الأزمة الاقتصاديّة في لبنان...فرصة "ذهبيّة" لإحياء القطاع الصّناعي

ناديا الحلاق

2021.09.24 - 11:20
Facebook Share
طباعة

يبدو أن نقمة الأزمة الاقتصادية التي ضربت كل القطاعات تحولت إلى نعمة على القطاع الصّناعي، بعد أن بادر بعض المستثمرين بالقيام بمشاريع إنتاجيّة خاصة، في خطوة لتحفيز الاستهلاك المحلي ودعمه والحد من الاستيراد.
ورغم أن الصّناعة اللّبنانية تواجه جملة من التحديات التي تقف حائلاً أمام تطورها، إلا أن إصرار اللبنانييون وإيمانهم بالقطاع دفعهم نحو العمل في التصنيع والزراعة والابتكار، لينطبق عليهم القول الشائع "اللّبناني وين ما بتزتّو بيجي واقف".
وهذا ما لوحظ مؤخراً مع ازدياد الإقبال على المشاريع الزّراعية والصّناعية التي أبصرت النور ودخلت خط الانتاج ولو بقدرات بسيطة.
مبادرات فرديّة إنقاذيّة
يقول صلاح ملاعب القادم من إيطاليا أنه "قام بالتعاون مع عدد من أفراد عائلته بمبادرة فردية، وأنشؤوا مصنع “دل ليبانو” لتصنيع المعكرونة، وذلك في إطار مشروعهم الخاص لخلق فرص للعمل والإنتاج في ظلّ تردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان".
ويشير إلى أن هدف المشروع الأساسي إنتاج المعكرونة محلياً والتشجيع على الصناعة الوطنية للاستهلاك، لتلبية حاجة السوق اللّبناني وتأمين الأمن الغذائي لكلّ طبقات وفئات المجتمع.
ويوضح ملاعب أن المصنع ينتج 5 أصناف من المعكونة الفاخرة، ذات المواصفات العالمية، ويدخل القمح القاسي المنتج في سهل البقاع في عملية التصنيع، وهو من أجود أنواع القمح العالمية، ما يعني أن المادة الأساسية التي يعتد عليها المنتج في عملية التصنيع محلية 100%.
ويلفت إلى أن المصنع مجهز بأحدث المعدات والتقنيات ووسائل الانتاج بهدف تقديم أفضل نوعية من المعكرونة وبمواصفات صحية (13% بروتين). كما ونستخدم مياه نبع الرعيان وهي أفضل مياه تستخدم في الصناعات، لضمان تقديم منتج نظيف خال من أي تلوث.
ويشدّد على أن طموحهم الوصول إلى العملاء في السوقين المحلي والخارجي، ولكن حتى الآن لم نستيطع تلبية حاجات كل السوق اللبناني، فنحن ننتج 2 طناً من المعكرونة يومياً، وفي بلد مثقل بالتحديات يصعب علينا تأمين مصادر تمويل إضافية لزيادة إنتاجنا.
أما بالنسبة للأسعار فيؤكد أنّها مدروسة وتناسب جميع الفئات الاجتماعية، وتتراوح مابين 5000 و10000 ليرة لبنانية.
وعن المشاكل التي يواجهونها، يقول، "هناك عقبات عدة تعترض عملية الانتاج ومنها شح البنزين والمازوت المادتين الأساسيتين التي يعتمد عليهما المصنع لتشغيل الماكينات، إضافة إلى مشاكل الانتاج ويعطي مثالاً، في حال واجهنا أي مشكلة خلال عملية التّصنيع لا يمكمننا اللجوء أصحاب الاختصاص لاستشارتهم، كوننا المصنع الأول والوحيد في لبنان المتخصص بانتاج المعكرونة، لذا استعنا بفريق استشاري متخصص من الخارج".
ويختم،الصناعة تبني بلداّ، لذا ندعو الجهات الرسمية وضع الاستراتيجيات والسياسات الصناعية الشاملة، ودعم كل المبادرات الفردية لإنقاذ وضمان الأمن الغذائي وتعزيز الإنتاج الوطني، وتشجيع إستهلاك المنتجات الصناعية والزراعية، لتخفيض فاتورة الاستيراد والحدّ من أزمة البطالة بتوفير فرص عمل، فضلا عن تحويل عجز الموازنة إلى فائض.
من جهته، يقول محمد القحف وهو صاحب معمل ألبسة: "ورثت المعمل عن والدي، في السابق كنت أعمل معه في وقت الفراغ، لكن بعد وفاته لم يكن لدي الوقت لإدارته، كوني أعمل موظف في إحدى الشركات، إلا أن الأزمة الاقتصادية وما لحقها من فترة إقفال بسبب تفشي فيروس كورونا أفقدني عملي، فلم يعد أمامي سوى خيار إعادة فتح المعمل، وهذا ما حصل.
ويتابع القحف، بدأنا إنتاج الألبسة وتوزيعها على الأسواق اللبنانية، وتعاقدنا مع بعض المدارس لصناعة الزّي المدرسي بأسعار مدروسة، هناك إقبال ملحوظ على ألبستنا، خصوصاً بعد إغلاق العديد من المحلات والارتفاع الجنوني في أسعار الثياب في "المولات"، نحن نركز على الجودة والنوعية كثيراً، ومنتجاتنا تضاهي أفخم الماركات العالمية، ولكن للأسف عقلية اللبناني دائماً تتجه نحو "العلامات التجاريّة".
ويضيف، لدينا النّية بتوسيع نطاق عملنا للبدء بالتصدير إلى الخارج.
وعن المعوقات التي تواجه المعمل، يشير إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، ونقص اليد العاملة المتخصصة بسبب توقف مهنة الصناعة في لبنان بعد فترة الحرب، مشدّداً على أنّ لبنان بحاجة لمتقني مهنة الخياطة.
أما صاحب مصنع "نايا" لتصنيع المحارم خالد ملاعب، فيقول "بدأنا مشروعنا في أوج الأزمة الاقتصادية بهدف مواجهة البطالة في بيصور وتوظيف أكبر عدد من أهالي المنطقة، وحباً وإيماناً بأرضي ووطني لبنان".
وحظي المشروع بدعم كبير من التّجار والقييمين على المنطقة، بحسب ملاعب.
ويتابع، في البداية واجهنا بعض العقبات وكنا نفتقر إلى الفنيين وأصحاب الخبرة في هذا المجال، لذا استعنّا بفريق عمل متخصص ومحترف من الخارج لتعليم موظفينا أصول المصلحة وطريقة تشغيل الماكينات.

كما واجهنا مشكلة تقلّبات سعر صرف الدولار الذي يؤثر أيضاً على حجم وتصريف الانتاج، وأيضاً شح المحروقات.
وعن الأسعار يؤكد أنها مدروسة وتناسب الجميع، وينتج المعمل 1500 ربطة محارم يومياً، ويتم تصريفها في السوق المحلي. كما ولدينا النية في توسيع المصلحة وزيادة الانتاج والماكينات وعدد الموظفين. وأيضاً لدينا طموح في التصدير إلى الخارج ونعمل حالياً على مشروع للتصدير إلى أفريقيا.
مشاريع اقتصادية إنقاذية بمبادرات فردية أبصرت النور في لبنان، فهل تكمل طريقها في المسار الصحيح في زمن الأزمات؟
الصّناعة على الطريق الصحيح
نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش بوضح أن تدنّي فاتورة الإستيراد لمعظم المواد إلى صعود الصّناعة، بسبب ارتفاع كلفة المنتج المستورد نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، أما كلفة الإنتاج في الصّناعة المحلّيّة تبقى أدنى من الإستيراد، فبالرّغم من وجود موادّ أوليّة مستوردة، إلّا أنّ مجموعة من المصاريف التّشغيليّة تُدفع باللّيرة.
ويضيف، استطاعت المصانع مؤخراً تأمين 75% من السّوق المحلي، واليوم تغيرت نظرة اللّبنانيين بالنسبة للمنتج المحلي، واقتنع بعد 20 عاماً أنه ذات مواصفات عالية لا بل ويضاهي المنتجات العالمية.
ويؤكد بكداش أن القطاع الصناعي في لبنان يسير على طريق الازدهار، وهناك العديد من المصانع أعادت إحياء تصنيع منتجاتها، كما استدعت بعض المصانع عمالها وقررت معاودة العمل، لا بل وحسّنت رواتب عمّالها بعد انخفاض القدرة الشرائية.
وتمنى بكداش من الحكومة دعم القطاع الصناعي وعدم محاربته كما فعلت الحكومات السّابقة، خصوصاً وان الخطط الاقتصادية المجحفة ضربت كل القطاعات الانتاجية.
ويختم رغم كل الظروف والأزمات ما زالت الصناعة في لبنان بخير، وجمعية الصناعيين تسعى باستمرار من أجل النهوض بالقطاع وتطويره. وحل العقبات التي يواجهها، خصوصاً وأنّ المشكلة اليوم هي في تمويل المعدات والمواد الأولية بعد أن توقف القطاع المصرفي عن تمويل القطاعات الإنتاجيّة.
مستقبل القطاع الصّناعي
اقتصادياً، يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي البرفسور بيار الخوري، أنّ كل القطاع الصناعي تقريباً يعمل بشكل جيّد، وهو أمام فرصة كبيرة بفعل تداعيات انهيار مستوى الدخل وارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية، وبالتالي غلاء المستوردات وعدم توفر العملات الصعبة لتمويل هكذا استيراد.
ويتابع الخوري، لقد عانت الصناعة طويلاً من سياسات فتح البلد على المستوردات وسياسات الانفاق غير المسؤولة، حيث أقفل قبل الأزمة قرابة ٩٠% من الصناعات الصغيرة لعدم قدرتها على المنافسة ورخص المستوردات.
ويضيف، الفرصة اليوم قائمة لأن اللبنانيين غير قادرين على شراء المستورد بالإضافة لعدم توفر العديد من الأصناف المستوردة. الصناعة الآن تلبي حاجة السّوق المحلي لكن ذلك يطرح العديد من الاسئلة حول مستقبل القطاع.
أولاً، إن مستوى الأرباح الصناعية لا يسمح بالرسملة من أجل تطوير المصانع ودخول رساميل جديدة من الخارج، في ظل أزمة القطاع المصرفي بمعنى عدم توفر القروض وعدم الثقة بأداء القطاع المصرفي
ثانياً، الصناعة تتوسع الآن بناء لحاجات آنيّة في ظل عدم وجود استراتيجية صناعية وطنية، تعمل على استدامة هذا القطاع وخلق أفضليات تقديرية له.
ثالثاً، إن غياب حافز المنافسة يعطل تطوير القطاع إذ أنه ينتج بالمتوفر لتلبية حاجة السوق، وهذا يخلق آثار خطيرة على المدى الطويل بالصناعة لا تتطور إلا بالمنافسة من أجل تحسين الكفاءة وخلق ميزة مقارنة للصناعة اللبنانية.
رابعاً، عدم توفر اليد العاملة وعدم رغبة الشباب اللبناني بالعمل في هذا القطاع رغم الحاجة الاقتصادية الملحة، وهذا مل خلق حالة من الصدمة لدى الصناعيين المستعدين لدفع أجر يعادل ٣٠٠ دولار أميركي لوظائف دخولية إلى القطاع دون وجود عرض عمل من اللبنانيين.
خامساً، استنكاف الص!ناعيين عن إعادة أموال التصدير إلى لبنان بسبب الخوف من الأزمة المصرفية واحتمال عدم القدرة على فتح اعتمادات مصرفية بهذه الأموال في المستقبل. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5