إل نينيو يضرب التجارة والغذاء.. تداعيات تتجاوز الطقس

2026.09.05 - 09:53
Facebook Share
طباعة

تدخل ظاهرة «إل نينيو» مرحلة شديدة التأثير على المناخ العالمي، مع توقعات بأن تزداد قوتها خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع ارتفاع استثنائي في درجات حرارة المحيط الهادئ وتحذر الهيئات الدولية من انعكاسات واسعة قد تطال أنماط الأمطار ودرجات الحرارة، وترفع احتمالات الفيضانات وموجات الجفاف والحرارة القصوى، فيما بدأت تداعياتها تظهر في قطاعات حيوية مثل الزراعة والنقل البحري وأسعار الغذاء.

أقرا أيضاً:كييف تستقبل موفدي ترامب لأول مرة لبحث السلام

فرضت الظروف المناخية غير المواتية ضغوطًا مباشرة على قناة بنما، بعدما أدى انخفاض المتساقطات إلى تراجع منسوب المياه في بحيرتين اصطناعيتين تغذيان الممر المائي. ودفع ذلك هيئة قناة بنما إلى تقليص عدد السفن المسموح لها بالعبور تدريجيًا من 36 سفينة يوميًا إلى 32

بحلول منتصف أيلول/سبتمبر، بالتزامن مع إعلان حالة طوارئ على مستوى البلاد بسبب تأثيرات «إل نينيو».

 

تشمل إجراءات ترشيد المياه أيضًا تقليل غاطس السفن، أي المسافة بين سطح المياه وأدنى نقطة في هيكل السفينة، بما يحد من كمية المياه اللازمة لعبور السفن بأمان وتكتسب هذه الإجراءات أهمية عالمية، إذ تمر عبر القناة التي يبلغ طولها نحو 80 كيلومترًا قرابة 5% من حركة التجارة البحرية العالمية، فيما تعد الولايات المتحدة والصين من أبرز مستخدميها.

أقرا أيضاً:إسرائيل تكثف عمليات الاختطاف داخل غزة.. ما الهدف؟

 

 

توضح التجربة السابقة حجم التأثير المحتمل للظاهرة على حركة الملاحة، إذ اضطرت هيئة القناة خلال عام 2023 إلى خفض عدد عمليات العبور اليومية إلى 22 سفينة نتيجة تداعيات «إل نينيو» وانخفاض منسوب المياه.

 

تنعكس الاضطرابات المناخية كذلك على الأمن الغذائي العالمي، وسط ارتفاع أسعار عدد من السلع الأساسية خلال آب/أغسطس. فقد صعد مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» لأسعار الغذاء بنسبة 1.9% على أساس شهري، وبنسبة 2.5% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بعدما كانت الزيادة في تموز/يوليو عند 0.6% شهريًا و1% سنويًا.

 

سجلت أسعار السكر الارتفاع الأبرز بين عدد من السلع، بعدما قفزت بنسبة 11.9% خلال آب/أغسطس لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ حزيران/يونيو 2025. وأسهمت موجات الحر الاستثنائية في أوروبا في الإضرار بالمحاصيل، بينما تهدد «إل نينيو» الإنتاج الزراعي في مناطق آسيوية.

 

ارتفع سعر القمح بنسبة 15% مقارنة بالعام السابق، في ظل عوامل عدة من بينها استمرار اضطراب صادرات الحبوب عبر البحر الأسود المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية. أما الذرة فزادت أسعارها بنسبة 2.5% على أساس شهري، متأثرة بتراجع توقعات المحاصيل في مناطق من الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأسمدة والطلب القوي على الوقود الحيوي.

 

طالت الزيادة معظم مؤشرات الغذاء الأخرى، بما فيها الدواجن والأرز وزيت النخيل، بينما سجلت أسعار لحوم الأبقار تراجعًا بفعل المنافسة المتزايدة بين المنتجين الأستراليين والبرازيليين في الأسواق العالمية، عقب فرض الصين حصصًا على الواردات.

يرى كبير الاقتصاديين في «فاو» ماكسيمو توريرو أن تداخل آثار التغير المناخي مع التوترات الجيوسياسية والاضطرابات اللوجستية في التجارة يؤدي إلى خفض توقعات الإمدادات الغذائية. وخفضت المنظمة توقعاتها لإنتاج الحبوب العالمي في 2026 إلى نحو 2.98 مليار طن،

بانخفاض 2% عن المستوى القياسي المسجل في 2025، مع بقاء الموسم الحالي مرشحًا ليكون ثاني أكبر محصول للحبوب على الإطلاق.

 

تظهر المؤشرات المناخية أيضًا في النشاط العاصفي بالمحيط الهادئ، إذ شهدت المنطقة الخميس وجود ثلاثة أعاصير بصورة متزامنة، في ظاهرة نادرة ربطها علماء بارتفاع درجات حرارة المياه المرتبط بقوة «إل نينيو». وتحولت العاصفة الاستوائية «ماري» إلى إعصار قبالة سواحل باخا كاليفورنيا، لتنضم إلى الإعصارين «كارينا» و«لويل»، اللذين بلغا الفئة الرابعة.

 

تفسر عالمة المناخ في جامعة ميشيغان جوليا كول هذا النشاط بكون المياه الدافئة توفر طاقة إضافية للعواصف الاستوائية، مشيرة إلى أن مشاهدة ثلاثة أعاصير في وقت واحد تعد حالة نادرة، وأن ارتفاع حرارة المياه الاستوائية في المحيط الهادئ يزيد احتمالات تشكل العواصف القوية.

 

تتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تبلغ «إل نينيو» ذروتها في أواخر العام، مع احتمال يقترب من 100% لاستمرار الظاهرة حتى شباط/فبراير 2027. كما رجحت أن تظل آثارها المناخية قائمة بعد بلوغ الذروة، بما يشمل تغير أنماط هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم.

 

حذرت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية سيليستي ساولو من أن قوة الظاهرة الحالية قد تتجاوز ما تم رصده منذ بدء التسجيلات الحديثة قبل نحو أربعة عقود، مشيرة إلى أن المؤشرات الحالية تضعها ضمن نطاق استثنائي للغاية.

 

نبّهت ساولو إلى أن آثار الظاهرة ظهرت بالفعل في صورة اضطرابات وأضرار مرتبطة بالجفاف والفيضانات، محذرة من تفاقمها مع اشتداد «إل نينيو». ودعت سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الأكثر تعرضًا للتقلبات المناخية، ومنها الزراعة والصحة والطاقة والمياه، إلى رفع مستوى الاستعداد.

 

جاء التحذير الأممي أيضًا على لسان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي قال إن «إل نينيو» تتضخم أمام أعين العالم، معتبرًا أن ارتفاع حرارة سطح البحر إلى مستويات غير مسبوقة يدفع الكوكب إلى منطقة عالية المخاطر تصبح فيها الظواهر الجوية القصوى أكثر اعتيادًا.

 

تحدث الظاهرة بصورة طبيعية كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر عادة بين تسعة و12 شهرًا، إلا أن تأثيراتها قد تمتد لمسافات بعيدة عن منطقة نشأتها في المحيط الهادئ الاستوائي. وتشمل الأنماط المرتبطة بها عادةً الجفاف في أجزاء من الأمازون وإندونيسيا وأستراليا، واضطراب الأمطار الموسمية في الهند، وتغير معدلات الهطول في مناطق استوائية أخرى.

 

تشير توقعات المنظمة للفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر إلى تشرين الثاني/نوفمبر إلى احتمالات مرتفعة لتسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية في معظم مناطق اليابسة تقريبًا، بالتزامن مع أنماط أمطار تتوافق مع التأثيرات المعروفة لظاهرة «إل نينيو» القوية.

 

يعكس ارتفاع حرارة مياه المحيط حجم التحول الجاري، بعدما بلغ متوسط مؤشر حرارة سطح البحر في المنطقة الاستوائية الوسطى والشرقية 1.5 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي خلال الفترة بين أيار/مايو وتموز/يوليو. كما تراوحت القيم الأسبوعية بين أواخر تموز/يوليو ومنتصف آب/أغسطس بين 2.2 و2.6 درجة فوق المعدل، في مؤشر إضافي إلى استمرار تصاعد قوة الظاهرة.

 

سجلت الطبقات الواقعة تحت سطح البحر في بعض المناطق خلال تموز/يوليو وأوائل آب/أغسطس درجات حرارة تجاوزت المعدلات الطبيعية بأكثر من 8 درجات، ما يعزز المخاوف من استمرار التأثيرات المناخية خلال الفترة المقبلة.

 

تضع هذه المعطيات «إل نينيو» أمام العالم باعتبارها أكثر من ظاهرة مناخية عابرة، إذ تتقاطع آثارها المحتملة مع حركة التجارة العالمية، والإنتاج الزراعي، وأسعار الغذاء، وإدارة المياه، والاستعداد للكوارث. ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيط الهادئ، تتجه الأنظار إلى الأشهر المقبلة لرصد مدى اتساع التأثيرات التي قد تحملها هذه الدورة المناخية الاستثنائية.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 8