كتبت أسمى الملاح: رمضانيات.. المسحراتي

2021.04.16 - 09:38
Facebook Share
طباعة

 نفحاتٌ من أيامٍ فاضلةٍ قادمة، استعدادات وتجهيزات وزينة ملونة صوت همسات وادعية مخبئة  هكذا بدأت أول أيام رمضان لكن ماذا عن لياليها..


ويلمع في الخاطر عبارات تتردد كل ليلة:


"يا نايم وحد الدايم"، "قوموا لسحوركم اجا رمضان يزوركم".


بهذه الكلمات مع ضربات فنية على الطبلة يبدأ المسحراتي أولى ليالي رمضان، حيث ذكرت المصادر أن المسحراتي يعود إلى زمن النبي الكريم بطلب منه لبلال بن رباح وهو أول مؤذن في الإسلام.


 فكان بلال يؤذن بصوته الجميل وابن أم مكتوم يساهم في إيقاظ الناس للسحور.


وذُكر أيضاً أن مهنة المسحراتي ظهرت بشكل رسمي في عهود الدولة الإسلامية الأولى حيث كان يطلب من الناس النوم باكرًا وكان الجنود يمرون على البيوت ويوقظون الناس للسحور وتوالت الأيام إلى عصر الدولة العباسية ليُعتبر عُتبة ابن اسحاق أول من نادى بالتسحير حيث كان يخرج على قدميه سائرًا قائلًا: "يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة".


وتطورت على أيدي المصريين في ذلك الزمن.


وكان يطلق على المسحراتي ألقاب مختلفة مثلا في المغرب "النفار" وفي دمشق الحبيبة يُلقب بـ"أبو طبلة" لأنه كان يقرع على طبلة صغيرة فتكنى باللقب...


لكن مهلًا... من هو أبو طبلة حقًا؟


تقول الحكاية يا أحبة إن أبو طبلة هو نفسه المسحراتي.


كان لكل حارة في دمشق باب وفي نهاية اليل يُغلق هذا الباب كي لا يمر الغرباء، وكان لباب الحارة حارس فما إن يُغلق الباب وتسرج المصابيح بالزيت وتنير الأروقة إذ بهذا الحارس يتنقل بين الأزقة يتفقد أهل حارته وضوء  مصابيحهم، فإن جاء رمضان تحول إلى أبو طبلة يدور على أهل حارته ويناديهم بأسمائهم...


وكانوا يقاسمونه سحورهم، فكان لهذا الشخص مكانة طيبة لدى الجميع، فإذا انقضى رمضان وجاء العيد طاف بالمنازل فيعطيه الناس ما تيسر من النقود جبرًا بخاطره ويسمونها "العيدية"... ومن منا لا يفرح بالعيدية؟ هذه بركة السحور كما قال لي أحد المسحراتية يوما...


وتوالت السنون ودخل التلفاز والإذاعة وتطاول البُنيان فلم يعد يجد أبو طبلة عمله سهلًا كما كان في السابق، ولم يعد يجد استحسانًا من الجميع مثل ذي قبل... يقول أحد الكُتاب ممن كان معارضاً لدور المسحراتي في عصر الإذاعة: "في الوقت الذي يريد أن يخلد الإنسان للنوم والاسترخاء لم تمر نصف ساعة حتى يأتيك أبو طبلة هذا المسحراتي الذي ضاقت به الصنعات والمهن... والله وأعجب العجب أن يعترف المجتمع بهذه الصنعة ويجب عليك شكره وأن تدفع له آخر الشهر أجرته على أنه قد أزعج أعصابك...).


وهنا نقف بين محب ومستنكر لمهنة المسحراتي حتى يومنا هذا...


فلربما لا يلقي الجميع بالًا لأبو طبلة اليوم... لكن من منا لم يسهر حتى يسمع صوته البعيد فيقول أهلًا بعودة المسحراتي وليالي البركة خاصة في ليالي رمضان الأولى... مع ذلك الإيقاع المؤثر والصوت العتيق الذي يسترجع لنا ذكرياتنا والكثير من الحنان لطفولتنا... فهو رمز من رموز عاداتنا في ليالي رمضان المليئة بالبركة...


في هدأة الليل وسكون البيوت القديمة حيث ينام الأطفال باكرا كصف واحد في تلك الحارات، حيثُ الحكايا القديمة تروي أن رجلًا مرّ يحمل قنديلًا وكيسًا صغيرًا على خصره وبيده طبلة ْ... وبصوت ساحر يوقظ النائمين فيقفز الأطفال ويغدو السحر وقت فرح يخالطه صوت التكبيرات التي تصدحُ في الأرجاء...


وإنه لمن المثير للاهتمام كيف أن مهنة هذا الرجل وتقاليدها لم تتوقف منذ عصور الإسلام الأولى في شهر البركة والغفران... وهو يجول بين الأزقة والأبنية وينقر طبلته بنغمته المعهودة... وندائه المعروف... وقد أخبرني أحد المسحراتية يومًا بعد أن سألته لماذا ما زلت مستمرًا رغم عدم حاجة الناس لك... فقال لي بصوت خجول: "ومن يجبر خاطر الحارات المهجورة المشتاقة لرمضان..؟"

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 3