اغتيال الأصالة

عادل شريفي

2020.06.29 - 04:29
Facebook Share
طباعة



 كنتُ مع الشّلة في كافتيريا النّادي الرّياضي المطلّة على كورنيش البحر حين عبرت جدّتي بمشيتها الوئيدة من أمامنا. اقشعرّ بدني لرؤيتها وهرعت إلى الخارج لملاقاتها مناديةً:
"تيتا.. يا تيتا".. استدارت نحوي بابتسامتها الحانية، وأجابت: "جودي حبيبتي"..
: "أجل يا تيتا.. لكن كيف؟ أنتِ ميّتة منذ عشر سنواتٍ يا تيتا!".. ضحكت الجدّة وأجابت:
"أنا الأصالة يا ابنتي.. ربّما دفنتموني منذ ذلك التّاريخ.. ولكن الأصالة لا تموت..".. تأمّلت الجدّة وجه حفيدتها مليّاً، وقالت باستغراب: "ولكن ما الذي تغيّر فيكِ يا جودي؟! تبدين غريبة عليّ"..
: "لا شيء يا جدّتي.. لكن بعض التّجميل لأنفي ربّما.. وربّما خدودي وشفتيّ".. أجابت جودي مبتسمة وهي ترفع حاجبيها بخيلاء، غير أنّ الجدّة أجابت وهي تهزّ رأسها بلا مبالاة:
"ولكنك كنتِ أجمل يا جودي".. لم تلتفت جودي لقولها، وأمسكت بزند الجدّة محاولةً إدخالها إلى الكافتيريا قائلة: "تعالي يا تيتا اجلسي معنا.. فوالله لقد اشتقت كثيراً لكلامك وحكمتك".. نظرت الجدّة إلى طاولة الشلّة والعيون المشرئبّة نحوها، وقد تصاعدت سحب تدخين النارجيلة فوق الرؤوس كضباب يعانق الهضاب في صباحٍ صيفي ندي.. "ما هذه النّسخ المتعددة منك يا جودي؟!" .. ضحكت جودي ملئ شدقيها وأجابت:
"هن صديقاتي.. كاتي وجاكي.. وفوفو وزيزي".. قطّبت الجدّة حاجبيها وقالت: "يبدو أنّكن تترددن على ذات الطّبيب! أخشى يا ابنتي أنّ شابّاً واحداً سيغرم بكنّ جميعاً".. استغربت جودي كلام جدّتها هذا، لكنّها لم تلبث أن ضحكت وقالت: "يا تيتا.. وهل أبقت الحروب على شبابٍ؟".. ابتسمت الجدّة ابتسامة ممزوجةً بالأسى وهي تتفحّص لباس حفيدتها، ثمّ قالت معاتبةً: "ألهذا الحدّ افتقرتم؟ لدرجة أن تلبسي هذه الملابس الممزّقة!".. نظرت جودي لا شعورياً إلى ملابسها قبل أن تضحك من قلبها وتجيب: "إنّها الموضة يا تيتا.. هذه الملابس أغلى من الموديلات غير الممزّقة".. كان وقع الكلام ثقيلاً على الجدّة هذه المرة، إذ تملصّت من يدّ حفيدتها وبدأت بالابتعاد وسط نداءات جودي عليها.. "تيتا.. يا تيتا.. ".. فجأةً دوى صوت منبّه جوّال جودي معلناً وجوب استيقاظها. لمست شارة إبطال التنبيه، عدّلت ضجعتها، وقالت: "الله يرحمك يا تيتا.. أنت بالفعل رمز الأصالة"..........

عادل أحمد شريفي

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 1