استقدمت القوات التركية خلال الأسبوع الماضي عدداً كبيراً من المدرعات والآليات العسكرية إلى نقاطها المتواجدة داخل أراضي محافظة إدلب، فيما تتصاعد حدة خروقات الفصائل المسلحة وعلى رأسها تنظيم "جبهة النصرة"، لاتفاق وقف إطلاق النار، في مرحلة يبدو أن سقوط الاتفاق فيها بات وشيكاً لجهة عودة العمليات العسكرية السورية لتأمين الطريق الواصلة بين حلب واللاذقية المعروفة باسم "M4"، بفعل الأمر الواقع من خلال السيطرة على كامل النقاط الواقعة إلى الشمال منه، بعمق يسمح بعودة آمنة لحركة النقل البرّي بين المحافظتين، فبقاء الطريق على وضعه الحالي يعني إستحالة استثماره في الحركة التجارية من قبل الدولة السورية.
تقول ملعومات ميدانية إن القوات التركية ادخلت ليل الخميس الماضي رتلاً مؤلفاً من ٧٠ آلية من خلال معبر "كفر لوسين"، نحو نقاطها الواقعة في منطقة "جبل الزاوية"، بريف إدلب الجنوبي، فيما سجل صباح يوم الجمعة خرقاً للميليشيات المسلحة على محور قرية "حنتوتين"، فيما استهدف الطيران "السوري - الروسي"، النقاط التي اطلقت منها النيران على مواقع الجيش إضافة لاستهداف تحركات للميليشيات المسلحة في منطقة "جبل الزاوية"، ولا يبدو ان اتفاق وقف إطلاق النار سيصمد طويلاً بسبب الخروقات المستمرة من قبل "النصرة"، التي مازالت الحكومة التركية عاجزة عن إلزامها ببنود الاتفاق، ومازال تنظيم "أبو محمد الجولاني"، يتمسك بحواجزه ونقاطه على الطريق بما يمنع عودة الحركة التجارية إليه.
احتمال سقوط وقف إطلاق النار يتزامن مع احتمال مشابه لسقوط اتفاق وقف إطلاق النار في الشمال الشرقي من سورية، إذ إن التحشيد التركي شمال مدينة "المالكية"، بأقصى ريف الحسكة الشمالي الشرقي، وشمال بلدة "عين عيسى"، بريف محافظة "الرقة"، يشير إلى أن القوات التركية تتجه لتجديد المعارك ضد "قوات سورية الديمقراطية"، الأمر الذي يجعل من الحراك العسكري في المناطق الواقعة شمال سورية مسألة محتومة ومرهونة بعامل التوقيت لا أكثر، وإن كانت النصرة هي من تحضر لخرق اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب وبالتالي سيكون رد فعل الجيش السوري دفاعياً، فإن المسألة في المناطق القريبة من الحدود في محافظتي الحسكة والرقة، مهددة بتوقيت تختاره الحكومة التركية التي تجد ألا تغير جدي بالنسبة لانتشار "قوات سورية الديمقراطية"، بالقرب من الحدود، ولا يبدو إن المصالحة "الكردية - الكردية"، والاتفاق على دخول "المجلس الوطني الكردي"، الموالي لأنقرة في حسابات إدارة المنطقة القريبة من الحدود يرضي الطموحات التركية في شكل وآلية تأمين أراضيها من انتشار الفصائل الكردية المسلحة المرتبطة بـ "حزب العمال الكردستاني"، الذي تشن وحدات الجيش الثاني التركي عملية عسكرية ضده في الأراضي العراقية تحت مسمى "مخلب النمر".
إن عسكرة الشمال السوري من شأنها في الوقت الحالي أن تكشف عن توافقات "أمريكية - تركية"، على خارطة ميدانية جديدة قرب الحدود، كما أن الذهاب نحو إسقاط اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب من شأنه ان يزيد تعقيد الملف السوري في وقت تواجه فيه دمشق أعباء اقتصادية كبرى نتيجة لتأثر سعر صرف الليرة السورية، مضافا إليه ما سيجره "قانون قيصر"، من تأثير على المناطق السورية، ولما سبق يبدو إن الملف السوري يذهب نحو المزيد من التعقيدات الخطرة في وقت تحضر فيه الحكومة السورية لعدد من الاستحقاقات الدستورية التي تبدأها بانتخابات "مجلس الشعب"، إلا أن عودة المعارك إلى إدلب واستعادة السيطرة على الطريق ""، من شأنها أن تنعش الاقتصاد السوري لجهة ربط العاصمة الصناعية والاقتصادية المتمثلة بـ "حلب"، بأقصر الطرق البرّية مع المنافذ البحرية، وهذا ما تبحث عنه "موسكو"، للدخول في ملف استثمار المناطق الصناعية الموجودة حالياً والتي تنوي بناءها في حلب، وإن كان "قانون قيصر"، يعني معاقبة الجهات المشاركة في إعادة إعمار سورية، فإن إقامة شركات من خلال التعاون مع رجال الأعمال السوريين تعد واحدة من المنافذ القانونية بالنسبة للمستثمرين الروس للهرب من العقوبات الأمريكية.
أي معركة عسكرية تمتلك في نتائجها بعد اقتصادي، وبالتالي إن المعارك التي قد يشهدها الشمال السوري خلال المراحل القادمة، هي لرسم الخارطة الاقتصادية النهائية لما بعد الأزمة السورية، ويبدو إن الأمريكيين يستشعرون خطر التوسع الاقتصادي الروسي في سورية وما قد يتبعه من عقود صينية وإيرانية مع الحكومة السورية بما يجعل الصناعيين الروس والصينيين أقرب إلى الأسواق الأوروبية، وهذا ما يهدد الأمريكيين بخسارة المزيد من زبائنهم الأوروبيين، لذا تجد واشنطن أن وضع قيود وفرض خارطة عسكرية بالتشارك مع الحكومة التركية قد يعطل مثل هذه النتائج لمزيد من الوقت بما يخلق هامشاً من تقدم فيه "سلة متكاملة"، من العروض الأمريكية للحكومة السورية، ولا يبدو أن الأمر أبعد مما يعرضه "قانون قيصر"، الذي ستكون كلفة مواجهته بالنسبة لدمشق أقل من كلفة القبول بالعروض الأمريكية