مروحية شينوك تكشف حقيقة الإنزال المزعوم في سوريا

2026.09.07 - 19:15
Facebook Share
طباعة

تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية مقطع فيديو قصيراً زعمت أنه يوثق عملية إنزال جوي نفذتها القوات التركية داخل الأراضي السورية في الخامس من أيلول/سبتمبر، بهدف ملاحقة أشخاص قيل إنهم مرتبطون بجهاز الموساد الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً:تنظيم الدولة وسوريا الجديدة.. مشروع توسع يصطدم بالدولة


ورافق المقطع، الذي لا تتجاوز مدته 15 ثانية، سردية تتحدث عن عملية أمنية مفاجئة واعتقال عدد من الأشخاص، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متزايداً حول طبيعة الدور التركي في سوريا ومستقبل الانتشار العسكري للقوى الإقليمية والدولية فيها.

إلا أن التدقيق في تفاصيل المشاهد ومقارنتها بالصور والمعلومات المتاحة عن التدريبات العسكرية يقود إلى نتيجة مختلفة تماماً، إذ لا يظهر المقطع عملية تركية داخل سوريا، بل يعود إلى تدريب عسكري جرى في هولندا قبل أيام من بدء انتشار الادعاء.

مشاهد جوية بلا مؤشرات على سوريا


يظهر في التسجيل مروحية نقل عسكرية ثقيلة تحلق على ارتفاع منخفض فوق منطقة مأهولة، قبل أن تفتح بابها الخلفي وتبدأ عملية إنزال عدد من العسكريين باستخدام الحبال، فيما تظهر مروحية أخرى في الخلفية.

ولا تتضمن اللقطات أي علامة واضحة تحدد هوية القوة المنفذة أو الدولة التي يجري فيها التصوير، وهو ما جعل إمكانية اقتطاع المشهد من سياقه الأصلي وإعادة استخدامه في سياق مختلف أمراً وارداً منذ البداية.

وتكشف خصائص المروحية أنها من طراز «شينوك» من فئة الطائرات الثقيلة المستخدمة في نقل الجنود والمعدات وتنفيذ عمليات الإنزال والإخلاء والمهام الخاصة.

ورغم أن هذا الطراز تستخدمه دول عدة، بينها تركيا، فإن تحديد هوية المروحية وحده لا يكفي لإثبات أن القوات التركية هي التي تظهر في التسجيل، وهو ما يجعل عناصر المشهد المحيطة بالمروحية أكثر أهمية في عملية التحقق.

الطريق يكشف مكان التصوير

أظهر التدقيق في البنية التحتية المحيطة بموقع التصوير مجموعة من التفاصيل اللافتة، بينها تصميم إشارات المرور، وشكل لوحة موقف الحافلات، ومسار مخصص للدراجات، إلى جانب نمط الأرصفة والأشجار وطبيعة الطريق.


وتتطابق هذه العناصر بدرجة كبيرة مع خصائص البنية التحتية الهولندية، ولا سيما الاعتماد الواسع على مسارات الدراجات والتصميم المميز للأرصفة والطرقات داخل المدن.


وبمقارنة هذه التفاصيل مع صور ومعلومات جغرافية متاحة، تبرز مدينة روتردام باعتبارها الموقع الذي يتطابق مع المشهد المصور.


وتزداد قوة هذه النتيجة عند مقارنة الشارع الظاهر في الفيديو بصور الموقع، إذ تتطابق عناصر الطريق والمباني والأشجار ومواقع الإشارات مع منطقة تقع جنوب روتردام.

اقرأ أيضاً:استنفار أمني بعد إطلاق نار داخل محكمة اللاذقية


تدريب عسكري سابق على انتشار الادعاء

البحث في الأحداث العسكرية التي شهدتها روتردام خلال الفترة ذاتها يقود إلى تدريب نفذته القوات المسلحة الهولندية في السابع والعشرين من آب/أغسطس الماضي، أي قبل تداول الادعاء بأيام.

وشهد التدريب تحليق مروحيات عسكرية على ارتفاع منخفض فوق مناطق مأهولة، بمشاركة مروحيات من طرازات مختلفة، بينها «شينوك» و«كوجار» و«أباتشي»، إلى جانب وحدات متخصصة في عمليات الإنزال.

وتتوافق طبيعة الحركة الجوية الظاهرة في الفيديو مع طبيعة هذا التدريب، كما تتطابق بعض اللقطات المنشورة عن المناورة مع المشاهد التي أعيد تداولها لاحقاً باعتبارها عملية تركية داخل سوريا.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن عمليات الإنزال جرت في محيط مبنى كان يستخدم سابقاً كدار للرعاية، ضمن منطقة سكنية في جنوب روتردام، وهو ما يفسر ظهور الطرق والمباني المدنية في خلفية التسجيل.

العثور على النسخة الأصلية يحسم الرواية

ولم تتوقف عملية التحقق عند مطابقة الموقع، إذ قادت عمليات البحث إلى نسخ أطول وأعلى جودة من المشهد نفسه، إضافة إلى تسجيلات أخرى للحدث من زوايا مختلفة.

وتكشف مقارنة هذه المواد أن المقطع المتداول جرى اقتطاعه من تسجيل أوسع، ما أدى إلى حذف عناصر بصرية كان من شأنها المساعدة في تحديد مكان التصوير وسياقه الحقيقي.

كما أن وجود أكثر من تسجيل للمناورة نفسها، وتصويرها من مواقع مختلفة، يدعم بشكل واضح أن المشهد جزء من تدريب عسكري هولندي وليس عملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية.

كيف تحولت المناورة إلى عملية في سوريا؟

يعكس انتشار الرواية المضللة آلية شائعة في تداول المقاطع العسكرية على منصات التواصل، إذ يجري فصل المشاهد عن زمانها ومكانها ثم إعادة تقديمها ضمن حدث سياسي أو أمني راهن.

وفي هذه الحالة، ساعدت حساسية العلاقة بين تركيا وإسرائيل والتكهنات بشأن الدور العسكري التركي في سوريا على منح المقطع سياقاً يبدو قابلاً للتصديق بالنسبة إلى المتابعين، رغم غياب أي دليل مرئي يربطه بسوريا.

كما أن الحديث عن اعتقال أشخاص مرتبطين بالموساد أضاف بعداً أمنياً إلى الرواية، وحوّل مشاهد تدريب عسكري اعتيادي إلى قصة ذات طابع إقليمي، قبل أن تكشف مقارنة التفاصيل الجغرافية والمصادر الأصلية أن الحدث وقع في مكان آخر تماماً. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3