واشنطن في مواجهة إيران.. حين تتعثر استراتيجية الردع

2026.09.07 - 17:34
Facebook Share
طباعة

لم تعد نتائج المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس فقط بحجم الأهداف التي استهدفتها الطائرات الأمريكية أو مستوى الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية، بل باتت تُقرأ على مستوى أوسع يتعلق بقدرة واشنطن على إدارة الصراع وإنهائه، والحفاظ على أدوات نفوذها التقليدية في مواجهة خصوم دوليين باتوا أكثر استعداداً لمجابهة الضغوط الأمريكية.

اقرأ أيضاً:إيران تصعّد خطابها وتبقي التفاوض خياراً مع أمريكا

 

 

وتشير قراءات سياسية إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب دخلت الحرب وهي تراهن على تفوق عسكري واقتصادي يسمح بفرض شروطها سريعاً، إلا أن تطورات المواجهة أظهرت فجوة بين القدرة على توجيه الضربات والقدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة.

 

اقرأ أيضاً:إيران تحذر كوريا الجنوبية.. هرمز يدخل مرحلة تصعيد جديدة

 

القوة العسكرية لا تكفي لصناعة الحسم

كان الرهان الأمريكي يقوم بدرجة كبيرة على التفوق الجوي والضغط المتواصل على إيران، بالتوازي مع التهديد بتوسيع نطاق العمليات إذا لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية. غير أن استمرار المواجهة كشف مشكلة أكثر تعقيداً، تتمثل في غياب مسار واضح لمرحلة ما بعد الضربات.

 

فالعمليات الجوية تستطيع إلحاق أضرار بالبنية العسكرية، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير سلوك دولة كبيرة تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية وخيارات متعددة للرد. ومع مرور الوقت، يصبح السؤال بالنسبة إلى واشنطن ليس فقط: ماذا تستطيع أن تضرب؟ بل كيف تنهي الحرب من دون أن تتحول نتائجها العسكرية إلى عبء سياسي وأمني طويل الأمد؟

 

وهذه المعضلة تعيد إلى الواجهة تجارب أمريكية سابقة أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية بالشروط نفسها.

العقوبات أمام اختبار الصين

 

على المستوى الاقتصادي، واجهت واشنطن تحدياً موازياً. فقد اعتمدت الإدارة الأمريكية على العقوبات باعتبارها إحدى أهم وسائل الضغط على الاقتصاد الإيراني، مع محاولة منع الدول والشركات من الالتفاف عليها أو مواصلة شراء النفط الإيراني.

 

لكن الصين شكلت اختباراً مختلفاً لهذه السياسة، إذ إن قدرة واشنطن على فرض عقوبات ثانوية على قوة اقتصادية كبرى تبقى محدودة عندما تكون تكلفة المواجهة المباشرة مرتفعة.

 

وتذهب تقديرات سياسية إلى أن تردد واشنطن في التصعيد الاقتصادي مع بكين أظهر أن العقوبات، رغم قوتها، ليست أداة مطلقة يمكن استخدامها من دون حسابات. كما أن استمرار العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران يمنح طهران هامشاً للحركة ويقلل من فعالية سياسة الخنق الاقتصادي الكامل.

 

واشنطن تواجه تغيراً في خريطة التحالفات

في الوقت نفسه، دفعت المواجهة إيران إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، في وقت تعمل فيه بكين وموسكو على توسيع الأطر السياسية والاقتصادية التي تقلل اعتماد دول عدة على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.

 

ولا يعني ذلك أن إيران أصبحت جزءاً من محور متماسك قادر على مواجهة واشنطن في كل الملفات، إلا أن الحرب ساهمت في تسريع اتجاه قائم أصلاً نحو تعدد مراكز القوة، وهو تطور لا يصب بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة التي بنت جزءاً كبيراً من نفوذها خلال العقود الماضية على قدرتها على عزل خصومها أو فرض كلفة مرتفعة على الدول التي تتعاون معهم.

 

المخرج أصعب من قرار الحرب

 

المشكلة الأكثر حساسية أمام إدارة ترامب تبقى في إيجاد نهاية للمواجهة. فالعودة إلى التفاوض بعد استخدام القوة يمكن أن تُفسر سياسياً على أنها تراجع، بينما استمرار العمليات يحمل مخاطر توسع الحرب وارتفاع كلفتها على القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.

 

ومن هنا، ترى قراءات سياسية أن الاختبار الحقيقي لواشنطن لن يكون في قدرتها على تنفيذ المزيد من الضربات، وإنما في قدرتها على تحويل الضغط العسكري إلى اتفاق يحفظ مصالحها من دون إظهارها كطرف اضطر إلى التراجع.

 

وبالمحصلة، تكشف حرب إيران عن تحول أوسع في طبيعة النظام الدولي. فالقوة الأمريكية لا تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً، لكن استخدامها بات يواجه قيوداً أكبر عندما تصطدم بقوى كبرى مثل الصين وروسيا، وبخصوم يمتلكون القدرة على الصمود وتوزيع أوراق المواجهة.

 

وعليه، فإن الخسارة المحتملة لواشنطن لا ترتبط فقط بما يجري داخل إيران، بل بما قد تتركه الحرب من انطباع لدى الحلفاء والخصوم حول حدود القوة الأمريكية، وقدرتها على فرض إرادتها ثم تحويلها إلى واقع سياسي قابل للاستمرار. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1

اقرأ أيضاً