في مشهد لم يكن في حسبان خصومه، خرج الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو من لقائه في المكتب البيضاوي بصورة مغايرة تماماً لتلك التي رسمتها له المعارضة في بلاده. فبعد أشهر من السجالات العلنية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، استُقبل بيترو في البيت الأبيض بأجواء وُصفت بالودية، وبتصريحات أمريكية غير مألوفة تجاه ضيف لاتيني اعتاد تحدي واشنطن.
اللقاء، الذي عُقد بعيداً عن عدسات الإعلام واستمر قرابة ساعتين، جمع الرئيسين بحضور مسؤولين من الجانبين. اللافت لم يكن فقط انعقاده، بل التحول في النبرة. فالرئيس الأمريكي، الذي سبق أن هاجم بيترو بعبارات قاسية، وصفه هذه المرة بـ«الرائع»، وأبدى انطباعاً مختلفاً عنه، في إشارة فسّرها مراقبون بأنها انعطافة سياسية محسوبة.
من التصعيد إلى المصافحة
العلاقة بين بوغوتا وواشنطن شهدت توتراً غير مسبوق منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025. وكانت أولى المحطات الصدامية عندما رفض بيترو استقبال طائرة عسكرية أمريكية تقل مهاجرين كولومبيين مُرحّلين، مطالباً بمعاملة «تحترم كرامة المواطنين». القرار فجّر أزمة دبلوماسية، تبعته تهديدات برفع الرسوم الجمركية، وإجراءات عقابية طالت شخصيات في الحكومة الكولومبية.
ثم جاء خطاب بيترو في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وجّه انتقادات مباشرة لسياسات واشنطن في الشرق الأوسط، ما زاد الفجوة بين الطرفين. ولم تتوقف المواجهة عند هذا الحد، إذ تصاعدت حدة التراشق الإعلامي في ملفات إقليمية أخرى، وسط احتفاء من المعارضة الكولومبية بما اعتبرته «مغامرات غير محسوبة».
لكن اجتماع واشنطن قلب المشهد. فبدلاً من الصورة التي روّج لها خصوم بيترو – رئيس محاصر أو مُحرَج – خرجت صور رسمية تُظهر رئيسين يتبادلان الابتسامات، في مشهد ساهم في تهدئة خطاب التصعيد الداخلي، ولو مؤقتاً.
حسابات انتخابية دقيقة
يأتي اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ تستعد كولومبيا لانتخابات تشريعية ورئاسية خلال أشهر قليلة. وكانت قطاعات من اليمين تراهن على فشل الزيارة أو وقوع حادث بروتوكولي يعزز خطاب التخويف من «خسارة الحليف الأمريكي». غير أن النتائج جاءت معاكسة لتلك التوقعات.
يرى محللون أن مجرد انعقاد اللقاء، بعيداً عن الإهانات المعتادة أو الأسئلة المحرجة أمام الإعلام، منح بيترو مساحة سياسية إضافية. فالرجل الذي قدم نفسه منذ حملته الانتخابية كزعيم قادر على مخاطبة واشنطن «نداً لند»، استطاع أن يظهر لجمهوره أنه قادر على إدارة الخلاف دون قطع الجسور.
في المقابل، يعتقد مراقبون أن الإدارة الأمريكية اختارت التهدئة لأسباب تتعلق بأولويات داخلية وضغوط سياسية متصاعدة في واشنطن، ما انعكس على طبيعة اللقاء ونبرته. وبين هذا وذاك، تبدو الحقيقة الأوضح أن السياسة لا تعرف الثبات، وأن المصالح تتقدم على العواطف.
رسائل متبادلة
البيان الصادر عن البيت الأبيض ركز على «أهمية التعاون في ملفات الأمن ومكافحة المخدرات والاستقرار الإقليمي». أما بيترو، فشدّد في تصريحاته على «فتح صفحة واقعية للحوار»، مع الحفاظ على استقلالية القرار الكولومبي.
في الداخل، انقسمت التفسيرات. أنصار الرئيس اعتبروا أن اللقاء أسقط سردية «العزلة الدولية»، وأثبت أن واشنطن مضطرة للتعامل مع بوغوتا بواقعية. أما المعارضة فحذّرت من الإفراط في التفاؤل، معتبرة أن صورة واحدة لا تعني تحولاً استراتيجياً دائماً.
ما الذي تغيّر؟
التحول المفاجئ في نبرة ترامب أثار تساؤلات عديدة. فالرئيس الأمريكي المعروف بأسلوبه الصدامي، بدا أكثر هدوءاً في تصريحاته اللاحقة للاجتماع. بعض التقديرات ربطت ذلك بانشغالات داخلية طارئة أربكت المشهد السياسي في واشنطن عشية اللقاء، ما جعل أولوية الإدارة هي تجنب فتح جبهة إعلامية جديدة.
لكن، بصرف النظر عن الأسباب، فإن النتيجة السياسية المباشرة كانت في صالح بيترو. فقد خاض مخاطرة واضحة بقبول الدعوة في هذا التوقيت، مدركاً أن أي مشهد سلبي قد يُستثمر ضده انتخابياً. إلا أن الرهان – حتى الآن – يبدو أنه أتى بنتيجة معاكسة لتوقعات خصومه.
بين الرمزية والواقع
لا يعني دفء اللقاء أن الخلافات الجوهرية قد انتهت. ملفات الهجرة، والتجارة، والسياسات الإقليمية، لا تزال تحمل نقاط تباين واضحة. غير أن السياسة الخارجية كثيراً ما تقوم على إدارة الخلاف لا إلغائه.
بالنسبة للرئيس الكولومبي، شكلت الزيارة فرصة لإعادة ضبط الإيقاع قبل الاستحقاقات الانتخابية. أما بالنسبة للرئيس الأمريكي، فقد مثّلت رسالة مفادها أن واشنطن قادرة على الفصل بين الخطاب الانتخابي وإدارة الدولة.
في المحصلة، خرج بيترو من واشنطن بصورة أقوى مما دخل. لم يكن اللقاء استسلاماً، ولا كان انتصاراً ساحقاً، لكنه كان تحولاً في التوازن الرمزي. وفي السياسة، كثيراً ما تصنع الرمزية نصف المعركة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستترجم هذه الهدنة إلى تفاهمات عملية طويلة الأمد، أم أنها مجرد محطة عابرة في علاقة معقدة تحكمها المصالح المتغيرة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن مشهد المكتب البيضاوي أعاد خلط الأوراق في بوغوتا، وأربك حسابات كانت تبدو محسومة قبل أسابيع قليلة.