كتب سامر خير أحمد:الصين في إكسبو دبي

2021.10.21 - 02:02
Facebook Share
طباعة

الداخل إلى جناح الصين في إكسبو دبي 2020؛ المعرض العالمي الذي افتتح مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بعد تأجيله عاماً بسبب ظروف جائحة كورونا، ويستمر حتى نهاية مارس/ آذار المقبل، تستقبله شاشة كبيرة تذيع، بشكل متكرّر، كلمة ألقاها الرئيس الصيني، شي جينغ بينغ، خصّ بها المعرض. فأي شيءٍ، يا تُرى، يدفع زعيم دولة كبرى مثل الصين، لأن يلقي كلمةً خاصة لمعرض دولي، يهنئ فيها الدولة المستضيفة، ويتمنى لها النجاح، ويرحب بزوّار جناح بلاده؟

فكرة إقامة المعارض الدولية هدفها "تقديم الاختراعات الصناعية لمختلف الدول، لتكون الواجهة التكنولوجية والصناعية للبلدان المشاركة، التي تعكس التقدّم الذي تحققه الثورة الصناعية" (ويكيبيديا، بتصرّف). وقد أقيم أول معرض دولي في لندن سنة 1851 تحت شعار "المعرض العظيم.. صناعة جميع الدول" لعرض ابتكارات الثورة الصناعية، ثم تولّى "المكتب الدولي للمعارض" منذ 1928، ومقرّه في باريس، الإشراف على إقامة المعارض العالمية من حيث اختيار المدينة المنظمة، ومتابعة حُسن إقامة معرضها. ويروي موقع موسوعة "ويكيبيديا" أن إقامة هذه المعارض كانت مناسبةً لبناء مشاريع مفيدة للمدينة التي تستضيف المعرض، مثل إنشاء مترو باريس بمناسبة إكسبو باريس عام 1900، ومترو مونتريال بمناسبة معرضها عام 1976. كذلك أقيمت رموز معمارية بمناسبة هذه المعارض، مثل: برج إيفل في باريس، والأتوميوم في بروكسيل.


جناح الصين في دبي لا يحتوي أي منجز صناعي. يتكوّن من ثلاثة طوابق: واحد يتكلم عن الفضاء، وثانٍ عن المعلوماتية، وثالث عن التكنولوجيا يعرض للزوّار سيارة فاخرة بدون سائق

استضافت الصين المعرض الدولي مرة واحدة، في إكسبو شنغهاي عام 2010. وكانت المعارض الدولية هذه قد اكتسبت صفة الدورية بشكل ثابت، عبر إقامتها مرّة كل خمس سنوات منذ بداية الألفية الجديدة؛ فأقيم معرض عام 2000 في هانوفر بألمانيا، ومعرض 2005 في آيتشي باليابان، ثم معرض شنغهاي، تلاه معرض ميلانو الإيطالية 2015. أما سرّ اهتمام الصين بمعرض دبي، إلى درجة أن يلقي رئيسها الكاريزماتي كلمةً خاصة متلفزة، فلا يخرج عن إطار تاريخ هذه المعارض وفلسفتها.

من حيث المبدأ، يبدو "إكسبو دبي" أكثر تميزاً من المعارض السابقة في عرض أفكار المستقبل: أين تريد الدول أن تصير في السنوات والعقود المقبلة؟ بينما كانت الدول (والحكومات) في المعارض السابقة تركّز على عرض منجزاتها أكثر مما تتحدّث عن المستقبل، إذ تدير الجهات الحكومية أجنحة بلدانها الرسمية في هذه المعارض، لا القطاع الخاص أو مؤسّسات المجتمع المدني.

يعكس الجناح الصيني في "إكسبو دبي" هذا الحال تماماً. إذ بينما ركزّت الصين في "إكسبو شنغهاي" على تطورها الصناعي، وعرضت منتجاتها لزوّاره من أنحاء العالم كافة، فإن جناحها في دبي لا يحتوي أي منجز صناعي، بل هو يتكوّن من ثلاثة طوابق: واحد يتكلم عن الفضاء، وثانٍ عن المعلوماتية، وثالث عن التكنولوجيا يعرض للزوار سيارة فاخرة بدون سائق، هي المنتج المادي الوحيد الذي يمكن للزائر رؤيته، بينما ينشغل طوال زيارته الجناح بعروض الفيديو عن مستقبل النشاط الصيني في الفضاء وأهدافه، وعن مستقبل المعلوماتية والتكنولوجيا التي ستقدّمها الصين إلى العالم.

لا تفوّت الصين مناسبةً صغيرة أو كبيرة، لتكون موجودة وحاضرة، وهذا يشمل كل مجالات الحياة واختصاصاتها

الصين، إذن، تفهم جوهر هذه المعارض أنه تقديم الدولة إلى العالم. في الماضي، كان تقديم الدولة يعني عرض منجزاتها، أما اليوم، وبفضل تدفق المعلومات وانفتاح العالم على بعضه، فليس ثمّة مخفي يستحق أن يُقدّم في معارض كهذه. ما يستحقّ أن يُعرض هو الأفكار، والمنجزات التي على العالم أن ينتظرها ويحبس أنفاسه في ترقبها. ومن هذا الباب، كانت الصين الدولة الكبرى الوحيدة التي يلقي رئيسها كلمة خاصة للزوّار: يريد أن يقول للعالم: عليكم أن تنتظروا الصين .. نحن مختلفون ونحن قادمون. .. ولم يجد أثمن من المعرض الدولي فرصةً ليخاطب المهتمين الذين يرتادونه من كل بلدان العالم.

خصصت دول أخرى عديدة أجنحتها للحديث عن مستقبلها، أو عرض واقعها بطريقة مبتكرة، كالغابة التي يقيمها جناح السويد، والبحيرة التي يقيمها جناح البرازيل، والنهر الافتراضي الذي يقيمه جناح هنغاريا. كأنها تريد أن تقول للعالم: نحن هنا. أما دبي فتعرض مستقبلها بشكلٍ مذهل، من حيث وسائل النقل ورفاهية العيش. هذا بينما تحافظ بعض دول العالم الثالث على نمطية عرض منتجاتها التقليدية وحرفها اليدوية.

على أن اهتمام الصين اللافت بمعرض إكسبو دبي 2020، يأتي تتويجاً لاهتمامها بمختلف المعارض الدولية، بما فيها المعارض المتخصصة. تريد الصين أن تكون حاضرة في كل المحافل، وبين دول العالم كافة، وفي ما استطاعت إليه سبيلاً من القارّات والبلدان.

الصين الدولة الكبرى الوحيدة التي يلقي رئيسها كلمة خاصة للزوار

على سبيل المثال، شاركت الصين خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أيضاً، وللمرّة الخامسة على التوالي، في معرض عمّان الدولي للكتاب، ضمن مشاركات متتالية في معارض عربية عديدة للكتاب، في الخليج ومصر والأردن والمغرب العربي. أصرّت الصين على الحضور إلى معرض عمّان، على الرغم من ظروف استمرار انتشار فيروس كوفيد 19 في العالم، والقيود المفروضة بسببها على السفر من الصين وإليها. وقدّم الجناح الصيني كتباً صينية مترجمة إلى العربية نشرت خلال العام الجاري، إلى جانب نحو 500 كتاب آخر منشور سابقاً بالعربية أو الإنكليزية أو الصينية، أو يختصّ بالتواصل بين الصين والعالم، بما فيه العالم العربي.

والمعنى لهذا كله أن الصين لا تفوّت مناسبةً صغيرة أو كبيرة، لتكون موجودة وحاضرة، وهذا يشمل كل مجالات الحياة واختصاصاتها. تحضر الصين في كل مكان، وحين يتعلق الأمر بكبرى المعارض الدولية، إكسبو دبي 2020، يتحدّث الرئيس بنفسه، دليلاً على أن اهتمام الصين بحضورها هو مشروع دولة من أجل المستقبل، وليس سياقاً استثمارياً أو دبلوماسياً وحسب.

المصدر:https://www.alaraby.co.uk/opinion/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D9%83%D8%B3%D8%A8%D9%88-%D8%AF%D8%A8%D9%8A

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9