدعة تخلق فضاء بصرياً يشمل أرضيات الممرات وتوافق تشكيلاتها الهندسية، وتوزيع الأشجار المظللة والنباتات وأحواض الزهور بديعة الألوان، وأماكن الجلوس الثابتة والمتحركة واللافتات الأنيقة ووحدات الإضاءة متميزة التصميم، والمظلات وامتدادات مدروسة لبعض المقاهي والمطاعم" كما يقول المعماري علي عبد الرؤوف في حديث سابق.
في أحد جوانب تمددها إلى فضاء الرصيف كان روادها يبحثون عن نسق جديد في علاقتهم مع المكان والمدينة ككل، يتقاطع ذلك مع صورة المدينة الغربية ـ باريس والشانزليزيه أكثرها وضوحاً ـ التي وصلت مترافقةً مع وجودية سارتر وخطابات سيمون دي بوفوار، بنفس الوقت الذي كانت فيه هذه الصيحات خارج الحضور العمومي للناس في أكثريتها.
يشير "رامي غدير" صاحب أحد أقدم المقاهي الثقافية في اللاذقية إلى أن المقارنة بين مقاهي الستينيات وأرصفتها ومقاهي الحاضر تنتهي لصالح اﻷولى "لجهة اﻷثر والأهمية التي أحدثتها، فالمقاهي الراهنة تحاول أن تحاكي تلك اﻷيام دون قدرتها على النفاذ إلى عمق المشهد" ويرتبط اﻷمر "بالنقلة التي شهدتها البشرية منذ ظهور اﻷنترنت، وقبل ذلك بالحريات التي كانت تغطي كل المجالات، يضاف إلى ذلك أن الظروف الاقتصادية في العالم العربي، وسوريا بشكل خاص، جعلت المقهى ترفاً ومتنفساً لا يقدر عليه كثيرون، اليوم فنجان قهوة على الرصيف أو في المقهى المرتبط به يعادل سعره عشر ربطات خبز".
من الصحيح أن العولمة التهمت الزمان كما التهمت المكان، ولم تترك فضاءات تواصلية واقعية كثيرة بين البشر، خاصة في منطقة تعاني أصلاً من وجود فوارق تواصلية بين سكانها المستغرقين في شؤون الحياة المريرة المتكاثرة، إلا أن المسألة لا تقف هنا فقط، فقد جرت مصادرة المكان العام بالتدريج قضمةً وراء أخرى، والمكان الذي كان مجانياً لم يعد كذلك، ومثاله اﻷوضح الساحات العمومية في المدن.
كثيرٌ من الأدباء والمفكرين والشعراء عاشوا على أطراف تلك المقاهي رغم الفقر والتعتير الذي طبع حياتهم آنذاك، وبعض هذه المقاهي أصبح علامة فارقة ما إن تذكر أسماؤها حتى يحضر اسم هذا الشاعر أو ذاك، في دمشق يحضر مقهى الهافانا والروضة والشرق اﻷوسط وغيرهم، وإلى وقت قريب كانت تحتضن أسماء لامعة في عالم الشعر واﻷدب العربي، وهذا الأمر بقي إلى سنوات قليلة سابقة حاضراً في الفضاء العام.
مؤخراً ساهمت جائحة كورونا والحجر الذي فرضته بسبب التخوف من العدوى في إغلاق آخر هذه المنافذ التواصلية التي خرجت من بهاء اﻷرصفة إلى خبايا المدن، وعلى اﻷرجح إن العملية ـ أي إعادة افتتاح تلك اﻷماكن ـ مرهونة بتطورات الجائحة نفسها، خاصة مع تفاقم اﻷزمات الاقتصادية العالمية والمحلية منها.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1