تدخل العلاقات السورية الألمانية مرحلة أكثر عملية، مع انتقال التواصل بين دمشق وبرلين من بناء الثقة وتبادل المواقف إلى خطوات تستهدف دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. ويعكس هذا التحول رغبة سورية في الاستفادة من الانفتاح الدولي لتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية ومشاريع ملموسة.
يحمل حديث الرئيس أحمد الشرع عن تجاوز مرحلة التعارف وتبادل الثقة والانتقال إلى مرحلة العمل دلالة واضحة على توجه دمشق نحو استقطاب الاستثمارات والشركات الكبرى. فالحكومة السورية تسعى، وفق هذا الطرح، إلى تقديم البلاد باعتبارها سوقًا واعدة خلال مرحلة إعادة البناء، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى تمويل وخبرات وتقنيات خارجية.
تكتسب عودة المؤسسات الألمانية أهمية خاصة، لا سيما مع استئناف الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وبنك التنمية الألماني (KfW) نشاطهما في سوريا بعد توقف دام 14 عامًا، إلى جانب افتتاح «البيت الألماني» في دمشق. وتمثل هذه الخطوات انتقالًا من التفاهمات السياسية إلى حضور مؤسسي يمكن أن يترجم التعاون إلى برامج ومشاريع تنموية.
اقتصاديًا، تراهن دمشق على المرحلة الحالية لجذب المستثمرين قبل أن تتغير طبيعة الفرص المتاحة مع استقرار الاقتصاد وبدء تعافي القطاعات المختلفة. غير أن جذب رؤوس الأموال لا يرتبط بحجم الاحتياجات وحده، بل يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وتشريعات واضحة، وضمانات للمستثمرين، وقدرة على تأمين التمويل وتنفيذ المشاريع ضمن جداول زمنية محددة.
الرهان السوري لا يخلو من تحديات؛ فإعادة الإعمار تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، فيما يتطلب الاستثمار طويل الأجل مستوى مرتفعًا من الاستقرار السياسي والأمني والمؤسسي. لذلك، فإن نجاح دمشق في إزالة العقبات أمام الشركات سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان الانفتاح الاقتصادي سيتحول إلى تدفقات استثمارية فعلية أم سيبقى عند حدود الوعود والتفاهمات.
من الجانب الألماني، تبدو عودة مؤسسات التعاون خطوة محسوبة لاختبار إمكانات المرحلة الجديدة. فالمشاريع التنموية يمكن أن تشكل مدخلًا لتوسيع العلاقات تدريجيًا، لكنها ستظل مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات السورية على تنفيذ الالتزامات وتوفير بيئة مناسبة للعمل والشراكة.
تركيز وزير الخارجية أسعد الشيباني على توسيع العلاقات لتشمل الاقتصاد والتنمية يعكس توجهًا سوريًا نحو تنويع مجالات التعاون مع الدول الأوروبية. كما أن ربط المشاريع الألمانية بأولويات التعافي وإعادة الإعمار يمنح التعاون إطارًا أكثر ارتباطًا بالاحتياجات الداخلية بدل اقتصاره على الاتصالات السياسية.
في المقابل، لا تعني عودة المؤسسات الألمانية تلقائيًا تدفق استثمارات ضخمة إلى سوريا. الشركات الكبرى ستحتاج إلى تقييم المخاطر والعوائد، ومدى استقرار القوانين، وقدرة السوق على استيعاب المشاريع، وإمكانات تحويل الأموال، إلى جانب مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
لهذا، سيكون الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة في قدرة دمشق وبرلين على تحويل التفاهمات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل. فإذا نجحت هذه الخطوة، يمكن أن تشكل التجربة الألمانية نموذجًا لتوسيع التعاون مع دول وشركات أخرى، أما إذا بقيت عند مستوى اللقاءات والبرامج المحدودة، فسيظل الانتقال إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية الشاملة مؤجلًا.
المؤشر الأبرز على نجاح هذا المسار لن يكون عدد الزيارات والوفود، بل حجم المشاريع التي تدخل مرحلة التنفيذ، وقيمة التمويل الموجه إليها، ومدى انعكاسها على البنية التحتية والخدمات وفرص العمل. عندها فقط يمكن القول إن سوريا انتقلت فعليًا من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة العمل والإعمار.