اغتالوا ناجي العلي فعاش حنظلة

خاص- عادل أحمد شريفي

2020.07.24 - 11:42
Facebook Share
طباعة



 
لماذا يكون مصير المبدعين العرب القمع من قبل أنظمةٍ لا تتقن فنّ الاحتواء، أو التغييب من قبل أعداء يتقنون فنّ الإجهاض؟ وهل مصير أولئك الذين يحملون قضيّة ما في أعمالهم الإبداعية سيبقى رهين أهواء المتلقي الذي له سلطة كبس الزرّ؟
تقول جودي (ابنة الشهيد ناجي العلي التي شهدت مقتله) لصحيفة البيان: "أعتقد أن لوحات ناجي العلي تعبر عن نفسها بنفسها، وبالتالي فإن مساحة التعليق عليها تبقى ضيقة". بالفعل فإنّ من يتابع رسومه اللاذعة، يُدرك أنّ عبقريّته تكمن في اختزال الموقف بخطوط ومنحنياتٍ صارخة تُغني عن افتتاحية حافلة بالعبارات.
من هم المشتبه بهم في قضيّة ناجي العلي؟
المبدأ القانوني الأوّل في البحث عن أيّ متّهم وتجريمه، إنّما هو الدّافع، فالقاعدة تقول: "فتّش عن الدّافع تجد المتهم"، وأصابع الاتهام تتوجّه دائماً في مثل هكذا جرائم للكيان الصهيوني وأذرعه الاستخباراتيّة التي يؤلمها كلّ شيء، حتّى الكلمة، ولا أدلّ على ذلك من فرقة الموت التي أسستها بداية السبعينات لتتبع قيادات أيلول الأسود، انتقاماً لعمليات الخطف آنذاك، فكانت الحصيلة اغتيال العديد من الفعاليات الأدبيّة والديبلوماسيّة الفلسطينيّة البعيدة كلّ البعد عن العمل العسكري، وهذا هو ديدن العدو الصهيوني، فكلّ عربي عنده متّهم مالم تثبت عمالته، لكن علينا عدم إهمال شريحة واسعة من الأنظمة العربيّة التي كانت مستهدفة بالمقام الأوّل من قبل الشهيد ناجي العلي، والتي كانت رسومه اللاذعة تقضّ مضاجع مغسلة الأدمغة العربيّة التي يؤسسونها في دولهم، إذ لم يفته يومٌ طيلة ربع قرنٍ من نشاطه الفنّي أن يعرّي دور هذه الأنظمة في قيام دولة إسرائيل ومدّها بأسباب الحياة، ولا يخفى على متنوّر مثله، أن كياناً مصطنعاً "كإسرائيل" لا يمكن له التّواجد في منطقةٍ عدائيّة بالمطلق، مالم يكن له حلفاء من أهل تلك المنطقة، حتّى وإن كان مدعوماً من أعتى قوّة في العالم وهي الولايات المتّحدة الأمريكيّة والغرب، فهل يا ترى تكشف التّحقيقات التي قررت حكومة بريطانيا إعادة فتحها بعد ثلاثين عاماً من الجريمة متورّطاً جديداً غير الصّهاينة؟
حنظلة (طفل المخيمات) ما زال شاهداً
ابتكر الشّهيد ناجي العلي شخصيّة حنظلة بعد نكسة العام 1967 كتعبير فنّي صارخ على خيبة أمل الشّعوب العربيّة من واقعها، وكردّ فعل على فشل الحركات القوميّة العربيّة في تحقيق أي مكاسب على مدى عقدين من الزّمن، سادت فيهما الصهيونيّة والرّجعية العربية ومادت، شخصيّة حنظلة، أو أوّل لوغو! فلسطيني يمثّل القضية -إن صحّ التّعبير- ذاك الطّفل الذي جعله بلا ملامح، فيما خلا الكوفيّة الفلسطينيّة، المعقود اليدين للخلف كحال كلّ الشّعوب العربيّة، هو الشّاهد على كل الأحداث السيّاسيّة التي عصفت بالأمّة، ولا أدلّ على عبقريّة هذا اللوغو الذي ابتكره الشهيد ناجي العلي، سوى أنّه ما زال حيّاً حتّى هذه اللحظة على "صفحات المجلات، وجدران الأبنية، وحتّى زجاج السيّارات"، كما أشارت ابنة الشّهيد.
ناجي وغسّان ووحدة الطّريق والمصير
تعلّق كلّ من الشهيدين بالآخر، فكان لهما الطّريق ذاته، وكان لهما إيمانهما المشترك بأنّ الطّريق إلى فلسطين يمرّ من فوهة بندقيّة، الأمر الذي سبب خلافاً حاداً مع الشّاعر محمود درويش، أدّى إلى قطيعةٍ نهائيّة -رغم ما يمثله الأخير من قيمةٍ فنيّة- غير أنّ بالنّسبة لناجي الذي يقول: "لا أفهم السيّاسة، لا أفهم المناورات"، لا مهادنة للكيان الذي لا يفهم سوى لغة البارود، فكان للزّميلين العزيزين المصير ذاته إنّما بتاريخين يفصل بينهما خمسة عشر عاماً قضاها الشهيد ناجي العلي ملتزماً بنهج زميله حتى لقيه أميناً على القضيّة قد بصم بالدّم على وثيقة العهد.
مراقبين بألم ندرة الالتزام بقضيّة ما في النّخب العربيّة، وتهاوي الرّموز يوماً بعد يوم لصالح التّطبيع مع كيانٍ يرفض وجودنا، وانتشارٍ واسعٍ لداء العولمة على حساب الهويّة العربيّة، ندرك الآن، أن قرار التغييب القسري للمبدعين العرب من أصحاب القضيّة لم يكن اعتباطياً، وإنّما كان مقدمةً لما نشهده اليوم من تسطّحٍ فكري، وإسفاف حضاري، ما كان ليقبل به "حنظلة".
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 3