حرب الموانئ تهدد إمدادات القمح وتربك الأسواق العالمية

2026.09.03 - 21:43
Facebook Share
طباعة

تضع التطورات العسكرية المتسارعة حول موانئ البحر الأسود تجارة الحبوب العالمية أمام اختبار جديد، بعدما امتدت الهجمات الروسية والأوكرانية إلى السفن والمنشآت المرتبطة بالتصدير. ومع تراجع حركة الشحن من البلدين، تتزايد الضغوط على الأسعار والأسواق، بينما يجد المزارعون الأوكرانيون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: محصول وفير يصعب نقله إلى المشترين.

اقرأ أيضاً:موازنة لبنان 2027.. الضرائب ترتفع والرواتب تلتهم نصف الإنفاق

 

 

تكتسب المخاوف أهمية أكبر بسبب الوزن الذي تمثله روسيا وأوكرانيا في تجارة الغذاء الدولية، إذ توفر الدولتان معًا أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، إلى جانب كميات كبيرة من الشعير والذرة وزيت دوار الشمس ويأتي اضطراب الإمدادات في وقت تعاني فيه الأسواق أصلًا من ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود وموجات الحر والجفاف.

 

محصول وفير بلا أسواق

 

توضح صحيفة «نيويورك تايمز» أن وفرة الإنتاج الزراعي في جنوب أوكرانيا لم تتحول إلى مكاسب بالنسبة للمزارعين، بعدما أدى تعثر التصدير إلى عزوف المشترين وانخفاض الأسعار، ما دفع المنتجين إلى تخزين كميات كبيرة من الحبوب بالتزامن مع تراجع الإيرادات.

 

قالت فيكي أيكن، مديرة مكتب منظمة «ميرسي كور» الأمريكية غير الربحية في أوكرانيا، إن المزارعين الأوكرانيين هم الأكثر تضررًا من تعطل حركة التصدير عبر البحر الأسود.

 

 

حذرت أيكن من أن استمرار العجز عن تصريف المحاصيل قد يؤدي إلى خسارتها نتيجة نقص قدرات التخزين، داعية إلى التوصل سريعًا إلى اتفاق جديد يضمن استمرار صادرات الحبوب.

 

الموانئ والسفن تحت الهجوم

 

تشير وكالة «بلومبيرغ» إلى أن نحو شهرين من الهجمات الروسية والأوكرانية على السفن التجارية والموانئ في البحر الأسود وبحر آزوف قلصا صادرات الحبوب من الجانبين، الأمر الذي دفع العقود الآجلة للقمح إلى أعلى مستوى لها خلال ثلاث سنوات وأثار مخاوف بشأن إمدادات الغذاء.

 

بدأت روسيا هذا العام استهداف آخر الموانئ الأوكرانية العاملة وحركة الملاحة في البحر الأسود، ما أدى إلى عرقلة طريق التصدير الرئيسي للحبوب. كما امتدت الضربات بالمسيّرات إلى المحاصيل والمعدات والمنشآت الزراعية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

 

وسّعت أوكرانيا بدورها نطاق عملياتها ليشمل منشآت الموانئ في جنوب روسيا، واستهدفت خلال أغسطس/آب الماضي ما لا يقل عن خمس ناقلات روسية محملة بالحبوب، وفق دورية «لويدز ليست» المتخصصة بالشؤون البحرية.

 

انعكس التصعيد سريعًا على حركة الشحن الأوكرانية، إذ لم تتجاوز صادرات الحبوب نصف مليون طن متري بين الأول و18 أغسطس/آب الماضي، أي نحو 20% من المستويات المعتادة عندما تعمل الموانئ بكامل طاقتها، بحسب وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي.

 

في المقابل، بلغت صادرات روسيا 1.4 مليون طن متري بين الأول و20 أغسطس/آب، وهو أقل من نصف الكمية المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، كما يمثل أدنى مستوى للصادرات خلال عشر سنوات، وفق الاتحاد الروسي لمصدري ومنتجي الحبوب.

 

بدائل التصدير تواجه الضغوط

 

لم تقتصر الأضرار على الموانئ الرئيسية، إذ استهدفت الضربات الروسية منشآت وبنى تحتية تستخدم في تصدير الحبوب الأوكرانية، بما فيها مرافق تديرها شركات عالمية كبرى لتجارة المحاصيل.

 

دفعت صعوبة استخدام البحر الأسود كييف إلى الاعتماد بصورة أكبر على الطرق البرية والسكك الحديدية ومحطات الشحن على نهر الدانوب. غير أن هذه البدائل لم تسلم بدورها من الضغوط، بعدما طالت الهجمات الروسية أجزاء من شبكات النقل، في حين واجهت حركة الملاحة عبر الدانوب مشكلات إضافية بسبب انخفاض منسوب المياه نتيجة ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف.

 

على الجانب الروسي، أدت الهجمات الأوكرانية على الموانئ والسفن في البحر الأسود وبحر آزوف إلى شبه تعطيل مسار بحري تمر عبره عادة أكثر من 70% من صادرات الحبوب الروسية.

 

هل تتكرر أزمة 2022؟

 

يحذر خبراء من أن استمرار التصعيد قد يخلق صدمة جديدة في أسواق الغذاء العالمية، خصوصًا أن البحر الأسود يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة المنتجات الزراعية، وتعتمد عليه أسواق في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا للحصول على الإمدادات.

 

تستحوذ روسيا وأوكرانيا معًا على أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، بينما تعد روسيا أكبر مصدر للقمح عالميًا، وتوفر وحدها نحو طن واحد من كل ستة أطنان متداولة في الأسواق الدولية.

 

يعيد هذا المشهد إلى الذاكرة اضطرابات عام 2022، عندما أدى اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية إلى توقف فعلي لحركة الشحن من الموانئ الأوكرانية، ودفع أسعار الحبوب إلى مستويات قياسية.

 

يرى مات دارا، محلل أسواق الحبوب والبذور الزيتية لدى شركة «كبلر»، أن قمح البحر الأسود يكون عادة الأقل تكلفة في الأسواق العالمية. ومع تعطل وصوله، قد يضطر المشترون الأكثر حساسية للأسعار إلى تقليص وارداتهم أو تحمل تكاليف أعلى، وهو ما قد ينعكس على تضخم أسعار الغذاء عالميًا.

 

مع ذلك، لا تشير مؤشرات السوق الحالية إلى تكرار صدمة 2022 حتى الآن، إذ تقترب أسعار السلع الغذائية المتداولة عالميًا من أعلى مستوياتها منذ 2023، لكنها لا تزال أقل بكثير من الذروة التي أعقبت اندلاع الحرب.

 

تظل مخزونات الحبوب العالمية وفيرة، كما تتوافر مصادر بديلة للقمح من رومانيا وبلغاريا وصربيا، ما يوفر قدرًا من الحماية أمام اضطراب الإمدادات من البحر الأسود.

 

تركيا تبحث عن ممر آمن

 

تتزامن المخاوف المتعلقة بالحبوب مع ضغوط إضافية على أسواق الغذاء، تشمل ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود بسبب اضطراب التجارة عبر مضيق هرمز، إلى جانب التأثير المتزايد لتقلبات الطقس.

في محاولة لاحتواء تداعيات التصعيد، تجري تركيا اتصالات مع روسيا وأوكرانيا بشأن خطة جديدة تسمح بمرور شحنات الحبوب بأمان، على غرار المبادرة التي توسطت فيها أنقرة مع الأمم المتحدة عام 2022.

أتاحت تلك المبادرة تصدير نحو 33 مليون طن من الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، قبل أن تنسحب موسكو منها في 2023.

 

أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الاثنين الماضي، أن بلاده أعدت خطة لضمان سلامة حركة شحنات الحبوب، وأنها تجري اتصالات مع موسكو وكييف بشأنها.

 

لكن موسكو لا تبدو مستعدة حتى الآن للعودة إلى الاتفاق، إذ قال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر جروشكو، الأربعاء، إن بلاده «لا ترى مبررًا» لاستئنافه.

يبقى مستقبل تجارة الحبوب عبر البحر الأسود مرتبطًا بمسار العمليات العسكرية وقدرة الأطراف على حماية الموانئ والسفن، في وقت تحاول فيه الأسواق امتصاص الصدمة دون الانزلاق إلى أزمة غذاء عالمية كتلك التي شهدها العالم بعد اندلاع الحرب عام 2022.

 


اقرأ أيضاً:المدارس تعود.. وفاتورة المستلزمات ترهق الأسر السورية

 

البحر الأسود, أزمة الغذاء العالمية, الحبوب, القمح, روسيا, أوكرانيا, صادرات الحبوب, الموانئ, الملاحة البحرية, أسعار القمح, الأمن الغذائي, الزراعة, البحر الأسود وبحر آزوف, تركيا, هاكان فيدان, مضيق هرمز, التجارة العالمية, المزارعون الأوكرانيون, الأزمة الروسية الأوكرانية 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 4

اقرأ أيضاً