كتب خيري عمر: التدخل الدولي والحلقة المفرغة للانتخابات

2022.01.14 - 07:15
Facebook Share
طباعة

 على الرغم من أهمية العوامل المحلية/ الداخلية، تبدو العوامل الخارجية الأكثر تفسيرا لتوقف الانتخابات الرئاسية في ليبيا، حيث تبدو أهمية مناقشة الترتيبات المتعلقة باكتمال الشخصية الاعتبارية للدولة ومدى التوافق الدولي حول مجريات المرحلة الانتقالية، ومن ثم، المشكلات المتعلقة بتشغيل السيادة وتأثيره على بناء السلطة والانتقال السياسي. ما يثير النقاش بشأن سياسات الأمم المتحدة وأولويات الدول تجاه السياسة في ليبيا ومدى انعكاسها على العملية السياسية ومستقبل البلاد.


لدى تناول الموقف الدولي تجاه الانتخابات والعملية السياسية في ليبيا، تبدو أهمية توضيح طبيعة التدخل الدولي وصلاحياته، حتى يمكن تقييم حالة التقدّم والتخلف في الاضطلاع بالمسؤولية المُناطة ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. من الناحية القانونية، تأسّس التدخل الدولي على القرارين 1970 و1973 تحت الفصل السابع، المواد 39 – 42، حيث يتمتع مجلس الأمن بسلطة تقدير شكل التدخل. وبعد وقف العمليات العسكرية، المادة 42، في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، انتقل دور الأمم المتحدة للبعثة الدولية للعمل وفقاً للمادة 41، والتي تحظى بصلاحيات في الرقابة على الشؤون المدنية وضبط تسييرها. وجاء تفصيل مهام البعثة في القرار رقم 2009 لسنة 2011 متمثلاً في دعم الجهود الليبية الرامية إلى الحوار السياسي ورعاية الشؤون الاقتصادية، ومنحها سلطات واسعة استخدمتها، فترة ما بعد المؤتمر الوطني العام، في تقنين أوضاع الحكومات في 2015 حيث اتفاق الصخيرات، والتأسيس للمرحلة التمهيدية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. تبدو هذه الصيغة أقرب إلى الوصاية منها للدعم، حيث تعمل كسلطة إقرار، ويكشف أداؤها، في بعض المراحل، عن وجود إرادة أصلية، جديدها أخيرا تشكيل لجنة الحوار السياسي ومنحها سلطة سيادية من دون الاعتبار لموقف مجلس النواب أو غيره من السلطات الليبية.


كما كان ملاحظاً، أيضاً، تدخل المبعوثين الدوليين في كل تفاصيل السلطة والاقتصاد والمصالحة الوطنية، لعل أدوار الوساطة في تشكيل حكومة الوفاق والوحدة الوطنية تُمثل أعلى درجات الوصاية، حيث لم ترتبط بإضفاء الصفة الثانونية على التصرّفات فقط، وإنما عملت على إنشاء طريق دخول الليبيين السياسة والحرب، ولعل اللقاءات المباشرة مع الفروع المختلفة للحكومة ترسّخ حالة الانضواء تحت مظلة مجلس الأمن/ البعثة الدولية، فلقاءات المبعوثة ستيفاني ويليامز وغيرها مع وزراء ومسؤولين محليين هي بمثابة إعمال للسيادة الأممية، وإنقاص من وظائف المجلس الرئاسي، رئاسة الدولة، ووزارة الخارجية.


ولدى متابعة المؤتمرات الدولية في السنوات الماضية، يمكن ملاحظة خضوع المسألة الليبية لاختصاص مجلس الأمن سلطة نهائية لإضفاء الصفة الاعتبارية للحكومة، حيث تؤول كل الأنشطة لترتيباتٍ من المجلس، تنفذها البعثة تحت الفصل السابع. في هذا السياق، يُعد مسار برلين الصورة الأخيرة في الوصاية الأممية على ليبيا. ويمكن القول إنه منذ سقوط معمّر القذافي، بدت مواقف الدول مرحلية، بحيث لا تُوجد سياسة مستقرّة تجاه العملية السياسية في ليبيا، وخصوصاً ما يرتبط بالانسحاب والتدخل، فلم تحظ المؤسسات المنتخبة، المؤتمر الوطني، وتلك التي رتبتها الأمم المتحدة، حكومة الوفاق الوطني، لإنجاز الانتقال السياسي، بل ظهرت توجهات لدعم الخارجين عليها، بشكل يوضح أن التدخل الدولي في 2011 اقتصر على التخلص من النظام الجماهيري.


خلفية المواقف الدولية

وعلى مستوى تفاعل الدول، انفردت أوروبا والولايات المتحدة بتسيير الوضع في ليبيا، وهو ما ظهر في اختيار المبعوثين الدوليين، فيما التزمت روسيا بالحياد. وعلى الرغم من الهيمنة الأوروبية الأميركية، وقعت سياستهم في تناقضاتٍ أدّت إلى ترنّح الحل السياسي، وخصوصاً مع التراخي في تطبيق الاتفاق السياسي، الصخيرات، والتخلي عن دعم مؤسّساته، بشكل سهل من شن الحرب على طرابلس في 4 أبريل/ نيسان 2019 من دون إدانة واضحة، بل سادت انطباعات عن وجود رغبة في منح الحرب فرصة لتكون الحل الأخير.


وبعد فشل محاولات تمكين اللواء المتمرّد، خليفة حفتر، من السلطة في ليبيا، طُرحت الانتخابات وسيلة لإبعاد روسيا التي بدأت في تطوير وجودها عبر مرتزقة الشركات الأمنية، بالإضافة إلى دخول تركيا لدعم الخيار الأممي، حكومة الوفاق، كما بدأت مصر في الانفتاح على كل الأطراف الليبية. اقتربت هذه التغيرات من بلورة ما يمكن اعتباره حلاً شرقياً للأزمة في ليبيا.


وعلى الرغم من نجاح البعثة الأممية في ترتيبات المرحلة التمهيدية، فقد تكَسَّرت جهودها لاختلاف الهدف من عقد الانتخابات الرئاسية، فبينما تريدها الولايات المتحدة وأوروبا وسيلة لتموضع نفوذهما وإبعاد القوى غير الغربية من ليبيا، عبّرت روسيا عن رغبتها في إثبات حق سيف الإسلام القذافي في الترشّح، كما لقي المرشّحان الآخران، خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة، تسهيلات سمحت بترشيحهما رغم وجود إشكالات سياسية/ قانونية، لتبدو خريطة المرشّحين أكثر تناقضاً محلياً ودولياً.


وفي ظل تقارب تصورات الدول عن المسار السلمي، قد يكون الحديث عن السيادة متوافقاً مع إعادة بناء السلطة وتعزيز قدرات الدولة وتمكينها من الموارد، فيما تكون تحميلها بمكافحة الإرهاب عبئاً لا يتناسب مع انتشار السلاح وفشل الدول، حيث تبدو الصعوبة في غموض أولويات الانتقال السياسي، وخصوصاً مع نقص السيادة وكثافة التداخل الدولي. وبالنظر إلى تداخل الانتخابات والمصالح الدولية، تتراجع احتمالات انعقادها، بسبب اختلاف بعض الدول بشأن وظيفة الانتخابات وإثارة الخلاف في القاعدة الدستورية والاستفتاء على مشروع الدستور، حيث يُراكم حزمة مبرّرات تدعم بقاء الوضع القائم. وفي وقت مُبكر، بدأ الاتحاد الأوروبي في نشر توقعات بتأجيل الانتخابات. في بداية ديسمبر/ كانون الأول، أشار الناطق باسم الاتحاد الأوروبي، لويس بوينو، إلى وجود صعوبات أمنية وتوقع زيادتها، واعتبر حصار محكمة سبها مثيراً للقلق، ويمس بنزاهة الانتخابات. كما رفض التعليق على قبول ترشيح سيف الإسلام باعتباره قراراً سيادياً. ومع حلول تأجيل الانتخابات، ظهر توجّهان إزاء مستقبل حكومة الوحدة، فبينما يذهب الأول إلى القول بانتهاء سلطة الحكومة، ما يتطلب وضع خريطة طريق لتجنب الفراغ السياسي، وفي غالبها آراء محلية. أما الثاني، حيث رأت البعثة، 23 ديسمبر/ كانون الأول، باستمرار الحكومة حتى انتخاب أخرى تتسلّم السلطة، وهو ما لقي تأييد فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث تلاقت المواقف على أهمية تحديد موعد للانتخابات. ودعا وزير الخارجية التركي، تشاويش أوغلو، في نهاية الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) إلى أهمية تجنب النزاع حتى انعقاد الانتخابات باعتبارها الضامن لوحدة الدولة وآلية الخروج من الوضع الحرج.


البعثة والعملية الانتخابية

وفي ما يتعلق بالموقف من قانوني الانتخابات، لا يتضح استقرار البعثة الأممية على قاعدة سياسية أو قانونية، حيث قبلت قانون انتخابات الرئاسة، على الرغم من العيوب الشكلية والموضوعية، عندما تجاهل المُشرع اتفاق الصخيرات، خطة الأمم المتحدة واللجنة الدستورية وتجاوز استشارة مجلس الدولة. كما اعتبرت دول عديدة قوانين الانتخابات شرعية لمجرد أنها صادرة عن مجلس النواب من دون فحص شروط إصدارها. وبغض النظر عن تغييب مجلس الدولة عن اجتماعات روما، كان لافتا أن ستيفاني ويليامز قابلت رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، ضمن جولاتها على الأطراف الليبية، ما يكشف عن نمط من الاستسهال في تناول مشكلاتٍ هي الأكثر تعقيداً في تاريخ ليبا.


ومع تعيين ستيفاني ويليامز مستشارة للأمين العام للأمم المتحدة، 12 الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، لتهيئة البيئة المحلية والإقليمية لدعم الانتخابات، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ مسارات الحوار الليبي الثلاثة، السياسي والأمني والاقتصادي. ويمكن ملاحظة أن مسؤولي الأمم المتحدة فقط يتحرّكون في كل مناطق ليبيا، ويلتقون مع ممثلي المؤسسات الرسمية والبلديات والجهات الفاعلة السياسية والأمنية والمجتمع المدني وزعماء القبائل، ومرشّحي الانتخابات. وقد ركزت البعثة على التواصل السياسي على أساس المساعي الحميدة وجهود الوساطة، لدعم الراغبين في التصويت 2.4 مليون ناخب ومنع تقويض الاستقرار. ومع الخلاف حول مصير الانتخابات، أبدت بعثة الأمم المتحدة، 21 ديسمبر، قلقها من نشر المجموعات المسلحة في العاصمة، واعتبرته يمثل قيداً على إجراء الانتخابات والانفلات المُسلح. وتتضافر هذه المشكلات مع عيوب القوانين وتزايد الخلافات بين المرشحين.


ومع تعقد ظروف الانتخابات، صارت الأمم المتحدة على قناعةٍ بتأجيل الانتخابات، عقب إعلان المفوضية الوطنية في 22 ديسمبر. وعلى الرغم من تقاعس مجلس النواب عن تحديد موعد لاحق، اقتصر تصريح الأمين العام، أنطونيو غوتيريس، على ضرورة احترام المسجلين في قوائم الناخبين، وعددهم 2.8 مليون، وارتفاع عدد المرشحين، باعتبارهم إرادة شعبية وأرضية مناسبة لتحويل الصراع والانتقال السلمي. ووفقاً لتقييمات البعثة الأممية، ستيفاني ويليامز، لم يتجاوز الملف الليبي حالة مستوى المشاروات من دون تحقيق نتائج، فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 واعتماد خريطة طريق ملتقى الحوار السياسي الليبي في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه. فعلى الرغم من كثافة التواصل السياسي مع كل الأطراف، انفتح تأجيل الانتخابات من دون موعد تقريبيي. وكان لافتاً ترك البعثة المسؤولية عنها كلأً مشاعاً فيما بين مجلس النواب والمفوضية والقضاء، وهي ممارساتٌ تتشابه مع المرحلة السابقة، حيث لم تُكمل مشوار أي عملٍ منذ 2014.


وعلى أي حال، ظلت مقاربات البعثة التطورات السياسية شكلية، ولم تطرح تصوّراً عن التعامل مع رغبة الليبيين في الانتخابات وحماية تطلعهم لتجاوز مرحلة الصراع، فقد اقتصر كلامها على المجموعات السياسية، ونادراً ما تناولت رغبة المُسجلين في قوائم الناخبين وكثرة عدد المرشّحين. وبهذا المعنى، تظل قاعدة تناول البعثة ضمن نطاق إعادة إنتاج الأزمات في مستويات السياسة، الاقتصاد والأمن.


وعلى الرغم من صلاحية البعثة الأممية في تكوين مؤسسات قانونية، تكلمت ويليامز عن الاستعداد للعمل مع المؤسسات الليبية، على الرغم من إعاقتها الانتخابات. ما يمثل انعكاساً للوظيفة السياسية، فعندما صاغت البعثة لجنة الحوار السياسي من 75 عضواً، كانت صاحبة سلطة أصلية مَكَنتها من إسباغ الصفة القانونية على العملية الانتقالية، غير أنها تراخت في المراحل التالية، وتركت الفرصة لمخالفة الأطر الانتقالية، فقد اكتفت البعثة بمشاهدة مدى قدرة الليبيين على الدخول في تسوياتٍ مستحيلة تحت مظلة اتساع الخلاف القانوني بين المرشّحين الثلاث، سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة. وفي هذا السياق، لم تتمكّن الجماعة الدولية من امتصاص التناقضات، بل تركتها تترعرع لتصنع فراغاً جديداً يحول دون خروج ليبيا من ولاية الفصل السابع، وتظل ناقصة السيادة، ما يزيد من احتمال وجود تصوّرات مسبقة لشكل الانتخابات ونتائجها، وهو ما انعكست آثاره على اهتزاز مسارها وتوقفها السكوتي من دون إعلان واضح بتأجيلها والتنكّر للمسؤولية عن الوضع الانتخابي، في حالة تكشف عن مدى هشاشة الجهات السياسية.


وإلى جانب تنافر المصالح الدولية، مَثلَت هشاشة المؤسسات جانباً مهماً في انفراط العملية الانتخابية، فعلى الرغم من الصلاحيات الواسعة للمفوضية الوطنية، فإنها لا تتمتع بالتفويض الكامل، وخصوصاً عندما قيد قانون الانتخابات اختصاصها في اقتراح موعد التصويت، كما دخلت القواعد الانتخابية في الضغط على القضاء لتفويت مرشحين. عملت هذه الطبيعة المُعقدة على تقويض فرصة المضي بالانتخابات.


ولم يكن لدى الجهات الليبية الجرأة الكافية لتحمل المسؤولية عن تأجيل الانتخابات، وأخذت في نقل العبء إلى جهة أخرى. وكان واضحاً في مواقف المفوضية ومجلس النواب وجود حرج في الإعلان الصريح عن التأجيل، فقد استخدمت المفوضية تعبيرات تبريرية عن استحالة انعقادها وفق الحالة القاهرة، على الرغم من اكتمال الترتيبات الفنية، وسلك النواب مساراً مشابهاً. على أية حال، تُقدّم العيوب القانونية تفسيراً للتنكّر للمسؤولية، غير أن التصرّف بهذه الطريقة في المنعطفات الحادّة يكشف عن انحسار الجدارة بمهام الدولة.


وبشكل عام، قامت المقاربة الدولية للانتخابات الليبية على أنها لا تُشكل حلاً حاسماً للمشكل السياسي، وإنما تُمثل واحداً من مسارات تفكيك الاختناق في الدولة، في عمليةٍ تمشي، جنباً إلى جنب، مع توسيع حملة مناهضة الوجود العسكري الأجنبي، بالإضافة إلى مزاحمة ملفات إصلاح قطاع الأمن، مكافحة الإرهاب، تعكس هذه المُتطلبات أولويات الدول المؤثرة في الأمم المتحدة، مصحوبة بالاسترخاء وإساءة توظيف الدور الدولي لتفويت الانتخابات، بما يوفر أرضية سهلة للتلاعب بسيادة البلاد. وقد يساهم العمل على زيادة عدد الفاعلين في الشؤون الإقليمية بالبحر المتوسط من غير الدول الأوروبية في تحفيز الحل السياسي ووضع الأوروبيين والأميركيين أمام اختيارات مفصلية تُراعي الأمن الإقليمي.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7