كتب خيري عمر: العلاقات القطرية المصرية وتحوّلات الإقليم

2021.09.17 - 09:23
Facebook Share
طباعة

يُشكل تبادل السفيرين بين مصر وقطر خطوة مهمة على صعيد العلاقة بين البلدين، وقد سبقه اجتماع القمة بين أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في بغداد، 8 أغسطس 2021، وهو ما يُعد تغيراً نوعياً في العلاقات، حيث يمثل نقطة تحوّل عن التحالفات السياسية التي ظهرت في السنوات السابقة. ومن ثم، تبدو أهمية تناول التغيرات الثنائية في سياق التفاعلات الإقليمية، وذلك من وجهة ترابط الظروف الداخلية والخارجية في توفير بيئة ملائمة لاستمرار العلاقات السياسية.


توجهات السياسة القطرية

أبدت قطر، منذ العام 2011، اهتماماً بعمليات التغيير السياسي في مصر، وتشير تغطية قناة الجزيرة إلى جانب من الاهتمام بمسارات الاحتجاج، غير أنها لم تكن مصحوبة بنمط تدخلي مباشر في الشؤون الداخلية. وعلى الرغم من تقارب مع جماعة الإخوان المسلمين، فقد كانت الدوحة من أطراف وسطاء التفاوض من أجل الخروج من الأزمة السياسية بعد إزاحة الرئيس السابق، محمد مرسي، من السلطة. ويمكن القول إنها تبنّت موقفاً مرناً إزاء تداعيات الأحداث وتصاعد الأزمة.


وبعد العام 2013، شهدت العلاقات بين مصر وقطر توتراً، تم على إثره ظهور حملات إعلامية متبادلة ساهمت في تقليل فرص التقارب بين البلدين، ولكنها لم تصل إلى مستوى الانقطاع. وفي 9 ديسمبر/ كانون الأول 2014، أكدت دول مجلس التعاون على دعم مصر والعملية السياسية الدائرة فيها، ولم تُبد قطر تحفظاتٍ على البيان الختامي، ما يعني القبول بمشروعية الحكومة القائمة، ما يشكّل استمراراً للمواقف السابقة، عندما دعمت قطر المرحلة المؤقتة عندما كان المجلس العسكري (2011- 2012) في السلطة، واستمر الدعم وقت الرئيس السابق، محمد مرسي. وصرح وزير الخارجية في حينه، خالد العطية، (صحيفة الشرق الأوسط، 17 إبريل/ نيسان 2015)، أن قطر تعتبر مصر دولة مهمة في الوطن العربي، ويجب أن تكون قوية وذات اقتصاد مستقر.


وبشكل عام، اتبعت قطر سياسةً مرنة لامتصاص تداعيات الحصار الذي أعلنه عليها الرباعي السعودية ومصر والإمارات والبحرين، فقد اعتبر وزير الخارجية، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، في زيارته واشنطن، بقاء مصر مستقرّة وآمنة يمثل مصلحة سياسية، فهي دولة مركزية ومهمة. فيما بقي خطاب قناة الجزيرة على وصف ما حدث في مصر "انقلابا على الشرعية"، وتأخرت في اعتبار العمليات السياسية اللاحقة قانونية. وفي منتدى حوارات المتوسط في روما، في ديسمبر/ كانون الثاني 2019، قال الوزير إن سياسة بلاده استمرت في دعم الحكومات، بغض النظر عن الحزب الحاكم، وإن العلاقة مع الإخوان المسلمين كانت في أثناء وجودهم في السلطة في مصر. وقد تزايد دعم الدوحة تونس في مختلف مراحل الحكم في تونس بعد الثورة. وبذلك يصبح ملحوظا استقرار الموقف القطري على القبول بشرعية الحكومات القائمة واحترام خيارات الشعوب، وهو سياق يفيد بأن السياسة القطرية ظلت تحافظ على الحد الأدنى لبقاء العلاقات مع مصر.


ما يمكن ملاحظته، أن قطر، على مدى عامين سابقين لقمّة دول مجلس التعاون الخليجي في العلا في السعودية (يناير/ كانون الثاني 2021)، حاولت توضيح أن سياساتها الخارجية تقوم على التلاقي مع مصالح الشعوب، والتعامل مع الحكومات القائمة باعتبارها حكومات شرعية، وذلك لترتيب صورة غير متطابقة مع حركة الإخوان المسلمين، وأن الأصل فيها خيارات الشعوب وليس الأحزاب، فالسياسة القطرية ليست أسيرة خيارات أيديولوجية.


مصر من الانقطاع إلى التواصل

وعلى مستوى التوجهات المصرية، منذ العام 2015، صارت الحكومة تتمتع بعلاقات دولية مستقرة، ولم يكن ثمّة خلاف حول مشروعية الحكم القائم، فيما تتراجع الثقة في المعارضة المصرية في الخارج، وانخفاض قدرة "الإخوان المسلمين" على تقديم تسوية سياسية. وشكلت هذه الظروف عاملاً في استمرار تقارب مصر مع الإمارات والسعودية، ووصل إلى ذروته في يونيو/ حزيران 2017، ليشكل قطيعة مع قطر. وقد لازمت هذه التطورات حملة إعلامية داعمة للانقسامات، كانت، في جزء منها، تعبيراً عن الإعلام المغاير للحكومة المصرية، فيما ظلت الاستثمارات القطرية في مصر، وتم تسهيل بقاء الطلاب القطريين فى مصر. وقد تطوّرت استجابة مصر للتغيرات السياسية، عندما أعلنت وزارة الخارجية المصرية، 20 يناير/ كانون الثاني 2021، عن الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية مع قطر. وبعدها، بدأت لقاءات الوفود، عبر وساطة الكويت، للتشاور بشأن الآليات والإجراءات المشتركة لتنفيذ المصالحة، لتمهّد الطريق أمام الخطاب التصالحي في أكثر من مناسبة. وفي أثناء زيارته الدوحة، في يونيو/ حزيران 2021، جاء وزير الخارجية، سامح شكري، على مساندة دول الخليج العربي ضد المخاطر الأمنية وتعزيز التضامن تجاه مُهدّدات الأمن الإقليمي. وفي سياق إيجابي، اعتبرت القاهرة، 4 يوليو، تموز 2021، أن تحسن العلاقات السياسية يقوم على إرادة مشتركة واتصالات محسوبة في تطبيع العلاقات الثنائية مع كل من قطر وتركيا، وذلك في إطار تقييم إيجابي للمسارات الراهنة. ولعل ابتعاد قطر عن التوجّهات المتسارعة في التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يتلاقى مع السياسة المصرية في ربط العلاقات مع إسرائيل بالقضايا الأساسية، وفق المبادرة العربية، ساهم في هذا. على أية حال، تنامت إمكانية تقارب البلدين، عندما نضجت وساطة الكويت، وبدأت اللقاءات المباشرة في قمة "العلا"، لتكون خطوة تمهيدية لاجتماعات لاحقة بين وزيري الخارجية، وأمير قطر والرئيس المصري، تمثلت في اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ في الدوحة في يونيو/ حزيران 2021، ومؤتمر بغداد للتعاون والشراكة في الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، لتجاوز مرحلة الجمود في العلاقات السياسية.


من الانقطاع إلى التنسيق

ومع بدء انعقاد لجنة المتابعة، تنتقل العلاقات بين الدوحة والقاهرة من الإطار السياسي إلى المستوى الإداري. وفي هذا المشوار، عقدت ستة اجتماعات، ووفق بيان الخارجية القطرية، 26 من يونيو/ حزيران 2021، لم يكن هناك ما يشير إلى خلافات بين البلدين، وأن الاجتماعات تسير في تقدّم قانوني وإداري، اتساقاً مع نتائج بيان "العلا"، 4 يناير/ كانون الثاني 2021، وكانت المحطة المهمة في العلاقات ماثلة في استئناف العلاقات الدبلوماسية في 23 يونيو/ حزيران بتمثيل فوق العادة تعبيراً عن الرغبة المشتركة في تجاوز المرحلة الماضية. وقد بدا مشهد تسليم رسالتي الدعوة للزيارة، عبر وزيري الخارجية، في شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2021 في القاهرة والدوحة، على الترتيب لدعوة قيادتي البلدين للزيارة المتبادلة، مؤشّراً على نقلة نوعية في التقارب الثنائي، ليس في طريقة تقديمها فقط، ولكن يمكن قراءتها بمثابة قطعٍ لمرحلة التوتر السابقة، وجاءت في سياق جولة للوزير القطري، محمد عبد الرحمن، شملت ليبيا والسودان، وهي بمثابة اقتراب من الرؤية المصرية للعلاقة مع دول الجوار.ٍ وكان لافتا وجود رئيس جهاز أمن الدولة القطري، في أثناء زيارة القاهرة، ما يعني وجود استعداد للتجاوب مع التحفظات المصرية على ما تقوله القاهرة بشأن علاقة بين الدوحة والإخوان المسلمين، فقد اتسمت العلاقات بين البلدين بالرغبة في تفكيك التحفظات السابقة، سواء بشأن دول الجوار أو التنسيق في القضية الفلسطينية وقطاع غزة، حيث بدا التنسيق واضحاً في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل في حرب "سيف القدس"، وذلك بجانب ترتيب المصالح المشتركة سياسياً واقتصادياً.


تحوّل السياق الإقليمي

يرتبط فهم العلاقات المصرية ـ القطرية بسياق العلاقات الإقليمية. وهنا، يمكن الإشارة إلى التيارات الجديدة في العلاقات السياسية، فبعد العام 2013 نشأ التحالف الثلاثي؛ السعودية والإمارات ومصر، في بدايات 2014، لتكوين مظلة سياسية للتعامل مع تداعيات الربيع العربي ومحاربة حركة الإخوان المسلمين في أماكن وجودها في الخارج، ثم تطور في 5 يونيو/ حزيران 2017، ليمثل ذروة التلاقي بين أطراف التحالف، تحت ذريعة دعم الإرهاب ومطالبة قطر بالتخلي عن مكونات أساسية في سياستها الخارجية، بجانب تلازمه مع القطع التام للعلاقات السياسية والاجتماعية. غير أنه على الرغم من تقارب مصالح مكونات التحالف الثلاثي، لم تكن سياساته متماثلة، فلم تتّضح ملامح التعاون الدفاعي، عندما اعتذرت مصر عن المشاركة في الحملة على اليمن، "عاصفة الحزم"، وانسحبت من التحالف الدفاعي، "الناتو العربي". وبالإضافة إلى ذلك، تقاربت مصر مع حركة حماس على خلاف مواقف الرياض وأبوظبي. وتوضح هذه الحالات جانباً من تراجع التساند المصري الخليجي، وفقدان التحالف أهم مقتضياته الدفاعية والأمنية، ليقتصر على تماثل المواقف من حركة الإخوان المسلمين، وهي مسألة تنحدر إلى الهامش بمرور الوقت. وربما شكلت مسارعة الإمارات في التطبيع غير المشروط مع إسرائيل عاملأً إضافياً لتفكك التحالف وانحسار الفائدة من بقائه. ومع نهاية 2020، صار الطابع الثنائي يشكل الاتجاه العام للعلاقات الإقليمية، فقد فتحت المصالحة الخليجية الباب لتطوير الاتصالات بين كل من مصر، السعودية، تركيا، قطر، الأردن والعراق، لكنها ظلت في مستوى المشاورات والتبادل الدبلوماسي، مع إشارات متتالية بضمان الحل العادل والشامل بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967.


وفي هذا السياق، سعت مصر إلى تفعيل علاقتها مع السعودية لإنشاء لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين البلدين، فقد بدأت اجتماعات اللجنة في الرياض في 01/12/2020، على مستوى وزراء الخارجية، ويهدف هذا الإطار إلى تكوين موقف مشترك يتعلق باستقرار العلاقات الإقليمية. ويشير محتوى بيان العلاقات المصرية ـ السعودية إلى وجود تلاقٍ حول تنسيق السياسة الإقليمية، يقوم على رفض التدخلات الخارجية، وضمان حرية الملاحة في الخليج العربي وباب المندب، بالإضافة إلى دعم مصر في مفاوضات سد النهضة، باعتباره جزءاً من الأمن المائي العربي.


وتشكل قمة العلا الخليجية أرضية مناسبة للنظر في الملفات الإقليمية، وإقامة علاقات إيجابية بين الدول العربية. ويميل بيان القمة الخليجية، 5 يناير/ كانون الثاني 2021، لترتيب العلاقات الخليجية على أساس التعاون والتصالح والثقة في مسيرة المجلس، وحسب الفقرة 10، اعتبر بيان أمير الكويت، نواف الصباح، أنه يهدف إلى تعزيز الوحدة والتماسك بين دول مجلس التعاون والعودة إلى العمل المشترك وإلى مساره الطبيعي، والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي. وهو ما يُعدّ تغيراً نوعياً في العلاقات الجماعية، سوف يساهم في تقليل التنافسية الداخلية المستمرّة منذ ثلاثة عقود خلت، واستئناف العمل المشترك لاستكمال نظم الحوكمة ومحاربة الفساد، وإعادة تعريف العمل العسكري والأمني المشترك وضمان حرية الملاحة في الخليج العربي، فبينما نظرت القمّة الخليجية إلى إيران عامل توتر، فقد اعتبرت (الفقرة 98) أن دعم مصر مرتبط بتعزيز الأمن القومي العربي والسلام في المنطقة، ومكافحة التطرّف والإرهاب، وقد تضمن البيان ما يشير إلى أهمية الاستقرار الداخلي والأمن المائي.


وفي سياق متساند، بدت مساعي مصر والأردن والعراق محاولة لتكوين أرضية لمؤتمر بغداد للتعاون والشركة، سواء للتعاون الإقليمي، أو التخفيف من آثار تيارات التطبيع. وبدت استعادة الوضع التقليدي للجغرافيا السياسية في توزيع الاجتماعات السياسية لتشمل كل العواصم الإقليمية والمدن المهمة، فبعد بغداد والقاهرة وعواصم الخليج، تتزايد احتمالات دخول أنقرة التعاون الإقليمي. ولذلك يمثل انعقاد مؤتمر بغداد خطوة لتقليل آثار محاولات التطبيع مع إسرائيل، حيث يطرح مسارات إقليمية للتعاون تجمع العراق، مصر، الأردن وتركيا وقطر والسعودية، بجانب احتواء السلطة الفلسطينية. وهنا، يمكن النظر إلى انعقاد القمة القطرية المصرية في بغداد خطوة تُدعم التواصل السياسي على المستويات الأخرى.


ويمكن القول إن السياسات الحالية هي في الاتجاه نحو تجاوز قيود العقدين الماضيين القائمة على تكوين بيئة صراعية حول محاور الاعتدال والممانعة، وتوظيف الجدل حول الديمقراطية كسياسة تفكيكية عبر الحملات الإعلامية، ويُعد التنسيق المصري ـ القطري في وقف التصعيد في قطاع غزة مؤشراً على فرص انفتاح أفق التعاون الثنائي والجماعي.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط 


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 5