تعيش بندر عباس، المدينة الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، تداعيات اقتصادية متزايدة بعد ستة أشهر من الحرب وتشديد الولايات المتحدة قيودها على الموانئ الإيرانية. انعكس تراجع حركة الشحن والتجارة على الميناء وأعمال النقل والتخليص الجمركي والأسواق المحلية، فيما يواجه السكان انخفاضاً في المداخيل وصعوبة أكبر في تأمين الوقود وبعض الاحتياجات الأساسية.
بدت الواجهة البحرية أقل ازدحاماً من المعتاد، مع انخفاض حركة القوارب والشاحنات والعمال. امتدت الخسائر إلى قطاعات ترتبط بالميناء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من شركات التخليص الجمركي إلى المتاجر ووسائل النقل البحري، بينما زادت المخاوف بعد غارات جوية أميركية طاولت مناطق ساحلية خلال الأسبوع الماضي.
تضم بندر عباس أكثر من 700 ألف نسمة، ويجعلها موقعها الجغرافي نقطة قريبة من حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً رئيسياً لتجارة النفط والغاز الطبيعي عالمياً. يقول سكان المدينة إن هذا الموقع تحول خلال الأشهر الستة الماضية من مصدر للنشاط الاقتصادي إلى عامل إضافي للمخاطر والضغوط المعيشية، بحسب «أسوشييتد برس».
في أحد الأرصفة البحرية، يوضح العامل محمد ترابيان حجم التراجع الذي أصاب النشاط التجاري. كان الرصيف يستقبل قبل الحرب ما يصل إلى 50 شاحنة يومياً محملة بالأغذية واللحوم، بينما أصبح جزء كبير منه خالياً في ظل القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
يقدّر ترابيان أن نحو 500 شخص كانوا يعتمدون على الأعمال المحيطة بالرصيف كمصدر للدخل، مشيراً إلى أن النشاط الحالي لا يوفر فرصاً كافية للعمل. يأتي ذلك في مدينة يرتبط اقتصادها تاريخياً بالنقل البحري، خصوصاً مع قرب ميناء رجائي، أحد أكبر الموانئ التجارية في إيران.
تصل الطاقة الاستيعابية لميناء رجائي إلى 100 مليون طن متري من البضائع سنوياً، وفق تقرير نشرته وكالة «إرنا» الرسمية في يوليو/تموز. يمثل المرفق شرياناً أساسياً لحركة الاستيراد والتصدير، ما يجعل تراجع نشاطه ذا تأثير يتجاوز العاملين في الميناء إلى قطاعات اقتصادية واسعة.
فرضت واشنطن الحصار في أبريل/نيسان، ثم أعادت تشديده عقب تعثر المفاوضات مع طهران بشأن مسار لإنهاء الحرب. تعهدت الإدارة الأميركية بمواصلة الضغط الاقتصادي المرتبط بمضيق هرمز، في وقت يعتبر فيه الممر البحري من أهم طرق نقل النفط والغاز والمنتجات المرتبطة بالطاقة على مستوى العالم.
حذّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي كان من كبار المفاوضين الإيرانيين في المحادثات مع الولايات المتحدة، في وقت سابق من سبتمبر/أيلول من أن تصعيد القيود على إيران سيقابل برد عسكري.
تظهر آثار القيود بوضوح داخل شركات التخليص الجمركي. تقول المحاسبة مهسا شجاعي إن شركتها كانت تعتمد قبل الحرب بدرجة كبيرة على إجراءات استيراد الأرز والشاي والقهوة القادمة من الهند وباكستان، قبل أن يتراجع حجم نشاطها بصورة حادة.
تقدّر شجاعي أن الشركة فقدت ما بين 80 و90% من حجم أعمالها، بعدما كانت تنجز نحو 100 معاملة تخليص جمركي خلال فترة معينة، فيما تقلص الرقم حالياً إلى نحو 10 معاملات فقط. ترافق ذلك مع ارتفاع تكلفة إدخال الشحنات عبر الإجراءات الجمركية، ما يزيد الأعباء على المستوردين والتجار.
لم يتوقف الانكماش عند الميناء، إذ انتقل إلى الأسواق والمتاجر نتيجة تراجع القدرة الشرائية وانخفاض قيمة العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية. يقول أصحاب المتاجر إن حركة الزبائن أصبحت أضعف، بينما باتت الأسر أكثر حذراً في الإنفاق على السلع غير الأساسية.
يعمل مهرداد جهانغيري في بيع ملابس الأطفال، ويوفر متجره دخلاً لأسرته وأسرة والده. يقدّر أن مبيعاته تراجعت بنحو 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مشيراً إلى أن حركة السوق أصبحت محدودة للغاية.
جاء اندلاع الحرب قبل فترة قصيرة من «نوروز»، رأس السنة الإيرانية، الذي يمثل عادة موسماً رئيسياً للتسوق والإنفاق. حرم اضطراب الأوضاع التجار من جزء كبير من المبيعات التي كانوا يعولون عليها خلال تلك الفترة، فيما يواجهون الآن احتمال خسارة موسم آخر مع اقتراب إعادة فتح المدارس في وقت لاحق من سبتمبر/أيلول.
عادة ما تشهد الأسابيع السابقة للعام الدراسي إقبالاً على شراء ملابس الأطفال، غير أن الحركة التجارية هذا العام بقيت محدودة. وصلت الضغوط إلى حد تأخر بعض المتاجر في دفع الإيجارات وتراكم الديون لدى الموردين، في مؤشر على اتساع أثر الأزمة من حركة البيع إلى قدرة أصحاب الأعمال على الوفاء بالتزاماتهم.
يحاول بعض التجار مواجهة الانكماش عبر خفض الأسعار أو السماح للزبائن المعروفين لديهم بتسديد قيمة المشتريات على دفعات. تعكس هذه الإجراءات تغيراً في سلوك السوق، مع سعي أصحاب المتاجر للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط وسط تراجع السيولة لدى الأسر.
أما العاملون في البحر، فيواجهون جانباً أمنياً يضاف إلى الخسائر التجارية. يقول عباس غلزنائي، الذي يقود قارباً بمحرك لنقل الركاب إلى السفن والموانئ القريبة، إنه كان يقطع قبل الحرب مسافة تصل إلى 30 ميلاً، أي نحو 48 كيلومتراً، خلال عمله اليومي.
اقتصر نطاق تحركه حالياً على نحو 7 أو 8 أميال بسبب المخاطر الأمنية في البحر، ما أدى إلى تراجع عدد الركاب وانخفاض دخله. يضيف غلزنائي أن تأمين بعض الاحتياجات الأساسية أصبح أكثر صعوبة، خصوصاً البنزين، في وقت تتراجع فيه قدرة العاملين على الوصول إلى مناطق العمل المعتادة.
على امتداد الساحل، تبدو سفن الشحن البعيدة عالقة وسط حالة من عدم اليقين بشأن موعد استئناف حركة الملاحة بصورة طبيعية. بالنسبة إلى بندر عباس، لم يعد اضطراب مضيق هرمز قضية تتعلق بالتجارة الدولية وحدها، بعدما أصبح انعكاساته حاضرة في الوظائف والدخل والأسواق وتكاليف الحياة اليومية.