أعاد سقوط قتلى وجرحى خلال حفل زفاف في جنوب إيران فتح ملف الخسائر المدنية في الحرب الأميركية الإيرانية، بعدما خلص تحليل أجرته وكالة «رويترز» بالاستناد إلى صور ومقاطع فيديو جرى التحقق منها، إلى أن الانفجار الذي وقع في بلدة كوهستاك يرجح أن يكون ناتجًا عن إصابة مباشرة بذخيرة أميركية.
أقرا أيضاً:عُمان وقطر تقودان تحركاً جديداً لاحتواء أزمة طهران وواشنطن
أسفر الهجوم عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 68 آخرين على الأقل، وفق المعلومات التي أوردتها الوكالة، فيما أثارت طبيعة الأضرار والمواد المرئية تساؤلات حول ما إذا كان المنزل قد أصيب مباشرة أم تضرر نتيجة ارتداد مقذوف استهدف موقعًا عسكريًا قريبًا.
ماذا حدث في كوهستاك؟
تجمع عشرات السكان مساء الثلاثاء داخل منزل في كوهستاك للمشاركة في حفل زفاف، قبل أن يقع انفجار أدى إلى تدمير المبنى وسقوط عشرات الضحايا.
اقرأ أيضاً:الكويت تواجه موجة جديدة من الهجمات الإيرانية
راجعت «رويترز» صورًا ومقاطع فيديو للواقعة، ثم عرضتها على أربعة خبراء عسكريين متخصصين في الأسلحة وتحليل الأضرار. اتجه تقييمهم إلى أن آثار الانفجار تتوافق مع إصابة مباشرة للمبنى، وليس مع أضرار ثانوية ناجمة عن ارتداد قذيفة أصابت هدفًا قريبًا.
رجّح ثلاثة من الخبراء أن تكون الذخيرة المستخدمة أميركية الصنع، مع استبعاد احتمال أن يكون صاروخ إيراني للدفاع الجوي قد انحرف عن مساره وسقط على المنزل.
برج الاتصالات في قلب التحقيق
تقع منطقة حفل الزفاف على مسافة تقارب 135 مترًا من برج اتصالات استهدفته غارة أميركية في البلدة.
ذكر مسؤولان أميركيان، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، أن الجيش الأميركي نفذ غارات في كوهستاك في الأول من سبتمبر/أيلول، وكان برج الاتصالات أحد الأهداف المحددة.
أصيب البرج قرابة الساعة 9:30 مساءً بالتوقيت المحلي، بحسب وسائل إعلام إيرانية، ما دفع إلى طرح فرضيات بشأن احتمال ارتباط الأضرار التي لحقت بحفل الزفاف بالضربة الموجهة إلى الموقع القريب.
تدرس الحكومة الأميركية، وفق أحد المسؤولين، عدة سيناريوهات لتفسير سقوط الضحايا، تشمل إصابة المنزل بغارة أميركية مباشرة أو تعرضه لشظايا وارتداد ناتج عن صاروخ دفاع جوي إيراني أو صاروخ اعتراضي خرج عن مساره.
خبراء يرجحون الذخيرة الأميركية
حلل تريفور بول، وهو فني سابق في الجيش الأميركي ومتخصص في إزالة الذخائر المتفجرة ويعمل حاليًا محللًا فنيًا للأسلحة لدى شركة استشارية متخصصة، طبيعة الأضرار الظاهرة في المواد المصورة.
خلص بول إلى أن آثار الانفجار تشير إلى ذخيرة اصطدمت بالسقف أو انفجرت فوقه مباشرة، معتبرًا أن طبيعة الضرر تتوافق مع إصابة مباشرة.
يتطابق هذا التقييم مع تحليل غاريث كوليت، العميد المتقاعد في الجيش البريطاني والمتخصص في إبطال مفعول القنابل في مكافحة الإرهاب والحاصل على دكتوراه في هندسة المتفجرات.
يرجح كوليت أن تكون القذيفة ذخيرة أميركية جوية تزن 500 رطل، مستبعدًا أن تكون صاروخًا إيرانيًا للدفاع الجوي.
وأشار إلى أن أخطاء الإصابة يمكن أن تحدث حتى مع أنظمة التوجيه المتطورة، خصوصًا مع كثافة استخدام القنابل خلال العمليات العسكرية.
أدلة تنفي فرضية الارتداد
راجع الأستاذ في معهد أبحاث السلام في أوسلو سيباستيان شوته الصور ومقاطع الفيديو المتاحة، وخلص إلى أن الثقب الموجود في سقف المبنى لا يتوافق مع فرضية ارتداد مقذوف من موقع برج الاتصالات.
استبعد الخبراء الثلاثة احتمال أن يكون صاروخ إيراني أطلق عن طريق الخطأ قد تسبب في تدمير المنزل.
استند شوته في تقييمه إلى زاوية الارتطام، معتبرًا أنها لا تتطابق مع المسار المتوقع لصاروخ دفاع جوي. أما كوليت، فأشار إلى غياب مؤشرات على شظايا يُفترض ظهورها عادة في حال انفجار رأس حربي تابع لصاروخ دفاع جوي.
عرضت وسائل إعلام إيرانية صورًا لبقايا أسلحة مختلفة في موقع الانفجار، فيما صنّف بول بعض البقايا على أنها مرتبطة بسلاح من فئة القنابل الانزلاقية التي يستخدمها الجيش الأميركي.
مشاهد من موقع الحفل
أظهرت المواد المصورة التي تحققت منها «رويترز» آثارًا دامية وسط الأنقاض، بينها أحذية ملطخة بالدماء وبقايا من زينة حفلات الزفاف المنتشرة في المنطقة.
أرسل أحد سكان كوهستاك رسالة صوتية إلى الوكالة بعد وقت قصير من الانفجار، تحدث فيها عن تدمير عدة منازل ووجود أشخاص تحت الأنقاض.
قال شاهد آخر إن عددًا كبيرًا من المشاركين في حفل الزفاف أصيبوا، وإن عمليات نقل الجرحى إلى المرافق الطبية كانت مستمرة عقب الهجوم.
تحدث السكان إلى «رويترز» بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، في ظل حساسية الأوضاع الأمنية والعسكرية المحيطة بالحادث.
طهران تتهم واشنطن
وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الهجوم بأنه «جريمة حرب جديدة»، معتبرًا أن الواقعة تمثل دليلًا إضافيًا على ما وصفه بالسقوط الأخلاقي للولايات المتحدة.
قال بقائي في رسالة عبر منصة «إكس» إن الحرب الأميركية على إيران غير قانونية، وربط الهجوم بمحاولات واشنطن، وفق تعبيره، التغطية على ما اعتبره هزيمة عسكرية.
تداعيات على المدنيين
تتجاوز أهمية حادث كوهستاك حدود البلدة الصغيرة، إذ يأتي وسط مخاوف متزايدة بشأن قدرة العمليات العسكرية على تجنب إصابة المدنيين والمنشآت غير العسكرية.
يمثل سقوط خمسة قتلى وإصابة 68 شخصًا في مناسبة مدنية اختبارًا إضافيًا للروايات المتعارضة حول طبيعة الأهداف العسكرية وآليات اختيارها، خصوصًا مع وجود هدف عسكري على مسافة قصيرة من موقع الحفل.
في حال تأكدت فرضية الإصابة المباشرة بذخيرة أميركية، فإن الواقعة قد تفتح أسئلة قانونية وسياسية حول دقة الاستهداف، وآليات التحقق من الأهداف، والإجراءات المتخذة لتقليل مخاطر سقوط ضحايا مدنيين.
تظل نتائج التحليل الذي أجرته «رويترز» مبنية على الأدلة المرئية المتاحة وتقييم خبراء الأسلحة، فيما يستمر الجدل حول الملابسات الدقيقة للانفجار والمسؤولية المباشرة عنه.