الانقسام الامريكي بعد هجوم الكابيتول ح2

وكالة أنباء آسيا

2021.07.29 - 09:06
Facebook Share
طباعة

 أولاً). المتطرِّفون والقوميُّون البيض:

          تُعتبر المعاملة غير المتكافئة للأشخاص الملوَّنين، وخاصة السود والأمريكيِّين الأصليِّين، واحدة من أكثر العيوب ديمومة في تقييم مؤسَّسة "فريدوم هاوس" للحريَّة في الولايات المتَّحدة وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه مع ديمقراطيَّات أخرى طويلة الأمد, إلَّا أنَّ الولايات المتَّحِدة تواجه تحدِّياً فريداً للوفاء بوعد المساواة نظرًا لتاريخها من العبوديَّة الداخليَّة واسعة النطاق والفصل المؤسَّسي, وهذا ما ارتكز عليه ترامب لحياكة التحالفات, والتأثير بالناخبين, استناداً لما حصل تاريخيَّاً لانتقال البيض من الدفة الديمقراطيَّة إلى دفة الحزب الجمهوري, فحسب تقرير "the nation", فإنَّ القوميِّين البيض انتقلوا من الحزب الديمقراطي، الذي كان وسيلتهم المفضَّلة أبان الحرب الأهليَّة، إلى الجمهوريِّين, وفي كتابها "شخص واحد، لا تصويت"، تقول الكاتبة "كارول أندرسون" أنَّ 82 في المائة اليوم من الناخبين الجمهوريِّين هم من البيض، وفاز الحزب بشكل مريح بالأصوات البيضاء في كل انتخابات رئاسيَّة منذ توقيع جونسون على قانون حقوق التصويت في عام 1965م([1]).
          بجانبه قال "Brian Hughes" المدير المشارك لمختبر ابتكار وأبحاث الاستقطاب والتطرُّف "PERIL" في مركز التميُّز الجامعي بالجامعة الأمريكيَّة "CUE", و"CynthiaMiller Idriss",  مديرة معمل أبحاث الاستقطاب والتطرُّف والابتكار "PERIL" في مركز التميُّز ذاته: "أنَّ الحشود التي اقتحمت مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير 2021م, مثَّلت اتجاهاً ناشئاً في التطرُّف اليميني في أمريكا, وهي تشمل المتطرِّفون البيض, والنازيُّون الجدد, والقوميِّين المسيحيِّين, ومجموعة كاملة من الميليشيات غير القانونيَّة مثل "Oath Keepers"، وعصابة القتال في الشوارع اليمينيَّة المتطرِّفة ""The Proud Boys وتلك التي لديها ميول تفوُّق ذكوريَّة و"متشدِّدة"، ومنظِّري المؤامرة، ومنتسبي "عبادة المؤامرة QAnon", وحسب تقرير "this is our hawse": نشره برنامج التطرُّف بـ"جامعة جورج واشنطن", إنَّ تلك الجماعات ضمَّت كل من "الشبكات المتشدِّدة، والتكتُّلات المنظَّمة، وجماعة "المؤمنون الملهمون", و"حركة باتريوت"، و"جماعات الميليشيات غير القانونيَّة"، و"حرَّاس القسم"، وحركة "Three Per centers"، و"QAnon" ومنظّري المؤامرة المتنوِّعين، وعصابات قتال الشوارع مثل "Proud Boys"، والجماعات القوميَّة البيضاء مثل "Rise Above Movement Groypers" و"الحلفاء الجدد", وبالتالي استغلَّت "القاعدة الترامبيَّة" ذلك لصالحها, وهذا ما أراده الرئيس السابق في توظيفهم ليصبحوا قاعدة هامَّة له في ما بعد الانتخابات, حيث أشار مركز "جي إم بيرغر" للأبحاث إلى أنَّ ترامب قدَّم رابطًا مركزيَّاً لقوَّة الجاذبيَّة التي تجذبهم جميعًا إلى المحاذاة"([2]).
          وهذا أيضاً ما خلص إليه تقرير في موقع "gale" أنَّه بحلول الوقت الذي تم فيه انتخاب "دونالد ترامب" لرئاسة الولايات المتَّحِدة في العام 2016م, وبسبب موجة من الخطاب القومي الشعبوي, الذي اعتبره العديد من المتطرِّفين العنصريِّين البيض شرعيَّة لمعتقداتهم، ظهر ما يسمى بـ"اليمين البديل", و "alt lite", كوجه جديد لليمين المتطرِّف في الولايات المتَّحدة([3]), وقال "Daniel L. Byman" زميل أوَّل في الـ"فورين بوليسي"، في مركز سياسة الشرق الأوسط, أنَّ المتطرِّفين البيض وقفوا لجانب ترامب, لاعتقادهم أنَّ لديهم حليفًا في الحكومة حسب تقرير نُشر في "Brookings"([4]).
 
          وقدَّم بدورهم الكثيرون من القوميِّين البيض دعمهم لترامب, وبذلك، أعطى منصَّة علنيَّة للقوميِّين البيض بطريقة غير مسبوقة في العصر السياسي الحديث, وهذا ما تحدَّث عنه "Sean Collins" في "vox" بأنَّ ترامب ينشِّط القوميِّين البيض على مستويين: بخطابه أولاً, ومن خلال خياراته في التوظيف والسياسة ثانياً, وقالت "كاثلين بيليو"، المؤرِّخة في "جامعة شيكاغو" ومؤلِّفة كتاب "أعدُّوا الحرب في الوطن, حركة القِوة البيضاء وأمريكا شبه العسكريَّة": "إنَّهم يفعلون الكثير من الأشياء المتوافقة أيديولوجيَّاً", وأضافت "أعتقد أنَّه "أي ترامب" يخلق طريقاً نحو العمل السياسي لحركة ربما لم نشهدها في لحظة تاريخيَّة سابقة"([5]), فمن هم القوى البيضاء, أو القوميُّون البيض الذين يعتمد عليهم ترامب؟
          تُعتبر الحركة القوميَّة البيضاء حركة معقَّدة، وتتداخل مع أيديولوجيَّات أخرى، لا سيما تلك الخاصَّة بالقوة البيضاء وتفوُّق البيض، التي نشأت في مناقشات العنصريَّة والتاريخ والاعتقاد الخاطئ بأنَّ البيض متفوقون على الأشخاص الملوَّنين, لكن مصطلحات "قومية البيض" و"قوَّة البيض" و"تفوُّق البيض" تعني كل منها شيئًا مختلفًا, فهي بالأساس حركة اجتماعيَّة، وليست سياسيَّة بحتة، وهي تشمل "كلان"، و"النازيِّين الجدد"، والمتظاهرين الراديكاليين للضرائب؛ وتشمل الآن بعض شرائح "boogaloo", فهي حضريَّة, ومن ضواحي ريفيَّة؛ فيها رجال ونساء وأطفال, ومن الناحية الهيكليَّة، كتب المحلِّلان "لوبيز بونياسي وسميث"، إنَّ التفوُّق الأبيض هو"التوفير المنتظم للفوائد والمزايا السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والنفسيَّة للبيض، جنبًا إلى جنب مع الأحكام المنهجيَّة للأعباء والعيوب للأشخاص غير البيض", وقال "كريستال فليمينغ"، أستاذ علم الاجتماع بـ"جامعة ستوني بروك"، إنَّ هذا النوع من التفوُّق الأبيض، كان "ثابتًا عبر التاريخ", ونص المفهوم على استعباد السود، والإبادة الجماعيَّة للأمريكيِّين الأصليِّين، والتخصيص العام للموارد بأخلاق تعود بالفائدة على الأمريكيِّين البيض, وهو نظام لا يزال موجودًا حتى يومنا هذا، ويُبقِي الأشخاص الملوَّنين خارج الوظائف والجامعات والسلطة السياسيَّة.
          وبالتالي اعتنق ترامب هذا النظام, ومجَّد بعض لحظاته القبيحة، مثل تأسيسه للولايات الكونفدراليَّة الأمريكيَّة, وخطاباته كانت لصالح رفع مستوى الأمريكيِّين البيض وأحيانًا المتعصٍّبين للبيض والقوميٍّين, على باقي الأمريكيِّين ذوي البشرة الملوَّنة, والأهم من ذلك أنًَّ ترامب ليس وحده من يعطي صوتًا للقوميِّين البيض, بل الأشخاص الرئيسيُّون في إدارته يناصرون معتقداتهم, وعلى رأسهم على سبيل المثال "ستيفن ميللر" كبير مستشاري البيت الأبيض, حيث أنَّه وحسب المعلومات, أرسل أكثر من 900 بريد إلكتروني, إلى اليمين البديل Breitbart في عامي 2015 و 2016م, وأشار "جيف سيشنز"عضو في حملة ترامب, أنَّ "ميلر" تربطه علاقات عميقة بالحركة القوميَّة البيضاء, كما روَّج "ميلر" أيضًا لـ"The Camp of the Saints"، وهو كتاب عن تفوُّق البيض, يصوِّر المهاجرين الملوَّنين على أنَّهم متوحٍّشون, وحسب التقارير أنَّ العلاقات مع القوميَّة البيضاء, تتجاوز "ميللر", لتشمل شخصيَّات أخرى مثل "ستيف بانون"، كبير الاستراتيجيِّين السابقين في البيت الأبيض, والمدير التنفيذي لحملة ترامب, الذي وصفه المحلِّل السياسي "زاك بوشامب" أنَّه "ضوء رائد للحركة القوميَّة البيضاء في أمريكا, والمتَّهم باستخدام كراهية النساء، واستخدامه لغة معادية للمسلمين, ومعاداة للسامية", ورغم أقالته لا تزال أفكاره بشأن مسائل مثل التوظيف لها وزنها, فعلى سبيل المثال، ساعد في دخول حليفه "مايكل باك" لإدارة وكالات الأنباء العالميَّة التابعة للحكومة الأمريكيَّة، التي تشمل صوت أمريكا وراديو أوروبا الحرَّة, وراديو ليبرتي, وبالإضافة لبانون, هناك أيضاً المدَّعي العام السابق "جيف سيشنز"، الذي تميَّزت فترة ولايته على رأس وزارة العدل بسن سياسات لصالح القوميِّين البيض, حيث صاغ "سيشنز" سياسات تُعرِّض حياة وحريَّة الأمريكيِّين الملوَّنين للخطر، خاصَّة الأمريكيِّين السود, وبمجرَّد وصوله إلى إدارة ترامب، قام سيشنز بمحاكاة سياسات عشرينيَّات القرن الماضي من خلال "استخدام كل سلطة يمتلكها كمدَّعي عام للتأكد من أنَّ ميزان العدالة يميل نحو معاقبة المهاجرين غير المصرَّح لهم قدر الإمكان"، وحسب تقرير "دارا ليند" في موقع "Vox", حقَّقت سياسات سيشنز أهدافًا إقصائيَّة لتفوُّق البيض, وغذَّت روايات المتعصِّبين للبيض حول مخاطر السود, من خلال ميللر ومن خلال حلفاء سابقين آخرين لا يزالون في الإدارة مثل "كاثي نوبل كوفاريك"، التي تشغل حاليًا منصب رئيس موظفي خدمات المواطنة والهجرة الأمريكيَّة، وتستمر أفكار سيشنز في الإدارة على الرغم من رحيله([6]), وحسب تقرير "slate" أنَّه منذ التجمُّع القومي الأبيض في "فيرجينيا"، كان الرئيس ترامب يحترم العنصريِّين بشكل مثير للفضول, وصرف اللوم عنهم، بحجة أنَّ هناك تعصبًا "من عدة جوانب"([7]), وقال "Nicholas De Genova" في مركز "American anthropologist" للدراسات, أنَّ ترامب أصبح يعتمد على تكتيك التخويف العنصري المتمثل في استحضار الشكل الغوغائي لـ"MS-13" وهي عصابة شوارع سلفادوريَّة نشأت في لوس أنجلوس.
          وتم التعبير بوضوح عن الحزم المكتشف حديثًا بين المتعصبين للبيض, الذين فسَّروا شعار ترامب المميز "اجعل أمريكا عظيمة مرَّة أخرى" على أنَّها دعوة حرفيَّة إلى حمل السلاح, وهذا ما دفع زعيم جماعة "كو كلوكس كلان" السابق "ديفيد ديوك" للقول: "نحن على الوفاء بوعود دونالد ترامب", لهذا السبب صوتنا لصالح دونالد ترامب، لأنَّه قال إنَّنا سنعيد بلادنا", وتمَّ الكشف عن أن بعض هؤلاء المؤيِّدين لترامب من العنصريِّين البيض, بدأوا في تسمية أنفسهم "ترومبينكريجرز", و"محاربون من أجل ترامب", هذا يعني و"حسب التقارير" أنَّهم صنعوا أنفسهم على أنَّهم عصابات فاشيَّة شبه عسكريَّة هدفها الرئيسي هو مهاجمة وتدمير أي شخص على خلاف مع ترامب([8]).
          وحسب استطلاع "Michael Dimock" و"John Gramlich" في مركز "power search" للأبحاث أنَّ ترامب جعل العلاقات بين الأعراق أسوأ منذ تولِّيه منصبه، وقال  غالبية الأمريكيِّين في الاستطلاع, أنَّ ترامب ساء من العلاقات العرقيَّة في الولايات المتَّحدة, كما اعتبر الجمهور ترامب قريبًا جدًا من الجماعات القوميَّة البيضاء([9]).
          وحسب تقرير "latimes" أنَّ حملة ترامب الرئاسيَّة العام 2016م, أدَّت إلى تنشيط الجماعات اليمينيَّة المتطرِّفة, وتبنَّى ما يسمى أحيانًا بسياسة "المظالم البيضاء"، حيث اجتذب أعدادًا كبيرة من الناخبين البيض، ومعظمهم من الرجال، الذين اعتقدوا أنَّهم أنفسهم كانوا ضحايا للتمييز العنصري([10]), اليوم تسير الحركة القوميَّة البيضاء على مسارين مختلفين, يركِّز أحدهما على تسخير الغضب الشعبوي والإحباط من خسارة ترامب, لتوجيه الناس إلى حركتهم, مثل "نيك فوينتيس" تصوِّرت نفسها على أنَّها مستقبل اليمين في أمريكا, ويؤمن الجزء الآخر من الحركة باستراتيجيَّات "التسارع", وهناك اعتقادات لديهم أنَّ "الحلول السياسيَّة" لم تَعد قابلة للتطبيق, وهي فكرة تبدو مقنعة بشكل خاص في أعقاب خسارة ترامب, ويتم قبول الترهيب وأعمال العنف الأخرى بشكل متزايد في أقصى اليمين، وبالتالي فإنَّ اللُّغة العنيفة على نحو متزايد شائع في خطاب الحركة, ومن المرجَّح أن تتسرب الأفكار المناهضة للديمقراطيَّة بشكل أكبر إلى التيار السياسي السائد, وأطلق اليمين البديل الناشئ حملة جديدة من "الطليعة الثقافيَّة"، تركِّز بشدة على تغيير الثقافة جذريَّاً بشكل حرب شاملة بدلاً من السياسة, حيث أنَّه وبعد الانتخابات الرئاسيَّة عاد القوميُّون البيض إلى تكتيكات أخرى, مثل المظاهرات العامَّة، بما في ذلك المشاركات في الكليَّات, والدعاية، بشكل أساسي بشكل منشورات مجهولة الهويَّة, وتشكّل الجامعات بأجسامها الطلابيَّة القابلة للتأثر وأحيانًا القابلة للاشتعال، أهدافًا سهلة للتكتيكات الجديدة لليمين البديل المهووس بتجنيد الشباب, وبالتالي من المجموعات المحسوبة على ترامب وتُعتبر من القوميَّة البيضاء والتي سيعتمد عليها ترامب, "كو كلوكس كلان"، "الكونفدراليَّة الجديدة"، و"النازيَّة الجديدة"، و"حليقي الرؤوس العنصريين" و"الهويَّة المسيحيَّة"([11]).
          وبالتالي وحسب "Barry Hankins" في صحيفة "الجارديان", فإنَّ "القوميَّون" و"المسيحيَّون البيض", يعتقدون أن أمريكا البيضاء المسيحيَّة محاصرة ومحاطة بثقافة علمانيَّة ليبراليَّة معادية, ويعتقدون أنَّ فرصتهم الوحيدة للبقاء هي البقاء متحالفين مع الحزب الجمهوري ضد اليسار الراديكالي, الذي يهدِّد وجود العقيدة المسيحيَّة في أمريكا([12]).
 
يتبع...
 


[1]- https://www.thenation.com/article/politics/democracy-race-power/
[2]- https://ctc.usma.edu/uniting-for-total-collapse-the-january-6-boost-to-accelerationism/
[4] - https://www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2021/01/15/white-supremacist-terrorism-key-trends-to-watch-in-2021/
 
[12]- https://www.theguardian.com/commentisfree/2021/jun/29/southern-baptist-convention-america-culture-wars
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9