اهتزت الأوساط الحكومية والسياسة والإعلامية في لبنان بعد صدور قرار قاضي محكمة الأمور المستعجلة في صور محمد المازح يمنع بموجبه السفيرة الأمريكية في لبنان "دوروثي شيا" من التصريح لأي وسيلة إعلامية وصحفية على الأراضي اللبنانية , متهماً إياها "بالتدخل بالشأن الداخلي اللبناني وإثارة النعرات والفتن بين أبناء الوطن الواحد" . وقد ارتكز "المازح" في قراره على القانون الذي يمنع السفراء والدبلوماسيين التدخل في الشأن الداخلي والتصريحات التي تأخذ الشكل التحريضي ما يعرض السلم الأهلي للخطر .
في الواقع، لم تكن هذه المرة الاولى التي تتجاوز بها الولايات المتحدة الخطوط الحمراء من خلال استخدام وسائل الاعلام للتحريض على فئة لبنانية أو لتعكير السلم الأهلي.
فقد سبق هذا التصريح العديد من المواقف المعادية للشعب اللبناني أطلقها عدد من المسؤولين في البيت الأبيض، ثم جاءت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على مؤسسات وأفراد
بذريعة دعمهم لحزب الله.
كذلك كان واضحاً التدخل السافر لدعم مجموعات محددة في الحراك الشعبي الذي يرفع شعارات معادية لحزب الله منها الدعوة لنزع سلاحه . وهذا ما اكده الرئيس الامريكي دونالد ترامب سابقاً عندما قال "بدأت مفاعيل العقوبات على حزب الله في لبنان وقريبا سنعلن الانتصار من داخل الحراك" .
وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو بضرورة تشديد العقوبات ومراقبة القطاع المصرفي لقطع التمويل عن حزب الله .
مفصلاً هاماً في هذا الصراع المحموم . أمريكا تملك القوة الكافية للضغط من البوابة الاقتصادية ورفع سعر الدولار الى اعلى مستوياته
لضرب العملة المحلية واستنساخ ماحصل في فنزويلا , وتحويل بوصلة الغضب الشعبي باتجاه حزب الله وتحميله مسؤولية الازمة .
الادارة الامريكية تعي جيدا التركيبة السياسية في لبنان وتدرك ان الخلافات فيه عميقة وتوحيد الرؤية في ظل تعدد الولاءآت أمر شبه مستحيل لذلك هي تلعب على الوتر الطائفي وتعمل على جر الحراك الى مرحلة الصدام ,مرة مع المؤسسة الامنية وتارة بين المكونات لخلق فوضى وفراغ امني حتى تتمكن من تمرير مخططاتها .
في هذا السياق ظهر هذا القرار كردة فعل قضائية على ما تثيره أمريكا من اضطرابات وضغوط وإثارات داخلية .
من جهة اخرى تباينت الآراء بين مؤيد ومعارض لهذا القرار
اذ اعتبر رئيس لجنة الاعلام والاتصالات النيابية حسين الحاج حسن النائب عن حزب الله ان هذا القرار بحق السفيرة "مطلب وطني وشرعي
وان سياسات الولايات المتحدة في لبنان والمنطقة تأخذ طابعا"تخريبيا" خصوصا بعد دخول قانون قيصر حيز التنفيذ مع ما له من آثار سلبية على الاقتصاد اللبناني" .
وعلى الجهة الاخرى طلب رئيس حزب القوات سمير جعجع احالة القاضي الى التفتيش القضائي فهو رأى في تصريحات السفيرة الامريكية أمراً طبيعياً في "بلد بلا سيادة "حسب تعبيره. موقف جعجع غير المستغرب يتماهى مع السياسات الأمريكية. وهو كان بنفسه يعبر عن متانة علاقته مع الولايات المتحدة حين يلتقي بالمسؤولين الامريكيين.
وعلى خط مواز كان لوزيرة الإعلام اللبنانية منال عبد الصمد رأي اقرب الى الدبلوماسية. اذ تحدثت عن الدستور والقانون وحرية الاعلام ونأت بنفسها عن الخوض بتفاصيل القرار وخلفياته واثره في الشارع اللبناني الذي تحرك لمساندة قرار القاضي.
اما موقف الحكومة الرسمي فظل ملتبساً في ظل تحديات كبيرة ومشاكل معقدة ، حيث ترى أنه ليس لهذه الحكومة الطاقة والقدرة على فتح جبهة جديدة مع الادارة الامريكية وفي ظل التوترات والنزاعات في المنطقة فاكتفت بالتأكيد على المصالح بين الشعبين اللبناني والأمريكي
والعلاقات العميقة بين البلدين .
السؤال هنا هل سيشكل القرار القضائي مدخلاً لتوتر إضافي أم أن حدود القضية انتهت عند هذا الحد من المجابهة!