كتبَ ياسر سعد الدين: ‏أمريكا وقضية الأرمن.. الخلفيات والتداعيات

2021.04.26 - 10:34
Facebook Share
طباعة

 في الوقت الذي تتهافت فيه واشنطن على التفاوض مع طهران ورفع العقوبات عنها ربما لمكأفاتها على جرائمها المتواصلة في سوريا والعراق واليمن وغيرهم، وربما ايضا لتشجيعها على المواصلة وعلى توجيه المزيد من الضربات للسعودية من اليمن عبر ذراعها هناك الحوثي، يعترف الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن مذبحة الأرمن التي ارتكبت على يد الإمبراطورية العثمانية في عام 1915 كانت "إبادة جماعية".


يتكرر الموقف الأمريكي من إيران من أوباما إلى بايدن في رفع العقوبات الإقتصادية عنها لمساعدتها في الاستمرار في حربها وجرائمها المدمرة ضد السنة وتهجيرهم وإحداث تغييرات ديموغرافية في المنطقة، ولكن يتفوق بايدن على رئيسه الأسبق في موقف أشد عدائية باستهدافه تركيا بادعاءات كاذبة فاجرة، ليقدم المزيد من الوقود للحرب الطائفية في المنطقة التي تؤججها إيران بتشجيع ضمني من واشنطن من خلال رفع العقوبات عنها وترك الرياض تواجه الهجمات الحوثية الإيرانية بتخلي أمريكي واضح وصريح عنها سوى من تصريحات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع.


المواجهة الغربية السياسية والإعلامية والإقتصادية ضد تركيا واستخدام كل الأدوات لمحاصرتها ومضايقتها ولو أدى الأمر لتشجيع إنقلاب عسكري أو لتزوير التاريخ وإطلاق الإدعاءات الكاذبة كإبادة الأرمن، سببه الرئيس بروز تركيا كقوة إقليمية سياسيا واقتصاديا وعسكريا في المنطقة. فالغرب والذي يتحالف مع الاستبداد العربي الرسمي يريد لتركيا أن تكون مثل دول عربية يحكمها حلفاء الغرب، ضعيفة السيادة، عديمة القرار، عاجزة علميا وانتاجيا تعتمد على استيراد معظم حاجياتها، بمعنى آخر سوق استهلاكية لا قرار ولا وزن لها.


حين تم رفع العقوبات عن القذافي بعد أن سدد ثمن صفقتها مليارات التعويضات من أموال الشعب الليبي والذي كان يئن تحت الحصار الغربي وفساد القذافي، أصبح القذافي محج للرسميين الغربيين والذي كالوا عليه صفات المديح والإشادة بشجاعته وحكمته وقيادته وعلى رأسهم رئيس وزراء بريطانيا وقتها توني بلير.


تأتي ادعاءات بايدن بعدما استهدف غريمه ترامب المسلمين بشكل عنصري بغيض (وقد تراجع بايدن عن بعض تلك القرارت)، وفي وقت تستهدف فرنسا ماكرون المسلمين في العالم في النيل من نبيهم صلى الله عليه وسلم ومن ومسلمي فرنسا في حياتهم الشخصية وحرياتهم الخاصة ودينهم ومعتقدهم. استهداف المسلمين من اليمين المتطرف غربيا ومن حكومات غربية مثل فرنسا يعزز شعور المسلمين بالظلم الواقع عليهم وبشكل مستمر وإن كان بأشكال مختلفة وأساليب متنوعة. 


من العار والمعيب أن دولة مثل الولايات المتحدة تأسست على إبادة السكان الأصليين –الهنود الحمر- وتاريخها بل وحاضرها مثقل بالجرائم ضد الإنسانية كما فعلت في هيروشيما اليابان وفي فيتنام وفي تدمير العراق وتحويله لدولة فاشلة يحكمها فاسدون، والمسؤولية عن اكثر من مليون ضحية وتدمير جيل كامل في بلاد الرافدين، ودعمها المتواصل والمستمر للإحتلال الصهيوني ودعمه ماديا وعسكريا وحمايته سياسيا من خلال قرارت الفيتو المتكررة وغيرها من الجرائم، من المعيب على واشنطن أن تضع نفسها في موضع الحكم لحدث تاريخي عليه علامات استفهاك كثيرة وكبيرة لتصدر فيه حكما وقرارا.


مع التذكير أن تركيا تدعو باستمرار لدراسة تاريخية علمية موثقة حول ما جرى للإرمن وتدعو من عنده وثائق في هذا الشأن لتقديمها وإظهارها، ومع ذلك فإن دعوات أنقرة لبحث علمي ودراسة تاريخية محايدة تواجه دائما بالإهمال والإعراض. ثم أليس معيبا أن تغمض أمريكا عينيها على ما يحدث في سوريا بعدما خانت تعهداتها بشأن خطوط الكيماوي الحمراء ولا تأخد ما جرى للمسلمين من مجازر في ميانيمار بعين الإعتبار، ثم فجأة تتذكر أحداثا تاريخية قديمة فتعلن موقف سياسي بغطاء إنساني كاذب؟؟ 


يأتي موقف بايدن من تركيا بعد خلافات أمريكية-تركية بشأن استقلالية القرار التركي خصوصا فيما يتعلق بمنظومة الصواريخ، ليعيد بديهية أن واشنطن والتي يشاهد العالم حوادث العنصرية المنتشرة في مجتمعاتها لحد الموت خنقا من الشرطة لرجل أسود كما حدث مع جورج فلويد، تستخدم حقوق الإنسان كادوات سياسية قابلة للتفاوض والمساومة. أين كانت أمريكا طوال هذه العقود من قضية الأرمن؟ ولماذا تذكرتها وفرنسا ماكرون الغارقة تاريخيا وأفريقيا ببحور من الدماء الآن؟ إن أشد أنواع انتهاك حقوق الإنسان أستخدام تلك الحقوق أدوات سياسية حين يكون هناك حاجة لذلك ولتحقيق أهداف غير أخلاقية.


الموقف الأمريكي الأخير يتناغم مع مواقف أوربية ومع تحالف الإحتلال الصهيوني من اليونان ودول عربية غارقة بالفساد والاستبداد تستهدف تركيا ودورها الجديد ومكانتها المتعاظمة ونهضتها العالمية وتقدمها التقني. تركيا والتي أصبح قائدها أردوغان يتكلم بما تخفق به قلوب الأتراك والعرب والمسلمين، ليجدوا فيها المعبر عن الآمهم وطموحاتهم وإحباطهم من الظلم العالمي الواقع على المسلمين، تركيا تزداد بإذن الله قوة ومناعة وزعامة وقيادة.


حين يعتدى على الرسول صلى الله عليه وسلم، وحين تقصف غزة المحاصرة بإجرام ودموية، وحين يستهدف المسلمون في دينهم وعقيدتهم، وحين يستهدف الأقصى استباحة وتهويدا، يلتزم العالم المنافق أو المرتجف أو الواجف بالصمت، وحدها تركيا تقف بثبات ورسوخ تدافع عن الأمة ومقدساتها ومستضعفيها وايتامها. 

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2