وسط حراك دبلوماسي متسارع لنزع فتيل تصعيد عسكري جديد في ليبيا، وصل الى العاصمة الليبية طرابلس، الأربعاء 17 من حزيران الجاري، وفد تركي كبير . وتأتي الزيارة وسط دعوات دولية لوقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، في ظل محاولات تبذلها بعض الدول لمنع قوات حكومة الوفاق من إطلاق عملية عسكرية لاستعادة مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) وقاعدة الجفرة الجوية التي تبعد 650 كلم إلى الشرق من العاصمة.
و في ظل هذه الاجواء الضبابية، وما بين "حفتر و الوفاق" اشتعلت حرب كلامية بين تركيا و فرنسا، التي وجهت انتقادات شديدة إلى تركيا، واصفة دورها في ليبيا بأنه "عدواني".
وقال مسؤول في الرئاسة الفرنسية:" إن محادثات ستُجرى خلال الأيام المقبلة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (ناتو) تشمل تركيا، لبحث الدور التركي "العدواني" و"غير المقبول". بحسب تعبيره.
واتهم المسؤول تركيا -وهي عضوة في الناتو- بخرق الحظر الأممي على تسليح ليبيا، وبزيادة وجودها البحري قبالة ساحلها.
وفي السياق ذاته، أصدرت الخارجية الفرنسية بيانا رفضت فيه أي تدخل خارجي في ليبيا، و خصوصا الدور التركي الذي قالت إنه "غير مقبول ولا بد أن ينتهي".
وقال البيان "إن حكومة الوفاق الليبية تواصل الهجوم بدعم تركي (ضخم) رغم الموافقة على بحث وقف إطلاق النار" .
بدورها اتهمت أنقرة باريس بمساهمتها في عرقلة الاستقرار في ليبيا، وقالت الخارجية التركية في بيان يوم الثلاثاء 16 من الشهر الجاري، "إن الدعم الذي تقدّمه فرنسا للانقلابي القرصان حفتر فاقم الأزمة في ليبيا، وزاد معاناة الشعب الليبي".
وجاء الرد التركي على كلام الخارجية الفرنسية "إن التدخل الخارجي ولا سيما زيادة الدعم التركي، وخرق حظر السلاح يحبط جهود التوصل لوقف لإطلاق النار". وتابعت باريس كذلك "إن هذا التدخل يمثل موقفا عدوانيا غير مقبول"، وأنه "من المفترض أن تركيا شريك في حلف شمال الأطلسي لذا لا يمكن استمرار ذلك"، مؤكدة نيتها الدخول في محادثات مع تركيا حول الموضوع.
وقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الشهر بأن دعم فرنسا لحفتر "أزعجه فعلا".
يشار إلى أن فرنسا "متهمة" بدعم حفتر سياسيا وعسكريا، لكنها تنفي ذلك، ورغم نفيها علناً أي دعم له، يُعتقد أن باريس تراهن على الرجل.
بينما تدعم تركيا حكومة الوفاق الليبية عسكريا بموجب اتفاقية أمنية وقعها الجانبان في تشرين الثاني الماضي.
و اتهمت أنقرة باريس بأنها تعمل لصالح دول أخرى في الأزمة الليبية، في إشارة إلى مصر والإمارات، كما وصفت تركيا التصريحات الفرنسية بأنها "تنم عن سياسة مبهمة ويتعذر تفسيرها".
وسبق للرئاسة الفرنسية أن صرّحت في وقت سابق، أن "سياسة تركيا عدوانية ومتصلبة"، وأنها "تتصرف بطريقة غير مقبولة عبر استغلال حلف شمال الأطلسي، ولا يمكن لفرنسا السماح بذلك".
وتصاعد التوتر بين الحليفين في الناتو، إثر قيام أنقرة بعمليات تنقيب عن الغاز شرق المتوسط، وكذلك إثر ارتفاع الحضور العسكري التركي في ليبيا، إذ يقول محللون أن أنقرة تبحث مع حكومة الوفاق إمكانية استخدام تركيا لقاعدتين عسكريتين في ليبيا، سعيا لوجود تركي دائم في منطقة جنوب المتوسط.
و كانت باريس قد وجهت اتهاما آخرا لأنقرة، بالتهجم على سفينة فرنسية، حيث أعلنت وزارة الجيوش الفرنسية يوم الأربعاء 17 من الشهر الجاري، أن سفينة فرنسية تشارك في مهمة للحلف الأطلسي في البحر المتوسط تعرضت مؤخرا لعمل "عدواني للغاية" من قبل زوارق تركية، منددة بمسألة "بالغة الخطورة" مع شريك أطلسي.
وأوضحت الوزارة أن السفينة الفرنسية تعرضت لثلاث "ومضات لإشعاعات رادار" من أحد الزوارق التركية، معتبرة ذلك "عملا عدوانيا للغاية لا يمكن أن يكون من حليف تجاه سفينة تابعة لحلف الأطلسي"، في وقت يعقد وزراء الدفاع في دول الحلف اجتماعا الأربعاء عبر دائرة الفيديو المغلقة.
وأضافت أن "هذه القضية خطيرة جدا في نظرنا، و لا يمكننا أن نقبل بأن يتصرف حليف على هذا النحو وأن يقوم بما قام به ضد سفينة لحلف شمال الأطلسي تحت قيادة الحلف تقوم بمهمة للحلف". محذرة من أن وزيرة الجيوش فلورانس بارلي ستضع "النقاط على الحروف" خلال الاجتماع القادم بشأن "الموقف التركي في النزاع الليبي".
وقالت الوزارة "إن السفن التي تبحر بين تركيا ومصراتة أحيانا بمواكبة فرقاطات تركية لا تساهم في نزع فتيل الأزمة". ونددت بأن تكون السفن الحربية التركية -تستخدم رموز الأطلسي- لتعرف عن نفسها خلال مهمات المواكبة هذه" .
علاوة على ذلك، يرى مراقبون، أن التوتر بين الحليفين في شمال الأطلسي ربما لن تقتصر تداعياته على ليبيا، إذ من الممكن أن تصل شظاياه إلى دول أخرى، خاصة في المنطقة المغاربية، حيث لم ينجح خليفة حفتر في ضمان وجود حليف له هناك، بينما استطاع فايز السراج ضمان موقف دولتين مهمتين، هما المغرب وتونس، اللتان تؤكدان أنه لا محيد عن "اتفاق الصخيرات" لإيجاد حلّ سلمي للأزمة في ليبيا، وهو الاتفاق الذي تولدت عنه حكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج.
و يقول الخبير الاقتصادي المغربي رشيد أوراز في تصريح لوكالة إعلام ألمانية :" إن هذا الصراع ينتقل أحياناً إلى ما هو اقتصادي، ففرنسا الآن تحاول مضايقة النشاط التركي في المنطقة. لكن أنقرة ماضية في اتفاقياتها رغم هذه الضغوط الفرنسية".
و يرى أوراز أن أنقرة تلعب كذلك على وجود تناقضات بين دول المنطقة وعدم وجود قبول كبير لفرنسا عند كثير من الفئات، التي تستحضر صورتها الاستعمارية، وكذلك باعتبار "الطريقة الأبوية" التي تتعامل بها فرنسا مع هذه الدول.
في المقابل، ذهب محرر الشؤون الدولية في صحيفة "لوفيغارو" رينو جيرار إلى أن التصعيد الفرنسي اتجاه تركيا يعود إلى رغبة باريس في خفض التصعيد بليبيا والوقف الفوري لإطلاق النار، كما تريد من أنقرة وحكومة الوفاق التوقف عن التدخلات العسكرية في ليبيا، لأنه ما من حل عسكري للأزمة هناك.
وأضاف جيرار أن مبعث القلق لدى فرنسا ليس وجود الجيش التركي في ليبيا، بل هو -حسب زعمه- أن "تركيا أتت بآلاف الجهاديين والثوار السوريين الذين كانوا يقاتلون ضد نظام الأسد في سوريا، وهذا ما تعتبره فرنسا تهديدا حقيقيا تعمل على إدانته".
وأكد المتحدث باسم الرئاسة التركية ابراهيم كالين اليوم السبت، أن التوصل لوقف دائم لإطلاق النار في ليبيا يتطلب انسحاب قوات خليفة حفتر من مدينة سرت الاستراتيجية.
مؤكدا واضاف "مع استمرار المسؤولين الفرنسيين في انتقادنا، لكننا نعمل مع الأطراف الشرعيين في حين تعمل فرنسا مع أطراف وعناصر غير شرعيين مع توجيه الاتهام الينا. و هذا لا معنى له". وفق رأيه.