يقترب العراق من حسم واحد من أكثر الملفات تعقيدًا منذ سقوط تنظيم الدولة، مع انتقال قضية 5704 محتجزين من مرحلة التدقيق والتحقيق إلى أروقة المحاكم. يحمل هذا الملف أبعادًا تتجاوز الجانب القضائي، نظرًا إلى تعدد الجنسيات وتنوع التهم وتشابكها مع جرائم ارتُكبت خلال سنوات سيطرة التنظيم، فضلًا عن التداعيات الأمنية والدبلوماسية المرتبطة بمصير المحكومين الأجانب.
أقرا أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في غزة والضفة الغربية بتاريخ 3_9_2026
5704 محتجزين أمام القضاء
أعلن مجلس القضاء الأعلى، الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول، استكمال الاستجواب والتحقيق مع 5704 متهمين بالانتماء إلى تنظيم الدولة، تمهيدًا لإحالتهم إلى المحاكم المختصة وفق الأدلة والوقائع الخاصة بكل قضية.
ينتمي المتهمون إلى 67 دولة، بينهم 3497 سوريًا و474 عراقيًا، إضافة إلى 19 جنسية من دول الاتحاد الأوروبي، و16 جنسية عربية، و32 جنسية أجنبية أخرى.
أظهرت نتائج التحقيق ارتباط عدد من المتهمين بأدوار قيادية وأمنية وعسكرية ومالية وإعلامية داخل التنظيم، إلى جانب صلات بهجمات عابرة للحدود وجرائم خطيرة بحق الإيزيديين، شملت السبي والاحتجاز والنقل والبيع والاسترقاق.
تضم قائمة الجنسيات الأجنبية ألمانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا والنمسا وإسبانيا وسويسرا والدانمارك وبولندا وروسيا وأوكرانيا، إضافة إلى أستراليا وكندا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة.
أقرا أيضاً:النيبال تحصي أضرار الفيضانات.. خسائر بمليارات الدولارات
الأدلة تحدد المسؤولية
اعتمدت الجهات العراقية خلال التحقيق على التدقيق الاستخباري وجمع الأدلة والبيانات البيومترية، بما يشمل البصمات وقزحية العين والحمض النووي، بمشاركة أجهزة قضائية وأمنية.
أسفرت عمليات التحقق عن الإفراج عن مواطن فنلندي وآخر أميركي وسبعة عراقيين، عقب عدم ثبوت الأدلة الكافية بحقهم.
تجري كذلك إجراءات الإفراج عن 457 سوريًا تمهيدًا لتسليمهم إلى السلطات السورية. ويحصل كل متهم على محامٍ منتدب، مع توفير الرعاية الصحية وإتاحة التواصل مع ذويه، إلى جانب زيارات البعثات الدبلوماسية واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
تعكس هذه الإجراءات أهمية التمييز بين الاشتباه والإدانة، إذ يرتبط تحديد المسؤولية بما تثبته التحقيقات وما تقرره المحاكم المختصة.
محاكمات على دفعات
تتجه السلطات القضائية إلى إحالة الملفات على مراحل، بحيث يخضع كل متهم للمحاكمة استنادًا إلى الوقائع والأدلة المرتبطة به.
يزيد تعدد الجنسيات وتنوع المهام المنسوبة إلى المتهمين من صعوبة إدارة القضية، خصوصًا مع وجود ملفات تتصل بجرائم وقعت في العراق وسوريا خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة.
من سجون سوريا إلى بغداد
بدأ نقل المحتجزين في 21 يناير/كانون الثاني 2026 من سجون قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا، واستمرت العملية على دفعات حتى 13 فبراير/شباط، حين اكتمل وصول 5704 أشخاص إلى العراق.
جرى النقل عبر منفذين بري وجوي، ثم أودع المحتجزون في سجن الكرخ المركزي ببغداد، وفق الترتيبات التي تمت مع قوات التحالف الدولي.
بلغت مدة عملية التسلم 24 يومًا، بحسب المتحدث باسم وزارة العدل العراقية أحمد لعيبي، الذي أشار إلى تعهد التحالف بالمساهمة في توفير الاحتياجات المادية واللوجستية للمحتجزين.
مستقبل المحكومين الأجانب
ترتبط أي عملية نقل إلى الدول الأصلية بصدور أحكام قضائية نهائية واستكمال الإجراءات القانونية.
تسمح الترتيبات العراقية بنقل المحكومين إلى بلدانهم وفق الاتفاقيات ومذكرات التعاون ومبدأ المعاملة بالمثل، مع استثناء المحكومين بالإعدام.
يواصل الشخص المنقول إلى بلده تنفيذ المدة المتبقية من العقوبة الصادرة بحقه في العراق، وفق ما ذكرته وزارة العدل، التي أكدت عدم جواز إعادة محاكمته أو إصدار عفو عنه من سلطات بلده.
عبء متزايد على المؤسسات الإصلاحية
أضاف وصول آلاف المحتجزين ضغطًا جديدًا على السجون العراقية، خاصة بعد تخصيص سجن الكرخ المركزي لهذه الفئة وإعادة توزيع عدد من النزلاء العراقيين على مؤسسات إصلاحية أخرى.
يشمل العبء تكاليف الإيواء والحراسة والرعاية الصحية، إلى جانب المتطلبات الأمنية والإدارية المرتبطة بإدارة هذا العدد الكبير من المحتجزين.
ملف ذو أبعاد دولية
يرى خبراء أن إنهاء التحقيقات وفرز الملفات وفق الأدلة يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة القضاء العراقي على إدارة قضية ذات امتدادات دولية واسعة.
تضع القضية الدول التي يحمل المحتجزون جنسياتها أمام مسؤولية التعامل مع مواطنيها، خصوصًا أن العراق تحمل خلال السنوات الماضية جانبًا كبيرًا من مواجهة تنظيم الدولة، فيما يستمر احتجاز آلاف الأشخاص على أراضيه.
يمنح التعاون الثنائي ومذكرات التفاهم بغداد مساحة أوسع للتنسيق مع الدول المعنية بشأن المحكومين، إلى جانب توسيع قنوات التعاون الأمني، بما يشمل التنسيق مع دمشق.
مخاطر ما بعد الترحيل
يحذر خبراء من تداعيات نقل بعض المحكومين إلى دول تعاني هشاشة أمنية أو نزاعات داخلية، إذ قد تؤدي ضعف منظومات الاحتجاز إلى فرار عناصر متطرفة وعودتهم إلى ساحات الصراع.
تواجه دول غربية تحديًا قانونيًا يتعلق بإثبات الجرائم أمام محاكمها المحلية، خصوصًا عندما تكون الوقائع قد حدثت خارج أراضيها وتكون الأدلة الميدانية محدودة.
قد تقود صعوبة إثبات بعض الاتهامات إلى أحكام محدودة أو الإفراج عن أشخاص بعد فترات قصيرة، ما يثير مخاوف أمنية بشأن احتمال عودة بعضهم إلى النشاط المتطرف.
العراق أمام اختبار حاسم
يمثل انتقال القضية إلى المحاكم نقطة تحول في ملف بدأ بعملية نقل واسعة من الأراضي السورية، ثم مر بمراحل التدقيق الأمني والتحقيق وجمع الأدلة.
ستحدد الأحكام القضائية مصير كل متهم، بينما ستتولى الاتفاقات الدولية معالجة المرحلة اللاحقة بالنسبة إلى المحكومين الأجانب.
تتوقف أهمية التجربة العراقية على قدرة القضاء على تحقيق المحاسبة وفق الأدلة، وضمان حقوق من تثبت براءته، وإدارة ملف المحكومين بما يحافظ على الأمن العراقي ويحد من احتمالات عودة التنظيم إلى النشاط عبر الحدود.