كتبَ ياسين أقطاي: "البهارات" العلمانية والأتاتوركية

2021.04.10 - 09:31
Facebook Share
طباعة

 تعيش تركيا خلال الأيام الأخيرة على وقع جدل كبير بعد البيان الذي نشرته مجموعة من جنرالات البحرية المتقاعدين، ودون أي مقدمات دخلت تركيا في نقاش كبير حول تأثير هذه الخطوة والسبب هو البيان الذي وقعه 103 جنرالات متقاعدين، والذي نشر على شبكة الإنترنت.


هذا البيان تحدث فيه الموقعون عن معاهدة مونترو ومشروع قناة إسطنبول، ومن المثير للانتباه أن الضباط المتقاعدين بدؤوا بيانهم بالتعبير عن عدم ارتياحهم، وبالطبع ساروا على نهج الانقلابيين الذين سبقوهم، وأضافوا بعض البهارات العلمانية والأتاتوركية، لكن يبدو أن ما يشغلهم أساسا هو مشروع قناة إسطنبول.


في البداية دعونا نتفق على أن تركيا لم تعد ذلك البلد الذي يمكن لأي كان أن يؤثر فيه، إذ إن المحاولة الانقلابية الأخيرة تم صدها خلال ليلة واحدة بفضل المقاومة الباسلة للشعب الذي استجاب لنداء الرئيس رجب طيب أردوغان وتصدى للانقلاب الفاشل في 15 يوليو/تموز 2016، خرج الناس بمختلف أطيافهم، من يمين ويسار وعلويين وسنة، وتصدوا بصدور عارية للبنادق والدبابات وحتى الطائرات الحربية، وحتى مع سقوط 250 قتيلا في تلك الليلة وأكثر من ألفي جريح فإن ذلك لم يرهب المواطنين الذين تمسكوا بالديمقراطية وأظهروا إصرارا كبيرا.


بنهاية تلك الليلة كان كل الانقلابيين قد تعرضوا للاعتقال وتم سجنهم، وخلال المسار الذي انطلق بعد تلك الأحداث بات الأتراك يشعرون بفخر كبير ويتمتعون بوعي أعلى حول أهمية حماية ديمقراطيتهم، تمت محاكمة المخططين للانقلاب وتشكل وضع جديد يجعلهم لا يفكرون في الانقلابات مرة أخرى.


وفي هذا السياق، يبدو مثيرا للانتباه كيف يصدر مثل هذا البيان عن مجموعة من الجنرالات المتقاعدين، ورغم أن البعض قد يزعم أن هؤلاء الضباط رغم خروجهم للتقاعد لا يزالون يمثلون جزءا من الجيش فإن هذا الأمر ليس أكثر من أضغاث أحلام، ويمكننا اليوم الجزم بأن الجيش التركي وصل لمرحلة أصبح فيها ملتزما بالديمقراطية ويقف ضد الساعين وراء الانقلابات.


تدرك القوات المسلحة التركية أنها باتت أقوى عندما التزمت بالنهج السياسي والديمقراطية بعد انقضاء عهد ظل فيه الجيش يعمل لسنوات على تقويض الديمقراطية، مما جعله عاجزا عن القيام بمهمته الأساسية وهي محاربة الإرهاب، إذ لم يتمكن الجيش حينها من التعامل مع الجماعات الإرهابية التي أضرت بالبلاد لمدة 40 عاما، ولم يتمكن من بسط سيطرته على هذه المنظمات التي تهدد البلاد من الداخل والخارج.


لكن بعد عملية التطهير التي نفذت ضد المخططين لانقلاب 15 يوليو/تموز، وانسحاب الجيش نحو الحدود كما تنص عليه المراسيم الإدارية والدستور بدأت القوات المسلحة في تنفيذ أكثر عملياتها نجاحا في تاريخ الجمهورية، ومنذ ذلك الحين نفذت القوات المسلحة التركية 3 عمليات كبرى ناجحة داخل سوريا.


وقد تعرضت منظمة "بي كيه كيه" إلى هزيمة تاريخية في البلاد، وزال التهديد الذي كانت تشكله لتركيا، وفي الآن ذاته تواصل القوات المسلحة القيام بمهامها في ليبيا والصومال وأذربيجان بكثير من النجاح، مذكرة العالم بالتاريخ المجيد للجيش التركي.


في الواقع، يعتبر امتعاض 103 من الجنرالات المتقاعدين أمرا طبيعيا، ويمكنهم التعبير عن ذلك، فهذه البلاد لديها رؤية سياسية واضحة، وهناك حكومة تقوم باتخاذ القرارات ولن تستطيع بكل تأكيد إرضاء الجميع، ومن الممكن أن نجد أشخاصا يعارضون هذه السياسات وينزعجون منها، ومن الطبيعي أن يعبروا عن قلقهم ومعارضتهم، ولكن الأهم هو أن هذه السياسات الحكومية ترضي الشعب، وهذا هو معنى الديمقراطية.


أما الأمر غير الطبيعي فهو أن هؤلاء الجنرالات المتقاعدين يقومون بمثل هذه الخطوة بالاعتماد على تنظيم محكم وفي هذا التوقيت بالذات لإعطاء انطباع بأنهم يؤثرون على المسار الديمقراطي.


ولكن بالطبع، تركيا اليوم بعيدة كل البعد عن أي احتمال أو ظروف مواتية لنجاح انقلاب عسكري، وردود الأفعال حول هذا البيان ليس مردها الخوف من حصول انقلاب، أو امتلاك هؤلاء الجنرالات أي نفوذ قد يمكنهم من تنفيذ التهديدات التي تضمنها بيانهم، بل على العكس من ذلك تماما فإن ردود الأفعال التي نشاهدها هذه الأيام تثبت بلا ريب أن التهديدات الانقلابية غير ذات قيمة، ولا يمكن أن تتحول إلى واقع ملموس.


هناك اليوم حالة من الوعي بأن هذه البلاد تشهد نهضة حقيقية، وتستطيع الانتصار على كل من يفكرون في تنفيذ الانقلابات، وبالطبع فإن هذا الوعي لم يتشكل بين يوم وليلة، ولم يكن بالأمر السهل، بل كان نتاجا للأزمات التي تعرضت لها البلاد وكلفتها الكثير، وقد تشكل هذا الوعي لدى الشعب بعد أن أدرك أن الانقلابات هي أكبر الشرور، هذا الوعي ظهر أمام العالم في محطات 27 أبريل/نيسان 2007، ومن 17 إلى 25 ديسمبر/كانون الأول 2013، وفي 15 يوليو/تموز 2016.


والحقيقة أن السبب الحقيقي وراء معارضة 103 من الجنرالات مشروع قناة إسطنبول ورفضهم المساس بمعاهدة مونترو هو أن تلك المعاهدة تذكرهم بمصالحهم، لكن في الواقع لا توجد أي علاقة بين الأمرين، وقناة إسطنبول هي مشروع جديد يفتح لتركيا آفاقا كبيرة.


معاهدة مونترو بشأن حركة الملاحة في المضائق تمثل عبئا لا فائدة منه، أما مشروع قناة إسطنبول فإنه سيجلب منافع اقتصادية كبيرة.


وإذا كان هناك جنرال متقاعد ينزعج من هذا الأمر، فهذا يخبرنا بالكثير عن الأطراف التي كانت تستفيد من هذه المعاهدة، هذه الخطوة تظهر حقا أن تركيا تتقدم على المسار الصحيح.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6