زهير جبور يفجّر "ساحتين"!

خاص- عادل أحمد شريفي

2020.07.23 - 01:28
Facebook Share
طباعة




يعود الأديب والرّوائي الكبير زهير جبّور إلى الأضواء مرّةً أخرى، من خلال روايته الأخيرة "ساعتان ساحتان"، مسلطاً الضّوء فيها على التركيبة الاجتماعيّة المعقّدة للمجتمع السّوري، من خلال حقبة الأربعينات لمدينة داخليّة في سوريا، هي مدينة حمص.
لطالما كانت حمص أنموذجاً حقيقيّاً للتلاقي والتّعايش والتّمازج السّلس للأهواء والعقائد والطّوائف، فيما خلا بعض الحالات الشّاذة التي أشار الكاتب إلى إحداها في روايته، فأبو فريد الذي ترك قريته ليجرّب حظّه في مدينة حمص أوائل الأربعينات؛ وجد حضناً دافئاً له ولأسرته الصّغيرة في أحد أحياء حمص القديمة، لكن ذلك لم يمنع تعرّضه للقتل على يد من يرفض وجود "الغرباء" في الحيّ.
مفارقات مشوّقة حملها إلينا الكاتب بقلمه الرّشيق، مشبّهاً بعبقريّة الكاتب المخضرم ساحتيّ حمص الشّهيرتين "القديمة والجديدة" بنمطي الفكر السّائدين في المجتمع، فالأولى ترمز للفكر المتصلّب القديم الذي توقّف مع عقارب السّاعة القديمة المنصوبة في السّاحة القديمة للمدينة منذ أيّام السّلطنة العثمانيّة والسّلطان عبد الحميد الثاني الذي أهدى المدينة تلك السّاعة في وقت سلب فيه أهلها أيّ حسٍّ بتقدّم الأزمنة، حابساً النّاس بين عقاربها ضمن موروث عفن كان نتيجة قرون من الجهل والتّخلف، يومها قام بتجديد مسجد الصّحابي الجليل خالد بن الوليد، بالتّزامن مع ملاحقة أصحاب الفكر التنويري، والمطالبين بالاستقلال عن العثمانيين، فكان لمفكّري المدينة النّصيب الأوفى من التنكيل والسّجن والمشانق، وساعة أخرى تسمّى السّاعة الجديدة نُصبت في ساحة ثانية للمدينة استحدثت في زمن لاحق، ترمز بتصميمها الحديث إلى الانفتاح والحضارة.
يستطيع القارئ الحاذق أن يتلقّف براعة الكاتب في الالتفاف على الموضوع وتجنّبه ذكر الأحداث الحاليّة التي تمرّ بها سوريا، من خلال الإسقاطات التي ساقها في روايته، والتي تحملك فوراً إلى التّفكير والمقارنة من دون أن يتحمّل الكاتب تبعات ذلك، إذ يكفي تلك التلميحات التي أوردها فيما بين السّطور كسؤال بطلة الرّواية "جوادة" -التي تمثّل الجمال والشّباب والضّمير والرّوح المنفتحة على متغيرات الحياة- لذاك الشّاب الذي أعجبت به : "رأيت في بيت جميل صورة سيف معلّقة على الجدار كُتب عليها (لا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار) فما معنى ذلك؟". طبعاً لم يُجبها الشّاب، بل ترك الإجابة لموعدٍ ثانٍ لم يتم، ليترك الكاتب الإجابة للقارئ يفصّلها على هوى أفكاره وميوله.
لا تختفي اللغة الشعريّة القويّة طوال الرّواية لتعوّض قلّة الأحداث فيها، إذ يشبّه الكاتب بطل الرّواية بديك الجنّ الحمصي، ويستلهم طوال الوقت جلساته النشوانة في "الميماس" على ضفاف نهر العاصي، وعشقه الماجن لحبيبته وغلامه في آن معاً، وشعره الذي امتزج بماء النّهر امتزاج الشّراب بالماء.
دفقة مشاعر صادقة، وعودة إلى زمنٍ جميل شوّهته العقارب المتوقّفة للسّاعة القديمة، ينقلنا إليه الأديب زهير جبّور فيما يقارب المائة وخمسين صفحة.
والجدير بالذّكر أن زهير جبّور هو أديب وقاصّ وروائي وصحافي سوري، من المؤسسين للعديد من الصّحف والمجلات الأدبيّة في سوريا، وشغل العديد من المناصب الثّقافيّة والإعلاميّة، وكان رئيساً لفرع اتّحاد الكتّاب العرب في اللاذقيّة، وله حضور فاعل في كافّة الفعاليات الأدبيّة والثقافيّة في سوريا والعالم العربي.
هامش: "الميماس" منطقة خضراء شديدة الخصوبة، تقع على ضفاف نهر العاصي الذي يمرّ بالمدينة، والاسم قديم جداً مشتّق من اسم المدينة اليوناني إميسّا.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10