بحث: شرق الفرات، التركيبة السكانية ، الجزء الاول

اعداد خضر عواركة، دراسات ميدانية د. علي جمعة، تدقيق وتوثيق زينة يوسف

2020.06.16 - 05:18
Facebook Share
طباعة


الفصل الأوَّل:
التوزع الديموغرافي للقبائل, والتركيبة السكانيَّة في منطقة شرق الفرات:
الموقع والتركيبة السكانيَّة:
يجمع الجغرافيَّون العرب على تسمية المنطقة التي تقع شرق الفرات في سورية بالجزيرة، لأنَّ أراضيها تقع بين نهري دجلة والفرات، إضافة إلى أنَّ روافد هذين النهرين تتم إحاطتهما بالمياه من كافة الجهات, ما جعلها محط رحال العديد من القوميات عبر العصور.
بدأت هجرة القوميَّات ونزوحها إلى مدن الجزيرة منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر, واستمر حتى النصف الأول من القرن العشرين، وكان أسبابها الحروب بدءاً من الحرب العالمية الثانيَّة, والاقتتال الحاد في أطراف الدولة العثمانيَّة, وما تلاها من مذابح الأرمن والسريان وما عايشه الأكراد من حروب, وقيام الاتحاد السوفياتي بداية القرن الماضي, وبالتالي تكوَّنت منطقة شرق الفرات من عدة قوميَّات بالإضافة للعشائر العربيَّة قديمة الوجود, وتتمثَّل بما يلي:
1. الأكراد:
شهدت منطقة الجزيرة تبدلات سكانية كبيرة خلال الحقبة العثمانية، وذلك مع بدء السياسة العثمانيَّة القاضية بإسكان العشائر الرحل (التركمانيَّة والكرديَّة), كما شهدت منطقة الجزيرة من منتصف القرن الثامن عشر، نزول عشائر كردية من نمط العشائر الرحل وأنصاف الرحل مثل "الميران والكيكان والدقورية والبرازية ورشوان" من مناطقها الجبليَّة إلى سهول الشمال السوري الحاليّ في فصول معينة للرعي، وقد استعربت بقدر كبير متأثرة بالعشائر العربية في المنطقة.

زيارة قصيرة الى التاريخ
خلال القرون الأولى للإسلام، ظلت سورية وكذلك المنطقة الشماليَّة والشرقيَّة في الجزيرة حتى نواحي ديار بكر بغالبيَّة سريانيَّة وعربيَّة، قبل أن ينتشر فيها العنصر التركي والكردي في القرون المتأخرة، لتتحول المنطقة ولمئات السنين اللاحقة إلى ساحة للصراع بين الإمارات المتنافسة، من عباسيين وفاطميين وبويهيين وسلاجقة وأتابكة ومغول وغز وأكراد ومماليك وعثمانيين.
وابتداءً من القرن الثامن للميلاد تقريبًا، بدأت القبائل الكردية هجرتها خارج مناطقهم التقليَّدية في إقليم الجبال (إيران الحاليّة)، وانتشرت في أنحاء البلاد ومنها منطقة الجزيرة السورية، وذلك لأسباب تتعلَّق بطبيعة حياة القبائل الكرديَّة، لارتباطها بالرعي من جهة، ولأسباب أخرى عسكريَّة وسياسيَّة، شجعها على ذلك علاقتها الجديدة في محيطها، وشهدَ العصر العباسي بشكل خاص انتشارًا واسعًا للأكراد، حتى وصلوا إلى نواحي ديار بكر في الجزيرة، قاطعين لأول مرة نهر دجلة باتجاه الغرب.
والآن تتوزع العشائر الكرديَّة على طول الحدود التركيَّة، من المالكية (ديريك) في أقصى الشمال السوري بمنطقة "منقار البطة"، وصولًا إلى عفرين في ريف حلب الشمالي، ويراوح عمق المناطق التي يتوزع فيها الأكراد في هذا الشريط الحدودي بين 5-20 كيلومترًا.
2. التركمان:
التركمان أو الترك هم أقوام هاجرت من أواسط آسيا باتجاه منطقة الأناضول وشرق المتوسط، وينحدرون جميعهم من قبيلة "الأوغوز" التركيَّة نسبة إلى جدهم الأكبر "أوغوز خان"، ويقدر عددهم في سورية بـ 484 ألف نسمة, حسب أرقام عام 1997م, ويتكلَّمون اللُّغة التركية العثمانيَّة بالإضافة للعربيَّة، وبسبب الاختلاط مع الأغلبيَّة العربيَّة في سورية أصبح هناك نسبة كبيرة من التركمان يتحدثون اللغة العربيَّة فقط، وخاصة من يقطنون المدن الرئيسيَّة.
وينتشر التركمان بالإضافة للمدن الرئيسية في مناطق الرقة ومنبج والباب وحوض الفرات والبليخ، حيث جرى إسكان جموع قبيلة "بي ديلي" في الرقة، وكذلك جماعة "بوز أولوس" في الأنحاء الممتدَّة من تل أبيض إلى ضفاف نهر البليخ، ومن عين العروس وصولًا إلى مدينة الرقة، وتراجعت أعداد التركمان شرق الفرات، حتى تم استيعاب من تبقى بشكل كامل ضمن ثقافة المنطقة، وغلب عليهم الطابع العربي حتى استعربوا تمامًا.
3. الشيشان والشركس:
الشيشان والشركس من قبائل القوقاز المسلمة، هُجِّر عشرات الآلاف منهم من مواطنهم الأصلية بعد الغزو الروسي لديارهم، وبدأت قوافلهم منذ عام 1861م تتجه نحو أراضي الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، وأسكن العثمانيون نحو 20 ألف منهم على الحافة الغربية من الصحراء السورية, واتجه الشركس نحو بلدة الرقة، محتفظين بعاداتهم وأزيائهم, لكنهم ما لبثوا أن انصهروا في بوتقة المجتمع هناك.
وشرع الشيشان ببناء مستوطنتهم في رأس العين على أنقاض المدينة القديمة التي كانت خرابة لعدَّةِ قرون، وبنوا قرى أخرى في المحيط، وزرعوا الأراضي في محيط رأس العين، وتخلوا عن تميزهم الثقافي واللَّغوي، وانصهروا في محيطهم العربي تمامًا منذ بدايات القرن العشرين.
4. الأرمن:
شكل الأرمن طلائع الأفواج المسيحية التي لجأت إلى سورية في بدايات القرن العشرين، فقد دفعت الصدامات بينهم وبين الحكومة في سنين (1895، 1908م)، وحوادث الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م) وما تخلَّلها من صدامات مع الأرمن أو ما عُرف “بمذابح الأرمن”، إلى ارتفاع عدد الأرمن في سورية، كما أدى انسحاب الفرنسيين المفاجئ من كيليكيا، ضمن اتفاقية أنقرة الأولى سنة 1921م وتخوف الأرمن، إلى زيادة معدلات هذه الهجرة أيضًا، وهناك إشارات كثيرة أيضًا إلى أن العوامل المادية والرغبة في تحسين الحالة الاقتصاديَّة كانت وراء زيادة الهجرة، وبلغت أعدادهم بموجب الإحصاءات الفرنسية في محافظة الجزيرة السورية سنة 1943م، نحو 9783 نسمةً, وخلال الأحداث السوريَّة انتقلت مجموعات الأرمن من منطقة تل أبيض إلى حلب, ثم انتقل معظم المهجَّرين إلى أرمينيا.

 

5. السريان:
شهدت الفترة بين عامي 1922م و1926م الموجة الثانية من الهجرات المسيحيَّة (السريانية) باتجاه الأراضي السوريَّة، وتحديدًا مناطق الجزيرة السوريَّة، مع التسهيلات التي وفَّرتها السلطات الفرنسيَّة لهم في تلك المناطق، ضمن سياسة فرنسة الإثنية آنذاك، وينحدر السريان الذين هاجروا تجاه الجزيرة من منطقتين رئيسيتين:
• منطقة طور عابدين: نسبة إلى جبل طور عابدين، وهم من بلدات وقرى زراعيَّة في مديات وآزخ ونصيبين، وكان معظمهم منضويًا تحت سلطة العشائر الكردية، ويحتفظ معظم هؤلاء بلغتهم السريانيَّة.
• منطقة ماردين: شكلت العربيَّة لُغة وهوية السريان المنحدرين من مدينة ماردين وقراها المحيطة, وأشهرها قلعتمرا (قلعة مرة) والقصور التي ينسب إليها معظم السريان في الحسكة الذين يعرفون بـ(القصوارنة).
وبدأت الهجرات السريانيَّة منذ عام 1922م، باتجاه الحسكة مباشرة، بعد تمركز الفرنسيين فيها، وشكلت العناصر السريانية طلائع جيش المشرق الفرنسي حينذاك، وقد قدَرت المفوضية الفرنسية عدد السريان سنة 1943م بنحو 20647 نسمة، وهي بذلك أكبر طائفة بين الأقليات المسيحية في المنطقة ولا تزال.
6. الآشوريون:
مثلت الهجرات الآشورية (النسطورية) المصدر الثالث من مصادر الهجرة المسيحية في القرن العشرين، حيث وصل عدد من هاجر منهم من العراق إلى سورية سنة 1934م، بعد المعارك التي اندلعت بينهم وبين الجيش العراقي، أواسط سنة 1939م لنحو 9000 آشوري في وادي الخابور، حيث منحوا أراضٍ على ضفتي الخابور بعد نقل العشائر العربيَّة منها.
7. اليهود:
مع السيطرة الفرنسية على الجزيرة، هاجرت نحو 150 أسرة يهوديَّة من بلدة نصيبين إلى البلدات التي شرعت فرنسا بإنشائها في منطقة الجزيرة، وبشكل خاص مدينة القامشلي التي بدأ اليهود ببناء المحال التجارية فيها، في المنطقة التي تتوسط السوق، وباتت تُعرف بالحي اليهودي، وتبين إحصاءات عام 1943 بأن عدد اليهود في القامشلي بلغ 1319 نسمةً، وفي عام 1970 كانت أعدادهم تصل بالكاد إلى 414 نسمةً في الجزيرة، ولم يبق منهم أحد الان بعد هجرتهم إلى “إسرائيل” وأوروبا.
8. القبائل العربية:
أولاً). الانتشار والتوزع:
استقرت القبائل العربية في منطقة الجزيرة، منذ ما قبل الإسلام سواء عن طريق الغزوات أو كمهاجرين، حتى غدت الجزيرة بالنسبة لهم ديارات عرفت بأسماء قبائلهم, وكانت الجزيرة جزءًا من الخريطة التاريخيَّة السورية في مختلف العصور، حيث يذكر بليني Pliny، أحد أشهر الجغرافيين اليونانيين (توفي 240 ميلاديًا) البلدان التي تقع ضمن سورية، فيجعل ضمنها مناطق الجزيرة الفراتيَّة (Mesopotamia)، وكذلك منطقة (Osrhoene) أي (حرّان والرها التي تحتلها تركيا وتعتبر جزء من جمهورية اتاتورك), وتمثل القبائل العربية 20٪ من المجتمع السوري وتتركز بشكل خاص في شرق البلاد.
ويتحدّر شطر كبير من السكان الذين يقطنون شرق سورية من أصول قَبَلِيَة, والقبيلة، ويقول "مازور" في كلية نافيلد بجامعة أوكسفورد, "تأثّرت الحياة السياسية للمجتمعات المحليَّة القبليَّة على نحو عميق بالسلطة المركزية منذ ستينيات القرن التاسع عشر، حين بدأت الإمبراطورية العثمانيَّة بتشكيل قاعدة إداريَّة دائمة شرق سورية، كجزء من الموجة الثانية من برنامج التنظيمات".
وفي العام 1956م، ألغت الدولة السوريَّة قانون القبائل الذي منح العشائر البدوية وضعية قانونيَّة مستقلة، بما في ذلك حق حمل السلاح, كما أسفرت الوحدة بين سورية ومصر العام 1958م، ثم استلام حزب البعث 1963 – 1970م السلطة إلى إطلاق جهود بدافع من الالتزام الإيديولوجي باقتلاع الطبقات القديمة القويّة، وتقليص سيطرة القادة القبليِّين على أفراد قبائلهم والحد من حيازتهم للأراضي.
وبعد وصول الرئيس السوري "بشار الأسد" إلى سدة الرئاسة العام 2000م، صدر مرسوم بخصخصة كل مزارع الدولة، وسمح لشيوخ القبائل الذين خسروا ملكياتهم الكبيرة خلال عملية توزيع الأراضي في الستينيات باستعادتها، وحتى أيضاً زيادة أراضي الحائزين عليها.
لكن، وعلى الرغم من التحوّلات الكبرى التي طرأت على التشكيلات الاجتماعيَّة القَبَلِية، لا تزال القواعد التقليديَّة تتحكّم بعملية اختيار قيادة القبيلة, ففي داخل كل قبيلة تُنتِج دوماً سلالة عائلة معيّنة الزعيم أو الشيخ, وهذه السلالة، التي تُسمى بيت المشيخة أو بيت العشيرة، لها وضعية مرموقة داخل القبيلة، وأي فرد منها- بما في ذلك أشقاء الشيخ وأبناؤه وأولاد عمومته وأبناء الأخ والأخت- يمكن أن يصبح شيخ القبيلة عقب وفاة الشيخ.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 10