تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان ضغوطًا متصاعدة على الصعيدين المعيشي والخدماتي، في ظل محدودية الإمكانات وتقلص الموارد المخصصة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، الأمر الذي ينعكس على قطاعات حيوية تشمل التعليم والصحة والبنية التحتية والرعاية الاجتماعية.
اقرأ أيضاً:تكبيرات من رومية تزامنًا مع إقرار العفو العام
تظهر صعوبة الواقع اليومي داخل المخيمات من خلال الأبنية المتلاصقة، والطرقات الضيقة، والبنى التحتية المتقادمة، فضلًا عن الاكتظاظ السكاني. وتضاف إلى ذلك تحديات مرتبطة بتأمين المياه والكهرباء والصرف الصحي وجمع النفايات، إلى جانب الرعاية الطبية والتعليمية التي يعتمد عليها قطاع واسع من اللاجئين.
في هذا السياق، ناقش الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني ياسر عباس وسفير دولة فلسطين في لبنان محمد الأسعد، مع مديرة شؤون «الأونروا» في لبنان دوروثي كلاوس، آليات الارتقاء بالأوضاع المعيشية والاقتصادية في المخيمات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الحفاظ على البرامج التي تقدمها الوكالة.
يفتح الوضع المالي لـ«الأونروا» باب التساؤلات حول قدرتها على مواصلة تغطية المتطلبات القائمة، ولا سيما مع اتساع الفارق بين حجم المطالب والموارد المتوافرة، في وقت لا يبدو فيه بديل جاهز قادرًا على تولي المهمة في حال اضطرت الوكالة إلى خفض نطاق برامجها.
المدارس أمام ضغوط جديدة
يسلط المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين والخبير في شؤون «الأونروا» علي هويدي الضوء على نقص واضح في الخدمات، لافتًا إلى أن بدء العام الدراسي تزامن مع إقفال عدد من مدارس الوكالة التي يتلقى فيها اللاجئون تعليمهم، ومنها مدرسة البيرة في بيروت ومدرسة رفح في طرابلس.
اقرأ أيضاً:الصليب الأحمر يواكب تسليم 4 أسرى إلى لبنان
ويصف هويدي هذه الخطوة بأنها مؤشر على تراجع مستوى الدعم، رابطًا إياها بما يعتبره انخفاضًا في التمويل الأوروبي المخصص للوكالة، ومحذرًا من أن استمرار العجز المالي قد ينعكس على قدرتها التشغيلية.
تحذير من تداعيات اجتماعية وأمنية
يرى هويدي أن الأزمة المالية لـ«الأونروا» تتزامن مع استمرار حرمان الفلسطينيين في لبنان، بحسب تقديره، من جزء من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، ما يزيد الأعباء الواقعة على المخيمات وسكانها.
ويحذر من إمكانية تحول الضغوط المتراكمة إلى توترات اجتماعية وأمنية، داعيًا لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني إلى تناول الملف من منظور حقوقي، بما يسمح بمعالجة أسباب الأزمة والحد من انعكاساتها.
تسهم جمعيات مدنية عدة في تقديم برامج ومساعدات داخل المخيمات، غير أن هويدي يعتبر أن نطاق تدخلها لا يغطي مجمل المتطلبات التي يحتاج إليها اللاجئون، في ظل اتساع حجم التحديات.
الفقر والبطالة في صدارة الأزمات
يقدّر هويدي نسبة الفقر بين الفلسطينيين في لبنان بنحو 80 في المئة، بينما تقترب البطالة من 45 في المئة، متحدثًا كذلك عن اكتظاظ سكاني يصل، وفق تقديره، إلى نحو 400 في المئة داخل المخيمات.
ويعزو الخبير استمرار الضغوط على مستوى الخدمات، من وجهة نظره، إلى انحسار موارد «الأونروا»، مضيفًا أن خلفيات سياسية مرتبطة بالقضية الفلسطينية وحق العودة تؤثر، بحسب رأيه، في مسار الدعم المقدم للوكالة.
وكالة أممية تعتمد على المساهمات الدولية
أنشئت «الأونروا» عام 1949 لتقديم المساعدة والحماية والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وتمتد عملياتها إلى خمسة ميادين رئيسية هي لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.
تستند الوكالة بدرجة كبيرة إلى مساهمات طوعية من الدول المانحة، ما يجعل مواردها عرضة للتبدلات السياسية وتغير أولويات الحكومات الداعمة، فضلًا عن التطورات التي تشهدها المنطقة.
ازدادت الصعوبات المالية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إثر تعليق دول عدة مساهماتها على خلفية ادعاءات إسرائيلية بشأن تورط موظفين في هجوم «حماس»، قبل أن تعود بعض الدول إلى استئناف دعمها لاحقًا.
تبلغ الفجوة التمويلية في الموازنة الأساسية لـ«الأونروا» لعام 2026 نحو 100 مليون دولار، وفق المعطيات الواردة، ما يضع الوكالة أمام ضغوط إضافية للحفاظ على برامجها في مناطق عملها.
يرسم هذا الواقع صورة أكثر تعقيدًا للمخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث تتزامن هشاشة الأوضاع المعيشية مع تقلص الموارد، فيما يبقى استمرار الخدمات الأساسية مرتبطًا بقدرة «الأونروا» والدول المانحة على تأمين موارد كافية، خصوصًا للمدارس والرعاية الصحية والاجتماعية.