"وطنٌ ولكِن ! "

كتبت مايا شعيب

2022.12.19 - 03:43
Facebook Share
طباعة

 في بلدٍ يكابد شعبه تحت وطأة أزمة لم يشهدها من قبل، تمزق سياسي معتاد يقابله تكاتفٌ اجتماعيٌ فهل فعلت الأزمة ما عجزت عن فعله "البحبوحة" التي لم ينعم بها اللبنانيين مطوّلاً؟؟
من الجنوب إلى بيروت مسارٌ لا يتخطى بضع كيلومتراتٍ إلا أنّه يمثّل مشهداً مصغّراً من مشاهد الحياة الإجتماعية في لبنان، لقد عادت مشاهد البؤس بقوّة إلى الشارع بصورٍ متنوعة: شبان يحملون بضائع متواضعة يتوسلون المارة بسياراتهم و المشاة شراءها و لا يخلو توسلهم هذا من عباراتِ التسوّل و الشكوى، نساءٌ يحملن أطفالهنّ يتسولن لتأمين الغذاء أو الدواء، فتيانٌ و فتياتٌ يسرعون إلى السيارات و يتحيلون الفرص لتنظيف الزجاج لقاء أجرٍ أو "صدقة" يتكرم بها السائقون…
أطفالٌ حفاة و شبان نحيلو الجسم و نساءٍ قد ظهر البؤس على وجوههنّ في المقابل سيّارات العابرين الفارهة و الفخمة و وجوه ربما لم تسمع عن الجوع و الفقر و العوز إلا في الأخبار و الروايات وبين أولئك و هؤلاء يتمزق الفكر و يعجز المنطق عن تفسير تلك المعادلة التي مزّقت أبناء الوطن بين طبقاتٍ سحقتها الأزمة و أخرى لم تنتقص من ثرواتها قرشاً… هذا الحال كان على طول الطريق المؤدي إلى العاصمة.
أمّا في الأسواق فقد عادت متاجر الملابس المستعملة تنتشر بكثرة و زاد الإقبال عليها خاصة في المناطق الشعبية التي كان يصنّف ساكنيها من الطبقة الوسطى قبل الأزمة و باتت تلك المتاجر ملجأهم الوحيد لتأمين كسوة عائلاتهم ، لكن هناك أسواقاً في مقلبٍ آخر لا يزالُ الحالُ فيها طبيعياً على الرغم من إقفال بعضها إثر بدء الأزمة إلا أنّ الطبقة التي اعتادت تسوّق "البراندات" لم تتأثر بمفاعيل الأزمة على ما يبدو! فزينة الأعياد تضيء مداخل المحال و إن بدت هذا العام أقلّ تواضعاً من ذي قبل، لكنّ "زيائنها" لا زالوا يتبضعون حاجياتهم التي تبدو أسعارها خيالية أحياناً حيث يقارب سعر حذاءٍ هنا أضعاف راتب الموظف!
وبين الصورتين النقيضتين شرائح إجتماعية أبت أن تتخلى عن أبنائها في الظروف الصعبة و تكافلت فيما بينها للحفاظ على العيش الكريم لهم فتجلّى تضامنهم الاجتماعي على هيئة جمعيات أهليّة و محليّة تخطت في الكثير من المناطق الحدود المذهبية و الطائفية وانضوت تحت شعار العمل الإنساني بمساعدة متطوعين أو ناشطين سابقين في العمل الاجتماعي،وكان الهدف من " الحركات الاجتماعية الأهلية" التعاون لتسديد العجز للعائلات التي عجزت عن تغطية نفقات أفرادها لاسيما الاساسية و الملحة من غذاء و دواء و استشفاء وتعليم إلى ما هنالك من مستلزمات العيش الكريم الذي تخلّت الدولة عن تأمينه لهم…لعلّ الأزمة بكل مساوئها و سوداوية مشاهدها وثقلها على كاهل المواطنين إلا أنها استطاعت كسر الحواجز التي بناها النظام الطائفي بين أبناء الوطن وأظهرت مرة جديدة أنّ الشعب الذي يسعى إلى التوحد في الأزمة لا يليق به أن يكون محكوماً من سياسيين عاجزين عن التلاقي على طاولةٍ للحوار!

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4