إحياء الاتفاق النووي واعتماد الديبلوماسية.. بايدن يخطط لاعتماد "نهج أوباما" مع إيران

سامي شحرور _وكالة انباء اسيا

2020.07.23 - 04:56
Facebook Share
طباعة



 حين تولى دونالد ترامب الرئاسة عام 2017 كان الأمريكيون يعتقدون بأنه وَرِثَ عن سلفه موقفاً مع إيران أفضل مما ورثه أي رئيس أمريكي آخر خلال العقود الأربعة الماضية، إذ كان قد جرى التوقيع على البرنامج النووي الإيراني، وصارت هناك فرصة للاستفادة من اتفاق دبلوماسي تاريخي وبناء المزيد من النجاحات عليه، كما يقول موقع Responsible Statecraft الأمريكي.

وبعد مرور أكثر من عامين على تخلي ترامب عن "الدبلوماسية الناجحة" لصالح ما يُسمى حملة "أقصى ضغط"، من الواضح أنَّ إدارة بايدن سترث سيناريو أسوأ بكثير. ففي عهد ترامب، تجنبت الولايات المتحدة وإيران بشق الأنفس الدخول في حرب شاملة في مناسبتين، وأخذ برنامج إيران النووي يتسع، وازدادت سيطرة المحافظين على السياسة في طهران. وإذا انتُخِب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، فسيحتاج إلى تغيير هذا المسار على الفور.

ثمة من يجزم بأن بايدن سيتحرك في حال فوزه على ترامب نحو نهج للتعامل مع طهران يتوافق أكثر مع استراتيجيات وآراء إدارة "أوباما"، وربما يمكن لـ"بايدن" أن يقود الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية إلى نوع من الفهم المتجدد المستحيل بوجود "ترامب" في المكتب البيضاوي.

فما هي المؤشرات التي تجعل من هذا الخيار ممكناً؟

تقول مصادر مطلعة على تفاصيل حملة جو بايدن الانتخابية، إن الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن وضع جملة من البنود باعتبارها أهدافاً سيسعى للعمل عليها حال فوز مرشحه، وتشمل العودة للاتفاق النووي الموقّع مع طهران، والتخلي عن نهج التصعيد الذي يمارسه ترامب منذ دخوله إلى البيت الأبيض ضدها، والتخلي عن السعي لتغيير النظام الإيراني، واستبدال هذه السياسة باعتماد نهج الديبلوماسية والحوار .
وتضيف المصادر، ثمة رسالة واضحة تم إيصالها إلى إيران ومفادها "لا تساهموا بانتقامكم من إسرائيل و ترامب في إعادة هذا الأخير إلى البيت الأبيض.

المصادر توضح أن إدارة ترامب ومن ورائها اسرائيل تقوم في الآونة الأخيرة بأعنف حملة ضد إيران ، وهدفها جرّها نحو مواجهة مباشرة ، ما سيؤدي إلى ارتفاع حظوظ ترامب الانتخابية بعد أن تهاوت شعبيته وبات مرشح الديمقراطيين يسبقه بنحو 15 نقطة في استطلاعات الرأي.
خلال أسابيع قليلة، تعرضت إيران لأكثر من هجوم، حيث وقع انفجار في محطة لتوليد الطاقة في محافظة أصفهان وسط إيران الأحد، في أحدث سلسلة لانفجارات متتالية وغامضة شهدتها مواقع حساسة في البلاد، ما يخرجها من دائرة الصدفة.

وهزّ انفجاران طهران في أواخر يونيو- حزيران الماضي، أحدهما قرب موقع عسكري والآخر في مركز صحي أسفر عن مقتل 19 شخصا.
ووقع الحادث الأخطر في 2 يوليو- تموز، في مجمّع نطنز النووي (وسط)، حيث أعلنت السلطات الإيرانية في البداية وقوع "حادث"، قبل أن تشير إلى أنّها لن تكشف أسبابه في الحال "لاعتبارات أمنية".

ويرى مراقبون أن ترامب ونتنياهو يحاولان الهروب من مآزقهما الداخلية عبر استهداف طهران، وسحبها إلى المكان الذي قد ينقذ حكمهما، وهو المواجهة المباشرة، ومن هنا كان طلب الديمقراطيين لطهران بعدم الرد، وتفويت الفرصة على ترامب.

قبل كل هذا وذاك، كان موقف بايدن واضحاً تجاه سياسات ترامب المتعلقة بطهران، حيثاتهم "بايدن"، "ترامب" بالفشل في استخدام الدبلوماسية لتعزيز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وانتقد هذه الإدارة لانسحابها من جانب واحد من "خطة العمل الشاملة المشتركة" -التي يشار إليها باسم الاتفاقية النووية الإيرانية- وفرض عقوبات صارمة على طهران.

وخلال الحملة الانتخابية، جادل "بايدن" بأن "تصرفات ترامب المتهورة" تجاه الاتفاق النووي غذت "أزمة عميقة في العلاقات عبر الأطلسي ودفعت الصين وروسيا لتصبحا أقرب إلى إيران"؛ ما جعل واشنطن معزولة، وليس طهران.

في شهر يونيو- حزيران الماضي، دعا "بايدن" إلى تخفيف العقوبات على طهران في خضم مواجهة إيران لفيروس "كورونا"؛ حيث قال: "ليس من المنطقي -في خضم أزمة صحية عالمية- مزج الفشل بالقسوة من خلال منع وصول إيران للمساعدة الإنسانية المطلوبة. مهما كانت خلافاتنا العميقة مع الحكومة الإيرانية، فيجب أن ندعم الشعب الإيراني".

ويرى مراقبون إنه يمكن للولايات المتحدة إنهاء نهج الضغط الأقصى الفاشل من خلال إعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي مع إيران. وقال بايدن إنَّ إدارته ستعود إلى الامتثال للاتفاقية -المعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة- شريطة أن تكون إيران مستعدة للقيام بالشيء ذاته. وفي نفس الوقت من العام المقبل، قد يكون بايدن في البيت الأبيض، وقد تكون الولايات المتحدة وإيران قد عادتا للالتزام تماماً بخطة العمل الشاملة المشتركة، وتسعيان للاستفادة منها وإجراء المزيد من المفاوضات. ونتيجة لذلك، يجدر النظر في الكيفية التي يمكن بها لإدارة بايدن المحتملة استعادة الاتفاق، وكيف يمكن أن تعظم الزخم المرتبط بذلك لتحقيق إنجازات دبلوماسية إضافية.

ومن الضروري – كما يقول مؤيدو الاتفاق النووي- أن تعمل إدارة بايدن حينها بسرعة لاستعادة الثقة الدولية بسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران. ولن يكون من الحكمة وضع أية شروط مسبقة لعودة الولايات المتحدة إلى الامتثال للاتفاق، باستثناء فعل إيران نفس الشيء.

وبحلول يناير/كانون الثاني 2021، سيكون قد مرّ على الأرجح 32 شهراً من دخول الولايات المتحدة في حالة انتهاك مادي لخطة العمل الشاملة المشتركة، ومن ثم لن يكون لديها سوى القليل من المصداقية أو النفوذ للإصرار على تغييرات في الاتفاقية أو مساومة كبيرة تعالج جميع مخاوف المجتمع الدولي بشأن إيران. ولن تُقَابَل مثل هذه المطالب بآذان صماء في طهران فحسب، بل لن تكون أوروبا والدول الأخرى الأعضاء في خطة العمل الشاملة المشتركة مستعدة على الإطلاق لتحمل المزيد من سياسات حافة الهاوية الدبلوماسية هذه بعدما تكبدت تكاليف العقوبات الأمريكية على إيران طوال فترة إدارة ترامب.

علاوةً على ذلك، سيحدد التقويم السياسي الإيراني ما هو ممكن سياسياً في الأشهر الأولى لعام 2021. فعقب الانتخابات البرلمانية في عام 2020 التي شهدت انخفاضاً قياسياً لمعدل الإقبال وانتصاراً للقوى المحافظة، من المقرر أن تجري إيران انتخابات رئاسية في مايو- أيار أو يونيو- حزيران من عام 2021. ومن المرجح أن تفرض نتيجة تلك الانتخابات لأي مدى يمكن أن تتطلع الإدارة الأمريكية المستقبلية لتسوية مصادر التوتر المتبقية مع إيران. فإذا انتُخِبَ رئيس متشدد وفشلت الولايات المتحدة في العودة للاتفاق النووي، فستُغلَق على الأرجح نافذة العودة وضمان استعادة قيود طويلة الأجل على البرنامج النووي الإيراني، كما يرى مراقبون.

وبالنظر إلى هذه العوامل، يرى سياسيون في الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن أنَّ أفضل خطة يمكن أن تلجأ لها إدارة بايدن القادمة هي استعادة الالتزام بنصوص خطة العمل الشاملة المشتركة من خلال التخلي عن جميع العقوبات المتعلقة بالطاقة النووية وقرارات ترامب الأخرى التي استهدفت إحباط أية عودة محتملة للاتفاق. ومن شأن هذا التحرك – كما يقولون - أن يُثبِت جدية الإدارة الأمريكية في غرضها، ويعزز الوحدة الدولية والقيادة الأمريكية التي ضيعها ترامب، ويوفر حوافز واضحة لإيران للاضطلاع سريعاً بالتزاماتها النووية وتقويض أية مطالب إيرانية مفرطة بالتعويض.

ربما لا يكون السؤال الأهم لإدارة بايدن القادمة هو ما إذا كان من الأفضل إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة أم لا، بل ماذا تفعل بعد ذلك؟ فبينما ستكون هناك بلا شك ضغوط للتركيز على تمديد سريان بعض القيود بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، يجب على الولايات المتحدة التفكير من منظور أوسع، والاستثمار بكثافة في الدبلوماسية لحل التوترات الأخرى بخلاف الملف النووي.

يقول أنصار بايدن في الحزب إنه يمكن لهذه الأهداف السامية أن تقع بسهولة ضحية للحقائق الصعبة، في غياب خريطة طريق أو إرادة سياسية كافية. ولهذا يجب أن تسعى الولايات المتحدة للتوصل إلى بيان مشترك مع إيران يحدد سلسلة من القضايا ومسارات التفاوض تسعى كل دولة لحلها بحلول عام 2024. ومن أهم هذه المسارات الدبلوماسية هي تلك التي تهدف إلى وقف الحرب بالوكالة بين السعودية وإيران، وإنهاء الصراعات المحتدمة في اليمن وسوريا، وتحريك المنطقة نحو بنية أمنية مستدامة.

ويمكن أن يضع هذا البيان المشترك أيضاً الأساس لإجراءات بناء الثقة، والمزيد من عمليات تبادل الأسرى، وحوار حقوق الإنسان وخفض التوترات بين إيران وإسرائيل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 5