بحث، شرق الفرات اسباب التنافس على المنطقة ، الجزء الثالث

اعداد خضر عواركة، دراسات ميدانية د. علي جمعة، تدقيق وتوثيق زينة يوسف

2020.06.16 - 05:41
Facebook Share
طباعة



الفصل الثاني: أسباب التنافس على منطقة شرق الفرات:
1. السبب الاقتصادي: هناك العديد من أسباب التنافس الدولي على منطقة شرق الفرات, ولعلَّ السبب الاقتصادي هو الأبرز, فعلى الرغم من معرفة خرائط توزع الحقول المنتجة للنفط والغاز في سورية، لكن لا تتوفر "حتى الآن"، إحصائيَّات دقيقة حول أرقام الإنتاج الفعلي لهذه الحقول، بسبب توزع السيطرة المتباينة للأطراف المتنازعة عليها، وإخفاء الأرقام الحقيقية للإنتاج في مناطق شرق الفرات، والأرقام المتداولة بين كل مراكز الدراسات تستند لأرقام الإنتاج المعلن عنها من قبل الحكومة السوريَّة في عام 2010م، وهي تعطي قيمة تنبؤية عن الوضع الحالي، وما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل، وهذه الأرقام السابقة توضح الأهميَّة الاستراتيجيَّة لشرق الفرات في إنتاج النفط والغاز, لكن وصلت أرقام الإنتاج النفطي السوري لحدود 386 ألف برميل نفط يومياً، والأهميَّة في الأمر أنَّ 90% من هذا الإنتاج مصدره شرق الفرات، وكذلك الأمر بالنسبة للغاز الذي بلغت أرقام إنتاجه عام 2010م, حدود 21 مليون م3، منه 45% من حقول المنطقة أيضاً, وفي أقصى الشمال الشرقي من محافظة الحسكة وبالقرب من الحدود التركية، تقع حقول الرميلان المتوزعة على أربع مناطق وهي السويدية وكراتشوك وعودة قرب القحطانية وعليان الزاربي، وفي الجنوب الشرقي من المحافظة، تقع حقول الشدادي والجبسة والهول، وحقل اليوسفية, وغاز حقل الجبسة، وفي محافظة دير الزور، تتواجد مجوعة من الحقول، أكبرها حقل عمر, وكذلك حقل التنك, وحقل كونيكو الغازي الأضخم في سورية.
2. النفط والغاز والطمع الأمريكي بهما: ما زالت الولايات المتحدة تتصدر مشهد السيطرة على حقول الطاقة في شرق الفرات، ومن المحتمل أنها تمتلك دراسات غير معلنة بعد عما تحتويه هذه المنطقة من مكامن نفطيَّة وغازيَّة واعدة وغنيَّة، خاصةً أن هناك دراسات مسحيَّة جيولوجيَّة لشركات أميركيَّة منذ العام 1997م لم يتم الإعلان عنها، وهذا ما يفسر الكلام الصريح للرئيس الأميركي حول حصة الولايات المتحدة منها، وبالإضافة إلى ذلك، هناك الدوافع الجيوسياسيَّة التي تعوضها عن قرار الانسحاب الجزئي من مناطق واسعة في الشمال السوري، فهي تدرك أنَّه عبر إمساكها بورقة النفط والغاز، تستطيع الاستمرار بالضغط على دمشق لدفعها بالقبول بحل سياسي يستجيب للمطالب الأميركيَّة في إعادة تشكيل نظام سياسي جديد، تمتلك فيه القدرة على إدارة دفته السياسيَّة بما يخدم معركتها مع روسيا والصين بشكل أساسي، ولتأمين البيئة الإقليميَّة الآمنة لبقاء إسرائيل، بالإضافة إلى ضرورة تأمين موارد ماليَّة مستمرة لقوات سورية الديمقراطيَّة، التي تناط بها مهمَّة حماية الجنود الأميركيِّين في هذه الحقول، وهذا التمويل المستمر سيجعل من إمكانيَّة توجه هذه القوات نحو الاندماج مستقبلاً بقوات الجيش السوري مسألة صعبةً، ما يفاقم من حدَّة الموقف الانقسامي بين دمشق والكرد السوريين.
3. التوجه الروسي: تنظر روسيا بدورها إلى الموارد النفطيَّة والغازية المتركزة في سورية بشكل عام، وفي منطقة شرق الفرات بشكل خاص، كجزء من خارطة الصراع مع الولايات المتَّحدة في سورية وفي العالم، من منطلق اعتباره السلاح الذي تستخدمه الولايات المتحدة لتحجيم الدور الروسي في أوروبا بشكل أساسي، وفي بقية العالم، ولإدراكها طبيعة العلاقة بين الطاقة وهيمنة الدولار على التبادلات التجارية العالميَّة, لذلك، تصيب روسيا في خضم سعيها للسيطرة على هذه الحقول، ومن ثم إعادتها إلى سيطرة الدولة السوريَّة مجموعة من الأهداف في آن معاً، تتباين بين إخراج الولايات المتحدة من سورية، وحرمان تركيا من الاستيلاء على ورقة شديدة الأهميَّة بالنسبة للروسي، وتمنع استمرار قوات سورية الديمقراطيَّة من استحواذها على موارد الطاقة، وبما يسهم في إنهاء مشروعها السياسي، وعودة كامل المنطقة للإدارة المركزية لدمشق، وهي بذلك تحقق التزامها بوعودها لحلفائها، وعدم تخليها عنهم.
4. الأطماع التركية: لا تغيب الأطماع التركيَّة بحقول النفط عن المشهد الحقيقي، فعلى الرغم من سيطرة طموحات التمدد في الشمال السوري، فإن دوافع الإدارة التركيَّة بالسيطرة على حقول النفط تختفي خلف ادِّعاءات الأمن القومي التركي وتحقيق المنطقة الآمنة بعمق 33 كم، وهذه الاستراتيجيَّة إذا ما نجحت ستؤمن السيطرة على حقول الرميلان والسويدية، ما يؤمَِّن ما مقداره 206 آلاف برميل من النفط، بالإضافة إلى 2 مليون م3 من الغاز, ويعتقد الأتراك أنَّهم إذا نجحوا في هذه المهمة، سيعززون أوراقهم في رسم المستقبل السياسي لسورية، من خلال استمرار الضغط الاقتصادي على دمشق، وحرمان القوى السياسيَّة الكرديَّة من مصادر التمويل، ويحقق ذلك لهم الخطوة الأولى لتأمين إنتاج نفطي وغازي داخلي وفق تصورهم، وها هي تركيا تسعى للتمدد باتجاه الجنوب بذريعة منع تنظيم الدولة من الانبعاث من جديد، وهذا يعني الوصول إلى حقول النفط والغاز في جنوب الحسكة والرقة وشرق دير الزور, وكانت صحيفة “واشنطن إكسامينير” كشفت عن سر التعطش التركي لهذه الموارد، ودورها في الصراع السياسي التركي الداخلي.
5. “قسد” والنفط المصيري: حيث لا تغيب قوات سورية الديمقراطية (قسد) عن مشهد الصراع على الموارد النفطيَّة في منطقة الجزيرة، وأمكن لها السيطرة على أكثر من 80% من النفط السوري، ما أمّن لها موارد ماليَّة بقيمة نحو 376 مليون دولار جراء بيع نفط سورية لدمشق، عدا عن النفط غير المحدَّد الحجم والقيمة الذي يهرب إلى الشمال العراقي، ومنه إلى تركيا بإدارة أميركيَّة، وكذلك إنتاج الغاز، وهي تعتبر الأمر مصيَّرياً لبقائها في بيئة متنوعة تطمح فيها العشائر العربيَّة لنيل حصتها منها، وقد تنبَّهت قوات سورية الديمقراطيَّة لخطورة الأمر بعد الاضطرابات والمظاهرات العربيَّة شرق دير الزور، ما دفع بالمملكة العربيَّة السعوديَّة لإرسال وزير الدولة السعودي "تامر السبهان" لاحتواء موقف العشائر العربيَّة الطامحة بزيادة حصصها من الموارد النفطيَّة، بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ بقاء السيطرة يمنحها ورقة قوة في المفاوضات مع دمشق، لتحصيل شرعيَّة سياسيَّة لمشروع الإدارة الذاتيَّة، والاعتراف بهيكليَّة شبه مستقلة لقوات سورية الديمقراطيَّة, وتبقى دمشق الخاسر الأكبر حتى الآن في المعركة حول الموارد النفطيَّة، وهي رغم الشرعية التي ما زالت تحافظ عليها وفق المعايير والقوانين الدوليَّة، فإنها حرمت من 90% من الموارد النفطيَّة، و45% من الموارد الغازيَّة، ما ألقى أعباءً باهظة الثمن على اقتصادها شبه المتوقف عن العمل، وحرمها من موارد ماليَّة ضروريَّة لاستمرار دعم سبل الحياة الأساسيَّة ونفقات الحرب، وتطور الأمر أكثر بعد توقف شراء النفط المهرب من شرق الفرات بأوامر أميركيَّة، ولذلك تعتبر دمشق أن معركة استعادة موارد النفط والغاز أولويَّة قصوى في معركتها لاستعادة السيطرة على كامل الأرض السوريَّة، وطرد كل قوى الاحتلال التي دخلت إلى سورية بشكل غير شرعي.
في المحصلة، ليست معارك السيطرة على النفط سوى أحد أبرز أوجه ساحات الحرب السورية، وهي من أخطر الساحات وأشدها تأثيراً في مسارات الحرب، وتحديد مستقبل سورية الجيوسياسي في نظام دولي جديد سيتبلور خلال عقد من الزمن.
6. السبب السادس هو الصراع والتنافس الدولي والجغرافية السياسيَّة, حيث تعود منطقة شرق الفرات لترسم جملةً من التفاعلات الجديدة بين القوى الفاعلة في الجغرافيَّة السوريَّة، وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكيَّة وروسيا الاتحاديَّة، ويحاول الطرفان تبادل التضييق في البقعة الجغرافيَّة المحيطة بمدينة القامشلي، لما تشكله من موقع ونقطة استراتيجيَّة لحكم عموم شرق الفرات, وتتسم الخطوات الأمريكيَّة بالعودة الحذرة لمنطقة غرب مدينة القامشلي نتيجة تغير السيطرة على الأرض بعد عملية " نبع السلام" مع حدوث انتشار واسع للقوات الروسية في المنطقة؛ في حين تمتلك الولايات المتحدة قوَّة ميدانية تتمثل بقوات "سورية الديمقراطية"، تفتقر روسيا لهذا العامل مما يدفعها لمحاولة تشكيل فصائل عسكريَّة في المنطقة، لتحقيق أهدافها في التضييق على واشنطن والإدارة الذاتية، ولتكون ذات ولاءٍ مباشر لها.
7. السبب السابع هو الموقف التركي من الأحزاب الكرديَّة, فمصير أي اتفاق كردي بيني يرتبط بدرجة مقابلته للمطالب التركية سواءً من الأطراف الكُرديَّة أو من الولايات المتحدة الأمريكيَّة؛ حيث يواجه أي اتفاق بين المجلس الوطني الكُردي وحزب الاتحاد الديمقراطي معوقاتٍ مستحدثة تتمثل بالتمثيل العربي ضمن قوات سورية الديمقراطيَّة، والقوات الأمنيَّة للإدارة الذاتيَّة بالإضافة لوجود مدن عربيَّة رئيسيَّة ضمن مناطق سيطرة الإدارة؛ الرقة، منبج، ومناطق ريف دير الزور الشرقي، ويُفترض أن تلبي أي صيغة توافق بين الأطراف الكُرديَّة تطلعات المجتمع العربي في المنطقة من مشاركة أوسع في مؤسَّسات الحكم.
8. السبب الثامن هو الشكل المستقبلي للقوات العسكرية في منطقة الجزيرة: فسابقاً كانت "وحدات حماية الشعب"، التي يعد مصيرها أحد أهم بنود الخلاف، و يظهر اليوم بأن "قسد"، ومن خلفها واشنطن يغلقان الأبواب أمام نقاش مصير القوات العسكرية في المنطقة، عبر لعبهم دور المُيسّر للحوار وأحد الضامنين له, وحديثاً يتم التركيز أكثر على هذه النقطة، " فقسد" تبتعد عن تموضعها العسكري لتصبح مديراً للحوارات وميسراً لها، ويبدوا أن المجلس الوطني الكُردي قد قبل بهذا الدور الذي تلعبه "قيادة قسد" مع استمراره في الحوارات، وضمن هذا المشهد يغيب دور " مجلس سورية الديمقراطي مسد"، والأحزاب المتبقية ضمن الإدارة الذاتيَّة مع وجود تركيز أمريكي على دور حزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات سورية الديمقراطيَّة.
  

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9