صحة الأطفال النفسية بالمدارس في ظل الجائحة

ربى رياض عيسى

2021.12.02 - 08:00
Facebook Share
طباعة

 في التاريخ الحديث، لم يواجه الجنس البشري خاصًة أطفالنا خطرًا واسع النطاق مثل تفشي جائحة (كوفيد-19) التي بدأت مع اكتشاف الحالة الأولى في ديسمبر 2019، وذلك في مدينة ووهان الصينية.

منذ ذلك الوقت، فقد ملايين الأشخاص حياتهم بسبب هذا الوباء. وهي أرقام غير مسبوقة بكل المقاييس، أدّت إلى فرض قيود احترازية وإغلاقات واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم، واضطرابات استثنائية في الحياة اليومية للأطفال والعائلات.

وقد رصدت الدراسات على مدى العقود السابقة تأثر الرفاه المادي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان مباشرة عقب الكوارث الكبرى، لكن آثارها على الصحة النفسية فتعتبر طويلة المدى، وعادة ما تمر دون أن يلاحظها أحد، حيث لا توجد طريقة شاملة يمكن للحكومات من خلالها قياس المعاناة النفسية للمجتمع بأسره.

يتضح هذا التناقض في رصد البيانات المتعلقة بالأثر الاجتماعي والاقتصادي في مقابل تلك المتعلقة بالأثر النفسي بشكل أكبر في البلدان التي تفتقر إلى القوى العاملة المدربة في مجال الصحة النفسية. كما تسهم نظرة المجتمع للمرض النفسي، وارتفاع نسبة الأمّية، ونقص الوعي، وتدني إدراك الحاجة إلى تعزيز الصحة النفسية لدى الأطفال واليافعين، في تعزيز هذا التناقض.

تعلمنا من تجاربنا مع جائحة الانفلونزا عام 1918، وجائحة الانفلونزا الآسيوية عام 1957، والسارس عام 2003، وجائحة انفلونزا الخنازير عام 2009، أن إغلاق المدارس يؤدي إلى تعطيل انتقال الفيروس بنسبة 40-90 بالمائة، لهذا أوصت السلطات مرة أخرى خلال تفشي جائحة (كوفيد-19) بإغلاق المدارس وحظر التجمعات العامة.

وقد أظهرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، أنه في ذروة انتشار الجائحة قبل عام، تعطل التعليم المدرسي بالنسبة لـ 1.6 مليار طالب، و100 مليون معلم، في أكثر من 190 دولة ، مما تسبب في أشد اضطراب تعليمي في القرن الحادي والعشرين.

ومثلما حدث مع الأوبئة السابقة، أدى إغلاق المدارس إلى الحد من انتشار الفيروس والحفاظ على سلامة الأطفال وعائلاتهم. في الوقت نفسه، تسبب إغلاق المدارس فترات طويلة في صعوبات مالية للمجتمعات، مما أدى إلى تعطيل التفاعلات الاجتماعية والعملية التعليمية لملايين الأطفال واليافعين.

كما قدّرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أنه مع خسارة ثلثي العام الدراسي في عام 2020، سينخفض الحد الأدنى لمستوى الكفاءة في القراءة بما يشمل 100 مليون طفل، في حين أن 24 مليون طفل آخر سيكونون معرضين لخطر الخروج من إطار التعليم المدرسي.


أما في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، فقد أدت التحديات المتعلقة بميزانيات التعليم الوطنية، والتفاوت في التعليم، وعدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا، والفجوة الرقمية، وندرة الموارد، إلى زيادة تعرّض مستقبل طلابها للخطر، ويشير تقرير اليونسكو حول الوصول إلى الإنترنت، إلى أن نصف سكان العالم، والذي يضم حوالي 500 مليون طالب، ليس لديهم اتصال بالإنترنت، وهو ما يستبعد بالنسبة لهم خيار التعلم عن بعد السائد في البلدان ذات الدخل المتوسط والمرتفع.

على عكس الكوارث الأخرى، أثّر (كوفيد-19) على الرفاهية الاجتماعية والعاطفية، الشعور بالأمان، والعلاقات الاجتماعية للأطفال والأسر، دون الإضرار بالبنية التحتية الحالية للمجتمعات. بل تسبب هذا الوباء في معاناة جماعية نفسية ومالية وجسدية تجاوزت القدرة على التكيف لدى غالبية شباب العالم.

كما يجدر الانتباه إلى اختلاف تأثر جميع الأطفال بالطريقة نفسها؛ نتيجة تفاوت القدرة الفردية في مواجهة الصدمات، حيث يعتمد رد فعل الطفل تجاه الصدمة على خصائص شخصيته، ومدى تعرضه للصدمة، والخسارة الشخصية الناتجة عنها، ومقدار الدعم المقدم له.

وتفيد الدراسات المكثفة حول الكوارث الطبيعية والبشرية السابقة أن التأثيرات على الصحة العقلية تستمر لفترة طويلة، وتشمل زيادة التوتر، القلق، اليأس، العصبية، الاكتئاب، تعاطي المخدرات، الشعور بفقدان السيطرة، الحزن، الصراعات الأسرية، العنف المنزلي، والعنف الزوجي. ويعتبر دعم وتعاطف واهتمام الوالدين العامل الأهم في مساندة الطفل وتطوير قدرته على مواجهة الشدائد.

لمواجهة الضغوطات الحالية وتجنب الضرر طويل الأمد، تحتاج المدارس إلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة، وإيجاد طرق مبتكرة لبناء الروابط الاجتماعية والحفاظ عليها بين الطلاب، مع إعطاء الأولوية للطلاب الذين يعانون من مشاكل نفسية سابقة، بما في ذلك الاكتئاب، الوحدة، اليأس، العزلة، واضطرابات النمو العصبي.

تسعى معظم العائلات في البداية إلى الحصول على المساعدة من أطباء الرعاية الصحية الأولية، والذين يمكنهم تقديم إرشادات استباقية حول المشاعر الناتجة عن الصدمات. خلال هذه الزيارات، من المهم ملاحظة أي مؤشرات تدل على العنف المنزلي. وعلى الآباء والأمهات أن يكونوا داعمين لأطفالهم مع الاستمرار في رسم حدود مناسبة لسلوكيات الأطفال.

لا بد من الاهتمام بسلوكيات الأطفال في المنزل وتقويمها، وفي الوقت نفسه مراعاة أن بعض السلوكيات قد تكون استجابة طبيعية للتوتر. من المهم أيضًا تشجيع الأطفال واليافعين على أن يكونوا أقوياء، ولكن الأهم من ذلك هو الاستماع إلى مشاعرهم، وتفهّم ما يمرون به، وإتاحة المساحة أمامهم للحزن على فقدان روتينهم وأسلوب حياتهم، وفي الوقت نفسه مساعدتهم على التأقلم بشكل صحي.

تقول إليزابيث كوبلر روس، وهي طبيبة نفسية أميركية سويسرية: "الأشخاص الأجمل من بين الذين قابلتهم هم أولئك الذين ذاقوا طعم الهزيمة ومرارة المعاناة والعذاب والخسارة، ورغم كل ذلك وجدوا سبيلاً للخروج من تلك الأهوال"، وسنخرج نحن وأطفالنا وشبابنا من الأزمة التي نمر به أشد قوة وأكثر مرونة.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5